تفاقمت أزمة الوقود في إيران مع خفض الحكومة الدعم والحصص المدعومة وارتفاع أسعار البنزين، فيما يواجه الاقتصاد تداعيات الحرب والحصار الأمريكي وانهيار العملة وارتفاع الأسعار.
وانضم سائقو الشاحنات وسيارات الأجرة إلى موجة احتجاجات عمالية، بينما تتسع الضغوط المعيشية على الإيرانيين مع بلوغ تضخم أسعار الغذاء 128% وانخفاض الريال إلى مستوى قياسي جديد.
طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وإضرابات ينفذها سائقو الشاحنات، وحكومة تكافح للحفاظ على الدعم الذي ساعد قطاعات واسعة من السكان على البقاء فوق خط العوز.
وتضيف التداعيات الاقتصادية للحرب والحصار الأمريكي مزيداً من الألم إلى حياة الإيرانيين العاديين الذين يعانون بالفعل انهيار العملة وتفاقم البطالة، وارتفاع أسعار كل شيء من الغذاء إلى أكياس القمامة.
الإثنين الماضي، ضاعفت الحكومة بعض أسعار البنزين إلى ما يعادل 0.04 دولار لليتر الواحد، وقد يكلف ملء خزان السيارة بعد استنفاد الحصص الأرخص نحو دولارين للسيارة وخمسة دولارات للشاحنة، وهو عبء كبير على الإيرانيين، إذ إن معظمهم لا يكسبون أكثر كثيراً من 100 دولار شهرياً.
جفاف محطات الوقود
جفت بعض محطات الوقود من البنزين بعدما سارع السائقون إلى تعبئة مركباتهم قبل دخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ، واستهدفت الزيادات سيارات الركاب التي تتزود بالوقود بعد تجاوز حصصها المخصصة، وجاءت بعدما خفضت طهران بالفعل الحصص الشهرية المدعومة.
وبقي بعض السائقين عالقين بعدما عجزوا عن الحصول على الوقود، فيما عبر سائقو سيارات الأجرة والشاحنات عن غضبهم من تدهور ظروف المعيشة.
واضطرت الحكومة الإيرانية إلى خفض الدعم مع ارتفاع كلفة إبقاء الدعم الحكومي، وتسارع إلى إصلاح الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير خلال الحرب، وتواجه صعوبات في استيراد البنزين بسبب الحصار.
قال سائق في مدينة أريانسهر، الواقعة داخل المنطقة المحافظة شمال شرقي إيران، إنه علق مع عائلته في محطة وقود بعدما حاول إعادة تعبئة مركبته.
وقال السائق في تسجيل مصور نشره اتحاد نقابات سائقي الشاحنات ومنظمات السائقين في أنحاء إيران، وهو اتحاد نقابي مستقل يمثل قطاع النقل، "يقولون إن البنزين انتهى، حتى الغد". وقد تحققت مؤسسة "ستوري فول" من التسجيل، وهي مملوكة لشركة "نيوز كورب"، الشركة الأم لـ"وول ستريت جورنال".
احتجاجات بفعل تدهور ظروف المعيشة
كان عمال ومتقاعدون في قطاعات الاتصالات والنفط والتعليم قد نظموا احتجاجات بسبب تدهور ظروف المعيشة، وانضم إليهم الآن سائقو الشاحنات وسيارات الأجرة الذين تضرروا بصورة أكبر من أزمة الوقود.
واحتج 120 سائق سيارة أجرة في إقليم كرمان شرق البلاد على خفض حصتهم من الوقود المدعوم، وفقاً لاتحاد نقابات سائقي الشاحنات والسائقين.
وقال السائقون إن إمدادات الوقود لديهم تنفد خلال الثلث الأخير من كل شهر.
وقال أحدهم للاتحاد، "ننتظر 20 يوماً من أجل الركاب، ونكافح 10 أيام بسبب نقص الوقود!".
ودخل العاملون لدى شركة "سناب" لخدمات التوصيل والنقل التشاركي، وهي النسخة الإيرانية من "أوبر" والتي كانت ذات يوم رمزاً لآمال البلاد الاقتصادية، في إضراب هذا الأسبوع داخل مدن عدة.
وأطلقت "سناب" أعمالها عام 2014 خلال فترة من الانفتاح الاقتصادي، وأصبحت الآن واحدة من أكبر جهات العمل الخاصة في البلاد، مع 3 ملايين سائق.
وفي أراك، المركز الصناعي الواقع غرب إيران، اصطف عشرات السائقين الإثنين الماضي أمام مكتب المحافظ، وقالوا إنهم لم يعودوا قادرين على تغطية نفقاتهم.
وكان أحدهم يحمل لافتة كتب عليها "هذه الأجور لا تبقي عجلة الحياة دائرة"، وفقاً لتسجيل مصور تحققت منه مؤسسة "ستوري فول".
حركة الحاويات الإيرانية
وفي الأحد الماضي، قاد سائقون مواكب عبر الطرق الرئيسة في سمنان، وهي مدينة تقع شرق طهران، وأغلقوا حركة المرور، وفقاً لتسجيلات مصورة تحققت منها المؤسسة نفسها.
وقال أحد السائقين في تسجيل مصور، "توقفنا جميعاً، لا أحد يعمل".
وتثير أزمة الوقود أيضاً استياء لدى شركات النقل الأكبر حجماً. ففي أواخر أغسطس/ آب الماضي، أضرب سائقو الشاحنات في محطة مهران الحدودية مع العراق ليوم واحد احتجاجاً على نقص الوقود، وفقاً لوكالة أنباء "نشطاء حقوق الإنسان" وهي منظمة أمريكية غير ربحية.
ويؤدي المعبر دوراً رئيساً في إدخال السلع الغذائية الأساس إلى البلاد.
وخلال الثلاثاء الماضي حذر سائقو الشاحنات في ميناء بندر عباس على مضيق هرمز، الذي يتعامل مع الجزء الأكبر من حركة الحاويات الإيرانية، من أنهم قد يحذون حذو زملائهم.
وقال سائقو شاحنات الميناء ضمن بيان نشره اتحاد نقابات سائقي الشاحنات والسائقين في إيران، "السائق وعائلة السائق هم من يدفعون الثمن من جيوبهم. المشكلة أننا لم نعد قادرين على تحمل هذه الضغوط".
ويقول العاملون في قطاع النقل إنهم يواجهون مشكلات في الوقود لم يواجهوها حتى خلال القتال الفعلي في الشهر الأول من الحرب مع الولايات المتحدة.
وقال نائب رئيس جمعية سائقي الشاحنات في البلاد جلال موسوي، وهي جمعية قريبة من الحكومة، لوكالة أنباء "العمال الإيرانية" الرسمية التي تسيطر عليها الدولة، إن سائقي الشاحنات "كانوا مشغولين بنقل البضائع خلال الحرب وتحت هجمات الصواريخ، ولم يوقفوا تدفق البضائع ولو لساعة واحدة".
وأضاف أن "السائقين اليوم يواجهون طوابير طويلة للتزود بالوقود".
توقعات بنمو التضخم ومزيد من التراجع في العملة الإيرانية
ومن المتوقع أن يزداد التضخم الذي بلغ بالفعل 128% في أغسطس الماضي بالنسبة إلى أسعار الغذاء، بعدما تراجعت العملة الإيرانية بشدة خلال الأسابيع الأخيرة، مع تعثر التقدم الدبلوماسي وتشديد الولايات المتحدة حملة الضغوط الاقتصادية على طهران.
وتجاوز الريال مستوى 2.3 مليون ريال للدولار الواحد، مسجلاً أدنى مستوى له على الإطلاق.
أسعار المنتجات البلاستيكية
تسمح "سناب"، التي تقدم أيضاً خدمات التوصيل، للعملاء الآن بشراء البقالة وحتى خدمات سيارات الأجرة على أربع دفعات. وقال أحد سكان طهران، في السبعينيات من عمره، إنه أصيب بالصدمة من أسعار المنتجات البلاستيكية.
وكانت إسرائيل استهدفت منشآت البتروكيماويات الإيرانية بشدة في بداية الحرب، وأصبح سعر لفافة تضم 30 كيساً للقمامة يعادل الآن 4.26 دولار.
ويمتلك الرجل عقاراً، وقال إنه رفع قيمة الإيجار الذي يتقاضاه بنسبة 250% خلال الأعوام الخمسة الماضية، ليصل إلى 149 دولاراً شهرياً.
وقالت امرأة أخرى من سكان طهران، في الأربعينيات من عمرها، إنها أصبحت تشتري المواد الغذائية من المستودعات التي يستخدمها تجار الجملة، واضطرت إلى خفض الإنفاق على مستلزمات ابنها المدرسية.
وقالت إن علامات الثراء لا تزال موجودة، مشيرة إلى شكوكها في أن هناك أشخاصاً يحققون أرباحاً من ندرة السلع التي تسببت فيها العقوبات.
ولا يزال الأثرياء يتسوقون لشراء المجوهرات باهظة الثمن في أحد مراكز التسوق الفاخرة في طهران. لكنها قالت إن معظم الناس أصبحوا فقراء للغاية.
وأضافت أن الفقر تحول إلى موضوع حاضر في المسرحيات ومعارض الرسم والأفلام المستقلة، وقالت، "كل شيء أصبح يدور حول الفقر".
(كفاية أولير)