لم تبدأ الأزمة اليمنية الراهنة بالحرب التي اندلعت عام 2015، بل تعود جذورها لتعثر مسار الانتقال السياسي الذي أعقب الاحتجاجات الشعبية عام 2011.
ففي نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام، توصلت الأطراف اليمنية، برعاية مجلس التعاون الخليجي ودعم الأمم المتحدة، إلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي نصت على انتقال السلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، وبدء مرحلة انتقالية تقود إلى حوار وطني وصياغة دستور جديد وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس التوافق السياسي.
وبدأ مؤتمر الحوار الوطني الشامل في مارس/ آذار عام 2013 بمشاركة 565 ممثلاً عن مختلف القوى والمكونات السياسية والاجتماعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي والنساء والشباب.
واختتم المؤتمر أعماله في يناير/ كانون الثاني 2014 بوثيقة كان يفترض أن تشكل أساساً لدستور جديد ودولة اتحادية. واعتبرت الأمم المتحدة آنذاك انتهاء المؤتمر خطوة رئيسة في مسار الانتقال السياسي اليمني.
لكن هذا المسار لم يكتمل، ففي سبتمبر/ أيلول عام 2014، سيطر الحوثيون المدعومون من إيران، وبالتعاون مع وحدات من القوات المسلحة موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، على صنعاء، قبل أن يوسعوا نطاق سيطرتهم إلى مناطق أخرى من البلاد.
وشكل سقوط العاصمة نقطة تحول حاسمة في الأزمة اليمنية، إذ قوّض مسار الانتقال السياسي الذي انطلق عقب احتجاجات عام 2011، وفتح الطريق أمام فرض واقع سياسي وعسكري جديد بالقوة.
من الحوار الوطني إلى السيطرة على صنعاء
لم يكُن الحوثيون خارج العملية السياسية التي سبقت سيطرتهم على العاصمة، بل كانوا من المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني، إلا أن الخلافات حول شكل الدولة الاتحادية وتقسيم الأقاليم ومستقبل السلطة سرعان ما تحولت إلى مواجهة سياسية وعسكرية.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الحوثيين اعترضوا على صيغة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم اتحادية، إذ كانت الصيغة المقترحة ستضع معقلهم في صعدة ضمن إقليم أزال الجبلي، وهو إقليم داخلي لا يملك منفذاً على البحر.
ولم يكُن هذا الموقف منفصلاً عن تنامي ارتباط الحوثيين بطهران والمصالح الاستراتيجية الإيرانية في اليمن، إذ كانت إيران تسعى إلى تعزيز نفوذ حليفها وعدم حصره في مناطق داخلية بعيدة من السواحل والموانئ والممرات المائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب.
لكن الاعتراض على الصيغة الاتحادية تحول لاحقاً إلى تحرك عسكري، إذ سيطر الحوثيون، بالتعاون مع وحدات من القوات المسلحة الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، على صنعاء في سبتمبر 2014، قبل أن يوسعوا نطاق سيطرتهم إلى مناطق أخرى، بينها الحديدة والساحل الغربي.
وأتاح هذا التوسع للحوثيين الوصول إلى البحر الأحمر ومناطق قريبة من باب المندب، مانحاً إيران، عبر حليفها الحوثي، ورقة نفوذ وضغط إضافية في معادلات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
ومع مطلع عام 2015، فرض الحوثيون الإقامة الجبرية على الرئيس عبدربه منصور هادي وعدد من مسؤولي الحكومة. وكان هادي انتُخب رئيساً توافقياً لليمن في فبراير/ شباط 2012، بوصفه المرشح الوحيد بموجب اتفاق نقل السلطة، وحصل على 99.8% من الأصوات، وسط مشاركة واسعة بلغت نحو 60% من الناخبين المسجلين.
وتمكن هادي لاحقاً من مغادرة صنعاء والوصول إلى عدن، قبل أن يغادر البلاد ويطلب دعماً عسكرياً من دول المنطقة.
وفي الـ26 من مارس/ آذار عام 2015، بدأ التحالف بقيادة السعودية تدخله العسكري، بناء على طلب الرئيس اليمني، بهدف دعم الحكومة المعترف بها دولياً واستعادة مؤسسات الدولة ومواجهة التوسع العسكري للحوثيين وحلفائهم.
وبذلك انتقل اليمن من محاولة إدارة خلافاته عبر عملية سياسية داخلية مدعومة خليجياً ودولياً إلى حرب مفتوحة، برزت خلالها إيران لاعباً إقليمياً أساسياً من خلال علاقتها المتنامية بالحوثيين، ودعمهم بالمال والسلاح والتدريب، بما أسهم في تعزيز قدراتهم العسكرية وتوسيع نفوذهم داخل اليمن.
إيران والحوثيون.. من التقارب الأيديولوجي والسياسي إلى الدعم العسكري
تنفي طهران منذ أعوام تقديم دعم عسكري مباشر إلى الحوثيين، وتصر في خطابها الرسمي على أن مساندتها لهم سياسية وإنسانية، لكن تقارير دولية متعاقبة رسمت صورة أكثر تعقيداً لهذه العلاقة.
وتطورت علاقة إيران بالحوثيين تدريجاً من التقارب السياسي والأيديولوجي إلى شبكة دعم شملت، بحسب تقارير دولية، التدريب والتكنولوجيا العسكرية والأسلحة والتمويل، فضلاً عن مشاركة قادة وخبراء من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري في تقديم الدعم والإشراف العسكري والتقني للحوثيين داخل اليمن، وهي مشاركة استمرت حتى التطورات الأخيرة في باب المندب.
وأفاد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن بأن المعلومات التي جمعها أظهرت حصول الحوثيين على مساعدات تقنية وتدريب وأسلحة ودعم مالي من إيران، إضافة إلى جماعات مسلحة عراقية و"حزب الله" اللبناني.
ووثقت تقارير الفريق عمليات نقل وتهريب أسلحة ومواد ومكونات عسكرية وتقنيات مرتبطة بقدرات الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيّرة، مشيرة إلى أن حجم وطبيعة وتنوع العتاد والتكنولوجيا العسكرية التي حصلت عليها الجماعة من الخارج بلغت مستوى غير مسبوق.
ولا يقتصر الدعم الإيراني للحوثيين على تهريب الأسلحة الجاهزة، إذ تفيد معلومات بأن قيادات وعناصر من الحرس الثوري الإيراني تشارك في الإشراف والتدريب وتقديم الخبرات العسكرية والتقنية داخل اليمن، إلى جانب عناصر من "حزب الله" اللبناني وميليشيات عراقية مرتبطة بإيران (الحشد الشعبي)، فضلاً عن شبكات وعناصر صومالية مرتبطة بمسارات التهريب والدعم.
وتشمل هذه الأنشطة ورشاً عسكرية داخل مناطق سيطرة الحوثيين تستخدم في تصنيع وتجميع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ ومنظومات عسكرية أخرى، فيما تهرب المكونات والقطع والتقنيات اللازمة لهذه الورش عبر شبكات مرتبطة بـ"فيلق القدس"، مما أسهم في تطوير الترسانة العسكرية للحوثيين وتعزيز قدراتهم على إنتاج وتجميع أسلحة داخل اليمن.
خطة إيرانية للسلام بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء
بعد أسابيع من بدء عملية "عاصفة الحزم" عام 2015، طرح وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف خطة من أربع نقاط لإنهاء الحرب في اليمن، تضمنت وقفاً فورياً لإطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية الخارجية وإيصال المساعدات الإنسانية واستئناف الحوار اليمني - اليمني وتشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة.
لكن ما كشفه ظريف بعد أعوام في التسجيل الصوتي المسرب عام 2021 عن علاقته بقائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني أضفى بعداً آخر على الدور الإيراني في الملف اليمني، إذ تحدث ظريف عن أن السياسة الإقليمية الإيرانية لم تكُن خاضعة بالكامل لوزارة الخارجية، وأن الملفات الإقليمية كانت تدار بتنسيق وثيق مع سليماني، بما في ذلك ملف اليمن ومساعي التفاوض في شأنه مع الولايات المتحدة.
وتكشف روايته عن أن التعامل مع اليمن لم يكُن بالنسبة إلى طهران مجرد موقف دبلوماسي من حرب اندلعت في دولة مجاورة للسعودية، بل أصبح جزءاً من ملفات النفوذ الإقليمي التي سعت إيران إلى إدخالها في اتصالاتها ومفاوضاتها مع القوى الدولية.
ومن هذا المنظور، اكتسبت الخطة الإيرانية ذات النقاط الأربع أهمية تتجاوز بنودها المعلنة، فطُرحت بعدما كان الحوثيون سيطروا على صنعاء ومؤسسات الدولة ووسعوا نطاق عملياتهم العسكرية إلى مناطق أخرى من البلاد.
وكان وقف العمليات العسكرية عند تلك المرحلة، من دون اشتراط انسحاب الحوثيين مسبقاً من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من مؤسسات الدولة، من شأنه أن يثبت واقعاً عسكرياً وسياسياً جديداً أصبحت فيه الجماعة المدعومة من إيران طرفاً رئيساً لا يمكن تجاوزها، ويمنح طهران، بالتالي، موقعاً في أية ترتيبات سياسية لاحقة تخص اليمن.
وهنا تحديداً تعارضت المبادرة الإيرانية مع المقاربة التي تبنتها الحكومة اليمنية والسعودية ومجلس التعاون الخليجي، ولاحقاً مع قرار مجلس الأمن 2216.
ورفضت الحكومة اليمنية رسمياً المبادرة الإيرانية، ففي رسالة بتاريخ 17 أبريل/ نيسان 2015 إلى مجلس الأمن، رفضت البعثة اليمنية لدى الأمم المتحدة مضمون الرسالة الإيرانية، وطالبت بوقف ما وصفته بالتدخل الإيراني في الشؤون اليمنية وتسليح الحوثيين، وربطت إنهاء الأزمة بوقف عمليات الجماعة في عدن وتعز وإب ومأرب.
وبذلك، لم يكُن الخلاف حول الخطة متعلقاً بمبدأ وقف الحرب في حد ذاته، بقدر ما كان مرتبطاً بترتيب خطوات التسوية، فإيران طرحت وقف العمليات ثم الحوار وتشكيل حكومة وحدة وطنية، في وقت كانت موازين القوى تغيرت لمصلحة الحوثيين، بينما تمسكت الحكومة اليمنية وحلفاؤها بأن تبدأ التسوية بالتراجع عن النتائج التي فرضها الحوثيون عسكرياً.
وفي ضوء ما كشفه ظريف لاحقاً عن دور سليماني في إدارة الملف اليمني، يمكن قراءة المبادرة أيضاً باعتبارها محاولة لنقل النفوذ الذي حققته طهران عبر حليفها الحوثي على الأرض إلى موقع سياسي ودبلوماسي يجعل إيران طرفاً حاضراً في معادلة الحل اليمني.
السعودية: إيران ليست وسيطاً محايداً
في مقابل التحرك الإيراني، اتخذت السعودية موقفاً رافضاً لأن تقدم طهران نفسها وسيطاً في أزمة أصبحت، من وجهة نظر الرياض والحكومة اليمنية، طرفاً فيها من خلال دعمها الحوثيين.
ورفض وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل الدعوات الإيرانية إلى وقف العمليات العسكرية، مؤكداً أن تدخل التحالف جاء لدعم السلطة الشرعية في اليمن، ومشدداً على أن إيران ليست الجهة التي تقرر ما ينبغي فعله في هذا البلد.
وانطلق الموقف السعودي من أن طهران لا تستطيع الجمع بين دعم الحوثيين عسكرياً وسياسياً، ثم تقديم نفسها طرفاً محايداً يطرح مبادرة لإنهاء الحرب بعدما حققت الجماعة مكاسب واسعة على الأرض.
ومن هذا المنظور، نظرت الرياض إلى التحرك الإيراني على أنه محاولة لترجمة النفوذ الذي اكتسبته طهران عبر الحوثيين إلى دور سياسي في تقرير مستقبل اليمن.
وفي مواجهة هذه المقاربة، تمسكت السعودية والحكومة اليمنية ومجلس التعاون الخليجي بمرجعيات العملية السياسية القائمة على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216 الصادر في أبريل 2015.
وجاء القرار ليحدد إطاراً مختلفاً عن المبادرة الإيرانية، إذ طالب الحوثيين بصورة فورية وغير مشروطة بوقف استخدام العنف والانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، بما فيها صنعاء، والتخلي عن الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، ووقف الإجراءات التي تدخل حصراً ضمن صلاحيات الحكومة الشرعية. كذلك، فرض حظراً مستهدفاً على توريد الأسلحة إلى الأفراد والكيانات المشمولة بالعقوبات.
وبذلك، لم يعُد شرط التراجع عن المكاسب التي حققها الحوثيون بالقوة موقفاً سعودياً ويمنياً وخليجياً وحسب، بل أصبح جزءاً من إطار دولي أقره مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
من صنعاء إلى باب المندب
أظهرت الأعوام اللاحقة أن أهمية الحوثيين بالنسبة إلى إيران لم تعُد تقتصر على امتلاك حليف مسلح على الحدود الجنوبية للسعودية، إذ منح الموقع الجغرافي لليمن الجماعة قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، الممتد من باب المندب إلى البحر الأحمر.
وبرز هذا التحول بصورة واضحة منذ أواخر عام 2023، عندما بدأ الحوثيون شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل بحرية على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، مما دفع عدداً من شركات الشحن الدولية إلى تحويل مسارات سفنها بعيداً من البحر الأحمر، ونقل تأثير الجماعة من حدود الصراع اليمني إلى حركة التجارة والملاحة الدولية.
ودفع اتساع هذه الهجمات مجلس الأمن إلى المطالبة بوقفها فوراً، والتشديد على تنفيذ حظر الأسلحة ومنع وصول المعدات والمواد التي تمكن الحوثيين من مواصلتها.
ويكشف هذا التطور عن البعد الاستراتيجي الأوسع للنفوذ الإيراني في اليمن. فالحوثيون الذين انطلقوا كقوة محلية متمركزة أساساً في شمال البلاد، باتوا يمتلكون ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، إضافة إلى ورش لتجميع منظومات عسكرية وتصنيعها وتطويرها بدعم وخبرات إيرانية وإشراف قيادات من الحرس الثوري.
وأصبحت هذه القدرات تتيح للجماعة تهديد الداخل اليمني ودول الجوار، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، فضلاً عن التأثير في أمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة الدولية.
وهكذا، فإن الوصول إلى الساحل الغربي وباب المندب لم يمنح الحوثيين عمقاً عسكرياً إضافياً وحسب، بل وفر لإيران، من خلال حليفها اليمني، ورقة ضغط جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن والخليج العربي إلى أحد أهم شرايين الملاحة والتجارة العالمية.
اليمن بين الدولة ومشروع النفوذ الإقليمي
بعد أكثر من عقد على سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين، لم تعُد القضية اليمنية مجرد صراع على تشكيل حكومة أو تقاسم السلطة، بل باتت تتعلق أيضاً بحق اليمنيين في استعادة دولتهم والعيش بحرية وكرامة بعيداً من سلطة ميليشيات مسلحة مرتبطة بقوة إقليمية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت القضية مرتبطة بموقع اليمن في منظومة الأمن الإقليمي، وبمن يمتلك السلاح وقرار الحرب والسلام، ومن يسيطر على سواحله والمناطق المطلة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وجاء التصعيد العسكري الأخير ليعيد هذه الأسئلة للواجهة بصورة أكثر وضوحاً، فبعد أعوام من الجمود النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022، شن الحوثيون، بدعم وإسناد إيرانيين، هجمات واسعة على مناطق خاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وحققوا تقدماً في عدد من الجبهات، وصولاً إلى مناطق استراتيجية على الساحل الغربي، في مسعى للسيطرة على باب المندب.
ولم يعُد الصراع، عند هذه النقطة، متعلقاً بالسيطرة على مناطق استراتيجية داخل اليمن وحسب، بل امتد إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم الذي تمر عبره نسبة مهمة من حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
ويكتسب هذا التحرك دلالة أوسع عند وضعه في سياق العلاقة العسكرية والاستراتيجية بين الحوثيين وطهران. فبعدما شكل مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية على دول الخليج العربي والاقتصاد العالمي، يثير اندفاع الحوثيين نحو باب المندب تساؤلات حول سعي طهران إلى تعزيز ورقة موازية على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، من خلال جماعة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية التي تتيح لها تهديد حركة الملاحة.
وفي ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية التي أضعفت قدرة إيران على استخدام ورقة هرمز كما حدث خلال الأشهر الأخيرة، يمكن قراءة محاولة الحوثيين تثبيت سيطرتهم حول باب المندب باعتبارها سعياً إلى تأمين ورقة ضغط إيرانية بديلة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لكن التطورات الميدانية الأخيرة قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، ففي الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ومؤسسات الدولة، قبل أن تطلق القوات الحكومية عملية "فجر اليمن" على جبهات عدة، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية.
وأعلنت القوات اليمنية استعادة مناطق استراتيجية على الساحل الغربي، بينها ذو باب ومناطق مطلة على باب المندب والمخا، بالتوازي مع عمليات عسكرية في تعز ومأرب والجوف وجبهات أخرى.
وتتجاوز أهمية هذه التطورات المكاسب العسكرية المباشرة، فإذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت سيطرتها على باب المندب والساحل الغربي ومواصلة التقدم شمالاً، فإن الحوثيين لن يخسروا أراضي ومواقع عسكرية وحسب، بل قد يخسرون جزءاً مهماً من قدرتهم على استخدام الساحل اليمني منصة للضغط على الملاحة الدولية.
وسيعني ذلك، في الوقت نفسه، تراجع إحدى أبرز أوراق النفوذ التي اكتسبتها إيران عبر الحوثيين خلال الأعوام الأخيرة.
ولهذا تبدو "فجر اليمن" أبعد من أنها جولة جديدة في حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، فنتائجها ربما تعيد رسم موازين القوى داخل اليمن، وتحدد مستقبل سيطرة الدولة على سواحلها وموانئها، وتنعكس مباشرة على أمن اليمن والسعودية ودول الخليج العربي والبحر الأحمر والتجارة الدولية.
كما أن استعادة الدولة سيطرتها على باب المندب ستضعف قدرة أية جماعة مسلحة خارج مؤسساتها على تحويل الموقع الجغرافي لليمن إلى أداة ضغط في صراعات إقليمية تتجاوز مصالح اليمنيين أنفسهم.
ومن هنا يعود الصراع، بعد أكثر من عقد، لجوهره الأول، هل تكون السيادة والسلاح وقرار الحرب والسلام بيد الدولة اليمنية، أم تبقى موزعة بين الدولة وجماعة مسلحة ترتبط عسكرياً وسياسياً وأيديولوجياً بإيران؟ وما بدأ عام 2014 بالسيطرة على صنعاء وصل، بعد أعوام، إلى الصراع على باب المندب والموانئ والسواحل اليمنية.
وعليه، تمثل عملية "فجر اليمن" التي أطلقتها الحكومة اليمنية بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، محاولة لقلب المسار الذي بدأ بسقوط صنعاء قبل أكثر من عقد، والانطلاق هذه المرة من استعادة السواحل والممرات الاستراتيجية نحو استعادة مؤسسات الدولة والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وإذا استمر هذا المسار ونجحت القوات الحكومية اليمنية في تثبيت مكاسبها وتوسيعها، فمن الممكن أن تصبح صنعاء المحطة الأهم خلال الأيام المقبلة، بما قد يغير بصورة جذرية المعادلة التي حكمت الصراع منذ سقوط صنعاء، ويضع مستقبل سيطرة الحوثيين والنفوذ الإيراني في اليمن أمام واقع مختلف تماماً، ويفتح أمام اليمنيين مجدداً أفق استعادة الدولة وإنهاء أعوام طويلة من الحرب والانقسام والمعاناة.
(جمال عبيدي)