تعود سلسلة جبال كهبوب، الواقعة في جنوب غربي اليمن، إلى واجهة المشهد العسكري مع تجدد المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في واحدة من أكثر المناطق حساسية على امتداد الساحل الغربي للبلاد.
وجاء التصعيد الأخير بعد فترة من الهدوء النسبي على الجبهة، وسط تحركات عسكرية متبادلة تعكس الأهمية الاستراتيجية لموقع كهبوب وقربها من مضيق باب المندب.
وأفاد المركز الإعلامي لألوية العمالقة الجنوبية بأن قواته استهدفت خلال الساعات الأخيرة معدات وتجمعات للحوثيين في جبهة كهبوب – باب المندب، مشيراً إلى تنفيذ ضربات دقيقة أوقعت خسائر في صفوف الجماعة، وتحدث المركز عن تدمير خمس مركبات، بينها مركبة تحمل سلاحاً من عيار 23 ملم، ومقتل من كانوا على متنها، وفقاً لما ورد في إفادته.
وتكتسب كهبوب أهميتها من موقعها أكثر من طبيعتها الجبلية، إذ تقع في الأطراف الغربية لمديرية المضاربة ورأس العارة التابعة إدارياً لمحافظة لحج، قرب البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويجعل هذا الموقع الجغرافي منها نقطة ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى حركة القوات، وخطوط الإمداد، والإشراف على المناطق الساحلية والممرات القريبة من أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
موقع يتجاوز حدود الجبل
تشير القراءة الجغرافية والعسكرية للمنطقة إلى أن قيمة كهبوب لا ترتبط بمساحتها وحدها، وإنما بموقعها ضمن شبكة من التضاريس والممرات التي تربط الساحل بالمناطق الداخلية.
فالمرتفعات الجبلية في مناطق الصراع تمنح عادة أفضلية في الرصد والمراقبة، وقد تتحول إلى نقاط ارتكاز عسكرية إذا توافرت لها خطوط إمداد وقوات قادرة على تثبيت مواقعها.
ومن هذه الزاوية، فإن السيطرة على كهبوب لا تعني بالضرورة السيطرة على مساحة واسعة، لكنها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة التحركات في محيطها والتأثير في مسارات الحركة العسكرية، وأن قربها من باب المندب يرفع من مستوى حساسيتها، لأن أي تغير في ميزان السيطرة على المناطق القريبة من الممر البحري يكتسب أهمية تتجاوز الحسابات المحلية المباشرة.
وتزداد أهمية الموقع بالنظر إلى طبيعة الساحل الغربي لليمن، حيث تتداخل الجغرافيا العسكرية مع خطوط الإمداد ومناطق الانتشار وقرب الممرات البحرية.
ولهذا، فإن الجبال والممرات والنقاط المرتفعة قد تتحول إلى عناصر حاسمة في تحديد قدرة الأطراف على المناورة، أو الدفاع، أو شن عمليات جديدة.
خلفية تاريخية واجتماعية
خلال السنوات الماضية ظل اسم كهبوب مرتبطاً بتاريخ عسكري وجغرافي متداخل مع الصراع على النفوذ في جنوب وغرب اليمن، وارتبطت المنطقة اجتماعياً بقبائل الصبيحة، التي عاشت فيها ومارست أنشطة الرعي والزراعة، مما يمنح المعارك الدائرة فيها أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى اعتبارات جغرافية واجتماعية وسياسية.
وتأتي المعارك الحالية في منطقة شهدت مراحل مختلفة من التوتر العسكري، فيما ظلت طبيعتها الجبلية عاملاً مؤثراً في حركة القوات وانتشارها.
ومن ثم، فإن أي تصعيد في كهبوب يمكن أن ينعكس على المناطق المحيطة بها، خصوصاً في ظل اتصالها الجغرافي بمناطق الساحل والداخل.
ويرى المتخصص والمحلل العسكري العميد حسين الحالمي أن التطورات الجارية في كهبوب لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الأوسع في خريطة الصراع اليمني، معتبراً أن الجغرافيا أدت دوراً أساساً في تحديد مسارات المواجهة وقواعد النفوذ خلال السنوات الماضية.
ويشير الحالمي إلى أن أهمية كهبوب لا ترتبط بارتفاع جبالها فحسب، وإنما بموقعها الاستراتيجي المشرف على منطقة قريبة من باب المندب والممرات البحرية.
ومن هذا المنظور، فإن السيطرة على المواقع المرتفعة في المنطقة تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على المراقبة والإشراف الناري، فضلاً عن تأثيرها في خطوط الحركة والإمداد بين مناطق الساحل والداخل.
عقدة في خريطة الصراع
وبحسب قراءة الحالمي، فإن المعارك الحالية تأتي في سياق تراكمات عسكرية وسياسية بدأت مع التحولات التي شهدتها جبهات الساحل الغربي، بما في ذلك المخا وذوباب ومناطق أخرى، وصولاً إلى الوضع الراهن الذي باتت فيه كهبوب ضمن نطاق التماس المباشر مع مناطق الجنوب.
ويعتقد المتخصص في الشأن العسكري أن التقدم الحوثي في عدد من المناطق خلال مراحل سابقة استفاد من عوامل عدة، من بينها غياب التخطيط العسكري الموحد وضعف التنسيق بين القوى المناهضة للجماعة، وهو ما أتاح انتقال الصراع تدريجاً نحو مناطق أكثر حساسية من الناحية الجغرافية.
ويضع الحالمي كهبوب ضمن ما يمكن وصفه بـ"العقد الجغرافية" التي قد تبدو صغيرة من حيث المساحة، لكنها تحمل وزناً أكبر من حجمها بسبب موقعها.
فالنقاط المرتفعة والممرات الحيوية يمكن أن تؤثر في حركة القوات وخطوط الإمداد وتوازنات السيطرة، مما يجعل المعركة حولها أكثر تعقيداً من مجرد صراع على مساحة جبلية محدودة.
ويشير إلى أن المنطقة تضم تجمعات سكانية مرتبطة بقبائل الصبيحة ومناطق في طور الباحة، مما يمنح المواجهات بعداً اجتماعياً ومحلياً إضافياً.
ويرى أن استمرار القتال في هذه الجبهة قد يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة حساباتها العسكرية، خصوصاً مع اقتراب المواجهات من منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الجنوب والساحل الغربي.
ما الذي تعنيه المعركة؟
من الناحية العسكرية، يمكن النظر إلى كهبوب باعتبارها نقطة ضمن منظومة أوسع من المواقع المرتفعة التي تكتسب قيمتها من قدرتها على التأثير في المجال المحيط بها. وفي الحروب التي تعتمد على السيطرة على التضاريس، قد تصبح قمة جبل أو ممر ضيق عنصراً مؤثراً في حركة وحدات عسكرية أكبر بكثير من حجمه الجغرافي.
أما سياسياً، فإن استمرار القتال في هذه المنطقة يعكس صعوبة فصل الجبهة الجنوبية الغربية عن بقية مسارات الحرب اليمنية، فالموقع القريب من باب المندب يجعل التطورات الميدانية قابلة للارتباط بحسابات أمنية واقتصادية أوسع، بينما يضيف ارتباط المنطقة بالمجتمع المحلي والقبائل عاملاً آخر إلى المعادلة العسكرية.
ويحذر الحالمي من أن التطورات في كهبوب قد تتجاوز حدود الجبهة المحلية، بالنظر إلى موقعها قرب الممرات البحرية الدولية، ويطرح احتمال حدوث تطورات عسكرية جديدة في البر أو البحر في حال اتسعت دائرة التصعيد أو تغيرت حسابات الأطراف المنخرطة في الصراع.
وبذلك، تبدو كهبوب واحدة من النقاط التي تختصر تعقيدات الحرب اليمنية، فهي مساحة جغرافية محدودة، لكنها تقع عند تقاطع خطوط عسكرية وقبلية وسياسية وبحرية.
ولذلك، فإن المعارك الدائرة فيها لا تبدو منفصلة عن الصراع الأوسع على النفوذ في الساحل الغربي وجنوب اليمن، فيما قد تؤثر نتائجها بصورة الانتشار العسكري والتوازنات الميدانية في محيط باب المندب خلال المرحلة المقبلة.
(جمال شنيتر)