تضرب أزمة إنسانية جديدة اليمن بشدة بعد عودة المعارك بين المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران وقوات الحكومة المعترف بها دولياً، مما أثار قلق وكالات الإغاثة الدولية والأمم المتحدة. وينطوي احتمال العودة إلى حرب شاملة على خطر تفاقم واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية استمراراً في العالم.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى فرار ما يزيد على 46 ألف شخص من منازلهم حاملين فقط بعض الملابس، على مدار الأسبوع الماضي، مع تجدد القتال في جنوب غربي البلاد.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة، أمس الجمعة، من أن هذا العدد، الذي شمل حتى أول من أمس الخميس محافظات الساحل الغربي وتعز واقترب من 50 ألف نازح "يرتفع بمعدل مقلق ساعة تلو الأخرى".
قرى تفرغ من سكانها
وردت تقارير تفيد بمغادرة أعداد كبيرة من السكان مدينة المخا ومعهم ممتلكاتهم خلال الليل، وذلك بعد سيطرة ميليشيات حوثية على المدينة الساحلية الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر. وتقول المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب "تُجبر الأسر على النزوح للمرة الثانية أو الثالثة منذ اندلاع هذا الصراع، وهي لا تملك شيئاً تقريباً"، ومع اتساع رقعة القتال "تزداد صعوبة إيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى الناس".
وفي الأيام الماضية، وردت أنباء عن وصول نازحين جدد إلى محافظتي لحج وعدن، وتفيد تقارير بتحرك أشخاص شمالاً باتجاه محافظة إب. بل إن قرى بأكملها أُخليت من سكانها في ثلاث مديريات بمحافظة تعز، وهي مقبنة وجبل حبشي والمعافر، مع اقتراب القتال من المناطق المأهولة بالسكان، وفق ما أفادت المنظمة الأممية، فيما تفيد تقارير أخرى بانقطاع الطريق الرابط بين المخا وتعز وهو شريان حيوي للإمدادات، مما يضع المجتمعات المستضيفة في المنطقة تحت ضغوط متزايدة.
خلال الأعوام الأخيرة، تحولت الحرب في اليمن بين القوات الحكومية والميليشيات الحوثية التي تسيطر على العاصمة صنعاء إلى حال من السلام الهش، وذلك منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 2022، والذي أدى فعلياً إلى تقسيم البلاد بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وتلك الخاضعة لسيطرة الحوثيين. أما الآن، فقد عاد اليمن ليشهد معارك واسعة النطاق، مما يفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
أكثر من 377 ألف حالة وفاة
وقبل هدنة عام 2022، قدرت الأمم المتحدة أن الصراع تسبب في أكثر من 377 ألف حالة وفاة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مدار ثمانية أعوام من الحرب الأهلية. ووفقاً لمنظمة "أنقذوا الأطفال، قُتل ما يقدر بنحو 150 ألف شخص جراء أعمال العنف في الفترة ما بين عامي 2014 و2021، وتوفي 85 ألف طفل بسبب المجاعة لاحقاً.
ومما يزيد الوضع سوءاً أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يعاني نقصاً حاداً في التمويل، إذ اضطر إلى تعليق المساعدات الغذائية تماماً، وقلص وتيرة تقديم المساعدات النقدية الشهرية لتصبح كل شهرين بدلاً من كل شهر، وذلك بحسب تصريحات المدير التنفيذي بالإنابة للبرنامج كارل سكاو، في تعليقات لصحيفة "نيويورك تايمز".
وقال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي زار اليمن الأسبوع الماضي، "إن الأطفال في مخيمات النازحين التي زارها لم يكونوا يذهبون إلى المدارس، وأخبره يمنيون بأنهم يبيعون ممتلكاتهم لشراء الطعام. وفي إحدى العيادات الصحية، كان هناك طابور طويل من الأمهات ينتظرن تلقي الرعاية الطبية، وهن يحملن أطفالاً يعانون سوء التغذية بين أذرعهن. وقال "كانوا يجدون صعوبة بالغة في توفير وجبة واحدة في اليوم".
وأشار إلى أن اليمن لم يتعرض فقط لويلات القتال، فقد أدى تعطل حركة الشحن في المنطقة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في بلد يستورد معظم حاجاته الغذائية. وفي الوقت نفسه، تسببت موجات الجفاف والفيضانات في إلحاق أضرار بالمزارع اليمنية.
عودة شبح الكوليرا
كانت مخزونات الطوارئ استُنفدت بالفعل عقب جهود الإغاثة الأخيرة لمواجهة الفيضانات التي ضربت اليمن. وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن الحاجات الأكثر إلحاحاً تتمثل في المأوى والغذاء والمياه والمستلزمات المنزلية والرعاية الصحية ودعم الحماية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 60% فقط من المرافق الصحية في اليمن تعمل بكامل طاقتها، وذلك في ظل مواجهة المستشفيات لارتفاع حاد في أعداد المصابين بجروح ناجمة عن النزاع.
وحتى قبل التصعيد الأخير في أعمال العنف، كان ما يقدر بنحو 4.5 مليون يمني نزحوا من منازلهم. كما أن ما يقارب نصف المرافق الصحية في البلاد خارج الخدمة، وأُجبرت الهجمات التي استهدفت عمال الإغاثة التابعة للأمم المتحدة على تعليق عملياتها داخل المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وفي تعليقات صحافية الشهر الماضي، حذر منسق منظمة "أطباء بلا حدود" إيمانويل ماسارت، قائلاً "نحن بالفعل على شفا أزمة تغذية هائلة في اليمن... فالوضع هناك سيئ للغاية بالفعل... وتعد هذه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي نشهدها". وقال ماسارت "نواجه حالياً وباءً كبيراً للكوليرا في جنوب اليمن"، معرباً عن أسفه لأن تصاعد الصراع أدى إلى تشتيت الموارد التي كان من الممكن استخدامها لمكافحة الأمراض.
وذكرت منظمة "الفيلق الطبي الدولي"، وهي منظمة غير ربحية أخرى تعمل في اليمن، أنها سجلت 1227 حالة إصابة بالكوليرا في مرافقها خلال أغسطس/ آب الماضي، إذ شكل الأطفال دون سن الخامسة أكثر من نصف الحالات المبلغ عنها.
وتصاعدت حدة القتال البري في مطلع شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، إذ وقعت اشتباكات بين القوات على جبهات متعددة. وأظهرت مقاطع فيديو مسلحين حوثيين يدخلون مدينة المخا في الـ10 من سبتمبر الجاري، وهي مدينة تقع على بعد أكثر من 50 ميلاً جنوب خط المواجهة السابق. ويرى محللون أن السيطرة على هذه المدينة ستمنح الحوثيين سيطرة شبه كاملة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.
وفي حين انصب الاهتمام الدولي على مصير مضيق هرمز، كثف الحوثيون في الأشهر الأخيرة هجماتهم أيضاً على حركة الملاحة الحيوية في البحر الأحمر، وهو ممر مائي آخر بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي.
ويقول المحلل الأول في مؤسسة "مجموعة الأزمات الدولية" البحثية في واشنطن أحمد ناجي، إن أحد العوامل المحتملة التي قد تؤدي إلى التصعيد هو أي استئناف لحرب شاملة بين إيران والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن "مصير الصراع مشترك بين الحوثيين والإيرانيين، ففي نهاية المطاف ومن وجهة نظر الحوثيين، إذا تحدثت إليهم، فإن ما يحدث ضد إيران لا يمثل قضية تخص إيران وحدها، بل قضية تهم ’محور المقاومة‘ بأكمله. وهم يعتقدون أن ضعف الإيرانيين يعني ضعفهم هم أيضاً، وأن هزيمة إيران تعني أنهم سيكونون الهدف التالي".
(إنجي مجدي)