لم تبدأ عملية "فجر اليمن" في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري ساعة أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاقها، بل توجت حصيلة أشهر من إعادة ترتيب المشهد اليمني، وأسابيع من الحشد السياسي والعسكري حول السعودية، وتحولات إقليمية ودولية وضعت الحوثيين أمام بيئة مختلفة كثيراً عن تلك التي أنقذتهم من لحظات عسكرية حرجة خلال أعوام الحرب الماضية.
ففي الأشهر التي سبقت العملية، أعادت الحكومة اليمنية ترتيب جانب من جبهتها الداخلية، وجرى الدفع نحو توحيد القرار والقيادات العسكرية وغرف العمليات، بالتوازي مع بناء السعودية شبكة أوسع من الشراكات الدفاعية، انتهت إلى قيام "حلف مكة" مع تركيا وباكستان.
وفي الخارج، كانت إيران تدخل أضعف مراحل قدرتها على إسناد حلفائها منذ أعوام، بينما راكم الحوثيون استعداء دول جديدة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، ونقلوا تهديدهم إلى "باب المندب" في لحظة أصبح فيها الممر البحري أكثر حساسية بفعل اضطراب "مضيق هرمز".
وقبل ثلاثة أيام من انطلاق العملية، كانت تقارير تتحدث بالفعل عن استعدادات سعودية - يمنية لهجوم واسع، بإسناد جوي سعودي ودعم استخباراتي أمريكي.
وهكذا دخلت المعركة قبل أن تطلق رصاصتها الأولى محمولة على سؤال يتجاوز ميزان القوى في الجبهات، هل اجتمعت هذه المرة العناصر السياسية والعسكرية التي افتقدتها جولات سابقة بما يكفي لحسم ملف اليمن، أم أن طبيعة الحوثيين والجغرافيا والمجتمع المنهك بالحرب ستعيد إنتاج حرب طويلة مهما اتسعت المظلة المحيطة بالحكومة؟
معركة أعد لها قبل إعلانها
أستاذ العلوم السياسية السعودي إياد الرفاعي لا يرى ما حدث في الأيام الأولى مفاجأة، على رغم سرعة الانهيارات الحوثية في عدد من المواقع.
ويقول في حديث إلى "اندبندنت عربية" إن الانتصارات "تبدو لبعضهم مفاجئة"، لكن من تابع ما يجري "منذ يناير/ كانون الثاني 2026 من توحيد للقيادات العسكرية اليمنية وإدراك لأهمية اتخاذ القرار من قبل غرفة عمليات موحدة للقوات الشرعية اليمنية"، يمكنه قراءة النتائج الحالية باعتبارها ثمرة مسار بدأ قبل أشهر.
ويضيف أن الحوثيين وصلوا إلى هذه الجولة تحت وطأة "ضغوطات اقتصادية جعلت الغضب الشعبي يحيط بهم من كل مكان"، فضلاً عن صعوبة الإمداد والأزمة التي تواجهها إيران، معتبراً أن الجماعة التي صعّدت تحركاتها خلال الشهرين الأخيرين "ترجع اليوم للدفاع، لكن هذه المرة أعتقد بأنه بعد فوات الأوان"، بعدما حددت القوات الحكومية هدفها السياسي والعسكري بوضوح، وفي مقدمته الوصول إلى صنعاء واستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
وتشير الوقائع السابقة للعملية إلى أن الترتيبات تجاوزت رفع الجاهزية العسكرية، إذ نقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن التحضير شمل إمكان حشد أكثر من 100 ألف مقاتل يمني، مع تولي القوات اليمنية المعركة البرية وإسناد سعودي من الجو ومساعدة أميركية في المعلومات والتخطيط والاستهداف، فيما بقي التحدي في مدى قدرة التشكيلات المتعددة على القتال بصورة منسقة والمحافظة على التقدم.
حين راكم الحوثي المبررات لخصومه
في المقابل، أسهم الحوثيون أنفسهم في تبديل البيئة السياسية التي أحاطت بالصراع. ويمكن قراءة الصبر السعودي خلال الأسابيع الأخيرة، سواء كان فخاً لاستدراج الحوثي أو سياسة مقصودة لمنع اتساع الحرب أو محاولة أخيرة لاحتواء التصعيد، باعتباره قد ترك الجماعة تراكم أمام المجتمع الدولي سلسلة من الأفعال التي وسعت دائرة الخصومة معها.
فبعد أعوام كان النقاش الدولي يتركز على الحرب داخل اليمن وكلفتها الإنسانية، انتقلت الصواريخ والمسيّرات إلى مدن ومنشآت سعودية، وقالت الرياض إن محاولات الاستهداف طاولت مكة المكرمة والمدينة المنورة، حتى إن نفى الحوثيون بعض تلك الاتهامات.
إلا أن دولاً عدة بما فيها الاتحاد الأوروبي عززت من صدقية البيانات السعودية، ودان الأوروبيون في الـ17 من سبتمبر/ أيلول الماضي "الهجوم الأخير الذي استهدف مكة"، وأعلن الاتحاد "تضامنه الكامل" مع السعودية، وطالب الحوثيين بوقف عملياتهم داخل اليمن وخارجه. وكان الاتحاد دان قبل ذلك هجمات استهدفت بنى مدنية واقتصادية سعودية وجرحت عشرات المدنيين.
وأكد العاهل المغربي محمد السادس في بيان تضامني لافت مع الرياض أن هجمات الحوثيين "باستهداف المناطق المدنية والمنشآت الاقتصادية والمواقع المقدسة يشكل انتهاكاً سافراً للقانون الدولي الإنساني وللمواثيق والأعراف الدولية، ولا يمكن أن يمر من دون محاسبة أو عقاب"، إضافة إلى عشرات البيانات العربية والإسلامية في هذا الصدد.
ويرى الرفاعي أن الاندفاعة الحوثية الأخيرة لم تكُن في حقيقتها دليلاً على فائض قوة، بقدر ما كانت محاولة للهروب من الضغوط. ويقول إنهم "أرادوا أن يتقدموا من دون حسابات منطقية وواقعية"، وإن "بعضهم تشاءم واستنكر عندما سقطت المخا في يد الحوثيين قبل أسبوعين، لكن لعل ما يغيب عن المتابع هو أن الحوثيين يتحركون بسبب الضغط الذي مورس عليهم داخلياً منذ بداية العام".
ويضيف أن الجماعة لم تتحرك "من باب الراحة أو استعراض القوة"، بل تحت ضغط مأزق داخلي دفعها، بحسب تقديره، إلى توسيع المواجهة من المخا وتعز إلى الأراضي السعودية، واستهداف "أعيان مدنية ومناطق لم يهاجمها الحوثيون من قبل".
ومن هنا يستحضر العبارة القديمة "النصر صبر ساعة"، قائلاً إنها ليست في هذه الحالة مجرد شعار، بل هي تعبير عن لحظة قد يبدو فيها تقدم الخصم مؤشراً إلى قوته بينما تكون في الواقع نتيجة اضطراره إلى المغامرة.
"حلف مكة".. وتفعيل الردع
لكن أهم ما تغير خارج اليمن ظهر بعد ساعات من إطلاق "فجر اليمن"، فـ"حلف مكة الدفاعي" الذي تأسس بين السعودية وباكستان وتركيا ولم يزَل في بدايات بناء مؤسساته، واجه أول اختبار حقيقي لفكرة الدفاع الجماعي التي قام عليها.
وكانت الشكوك رافقت الحلف منذ توقيعه في أغسطس/ آب الماضي، ولا سيما في شأن مدى قابلية تحويل عبارة أن الاعتداء على دولة يُعد اعتداء على الجميع إلى التزام تنفيذي عند وقوع أزمة فعلية. لكن اجتماعاً طارئاً للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في الرياض أمس الإثنين حمل إجابة أكثر تقدماً مما كان متوقعاً من تحالف حديث الولادة.
فالبيان المشترك لم يكتفِ بإدانة محاولة استهداف مكة والمدينة والهجمات على المدن والمنشآت السعودية، وإنما أعلن "الانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك"، واتخاذ الإجراءات اللازمة "لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وسرعة نشرها في المملكة"، بما يعزز الجاهزية والتكامل العسكري والقدرة الجماعية على مواجهة التهديدات.
كذلك، عيّن الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للحلف، وهو الذي تحدثت صحف باكستانية عن خلفيته العسكرية في بلوشستان ووزيرستان، بما يجعله قريباً من نطاق مهمة الحلف الراهنة، في ردع جماعات مارقة، قد تستدعي مواجهة غير تقليدية.
وتكمن أهمية الخطوة في توقيتها بقدر مضمونها، فالحلف الذي لم يستكمل بعد أشهراً من العمل المؤسسي اختار أن يثبت جديته عند أول اختبار، وأن ينقل مفهوم "الأمن الجماعي" من نص الاتفاق إلى إجراءات نشر فعلية، مما لا يعني أن القوات التركية أو الباكستانية أصبحت جزءاً من الهجوم البري داخل اليمن، فالبيان حدد نشر القوات والقدرات في السعودية، لكنه يمنح الرياض عمقاً دفاعياً إضافياً في مواجهة الصواريخ والمسيّرات، ويحرر في المقابل جزءاً أكبر من قدرتها لإسناد القوات اليمنية.
وهنا يصبح "حلف مكة" أكثر من عنوان دبلوماسي موازٍ للمعركة، فهو يوفر للسعودية ما يشبه مظلة خلفية لحماية الداخل، بينما تتولى القوات اليمنية التقدم على الأرض.
واشنطن.. ليست على الحياد
أما الموقف الأمريكي، فيبدو أكثر تعقيداً. فالرئيس دونالد ترمب أحجم في سبتمبر الماضي عن الاستجابة لطلب بتوجيه ضربات أمريكية مباشرة إلى الحوثيين، بحسب "رويترز"، لكنه وافق على توفير دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف، في صيغة تتيح للقوات المحلية وحلفائها قيادة المعركة من دون فتح جبهة أمريكية مباشرة جديدة.
وقال في اليوم الأول من المواجهات إنه يتابع العملية "وستسير بصورة جيدة"، في إشارة إلى الدعم الذي يأتي على رأسه ضغطه المتزايد على طهران، حليفة الميليشيات المتطرفة.
ويعني ذلك في حده الأدنى أن واشنطن لا تقف على مسافة واحدة من الطرفين، فإدارة ترمب تحمل سجلاً حديثاً وثقيلاً مع الحوثيين، إذ شنت خلال ربيع عام 2025 حملة جوية استمرت أسابيع، قبل أن تنتهي باتفاق لوقف استهداف السفن الأمريكية بوساطة عمانية. وأظهرت معلومات استخباراتية أميركية آنذاك، بحسب "رويترز"، أن الحوثيين كانوا يبحثون عن مخرج بعد أسابيع من القصف المكثف.
وإذا كان وصف ذلك بـ"الثأر" تعبيراً سياسياً أكثر منه توصيفاً دقيقاً للسياسة الأمريكية، فإن ذاكرة المواجهة حاضرة بالتأكيد في حسابات الإدارة الحالية.
وبدد وزير الخارجية ماركو روبيو جانباً من إيحاء الحياد حين قال بعد انطلاق العملية إن "السعوديين تعرضوا لهجمات حوثية، ومن حقهم الدفاع عن أنفسهم"، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها الدفاعية والأمنية تجاه المملكة، ومشيراً إلى أن القوات اليمنية تسعى إلى استعادة أراضٍ خسرتها أمام الحوثيين.
إسرائيل وسعت تعريف الخطر
والأمر نفسه ينطبق، بصورة مختلفة، على المواجهة بين الحوثيين وإسرائيل. فمن ناحية النتائج العسكرية، لم تغير الضربات المتبادلة وحدها ميزان الحرب داخل اليمن، وظلت قدرة الحوثيين على مواصلة إطلاق الصواريخ قائمة على رغم الغارات الإسرائيلية والأميركية. لكن القيمة السياسية لتلك المواجهة كانت أوسع.
فعندما وصلت الصواريخ الحوثية إلى إسرائيل وردت الأخيرة بضرب مطار صنعاء وميناء الحديدة ومواقع أخرى، خرج الحوثيون نهائياً من صورة الجماعة التي يمثل خطرها مشكلة يمنية أو سعودية وحسب.
وفي مايو/ أيار عام 2025 مثلاً، ضربت إسرائيل مطار صنعاء بعد سقوط صاروخ حوثي قرب مطار بن غوريون، في واحدة من الجولات التي أظهرت قدرة النزاع اليمني على جر أطراف أبعد إلى المواجهة.
ثم انتقل الخطر بصورة أوضح إلى الملاحة، ففي يونيو/ حزيران الماضي أعلن الحوثيون منع ما يصنفونه ملاحة إسرائيلية في البحر الأحمر، في وقت كانت حركة التجارة والطاقة تواجه أصلاً ضغوطاً كبيرة نتيجة أزمة "مضيق هرمز".
وحذر خبراء ملاحة حينها من صعوبة تعريف السفن المشمولة بذلك التهديد وإمكان اتساع دائرة الخطر إلى سفن لا علاقة لها بإسرائيل.
وهكذا قدم الحوثيون بأنفسهم الحجة التي كانت تفتقدها بعض العواصم الغربية خلال أعوام الحرب الأولى، فاستمرار سيطرتهم على الساحل لم يعُد مجرد بند في تسوية يمنية مؤجلة، بل مخاطرة مباشرة بواحد من أهم شرايين التجارة العالمية.
من "هرمز" إلى "باب المندب"
وازدادت تلك الحساسية مع اضطراب "مضيق هرمز" الذي دفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط أنابيب الشرق - الغرب وموانئ البحر الأحمر.
ووصل ضخ النفط عبر الخط إلى 5.8 مليون برميل، وفق وزير الطاقة السعودي اليوم الثلاثاء، فيما تحولت الموانئ الغربية إلى ممر أكثر أهمية للصادرات السعودية مع تعطل جزء من حركة "هرمز".
في هذه البيئة لم يعُد احتمال سيطرة الحوثيين أو قدرتهم على تهديد "باب المندب" مسألة تخص موازين الحرب اليمنية وحدها.
فوجود تهديدين متزامنين في "هرمز" و"باب المندب" يضع نسبة ضخمة من تجارة الطاقة أمام خطر جغرافي مزدوج، ولذلك ارتبط التقدم السريع للقوات اليمنية حول المضيق في الأيام الأولى من "فجر اليمن" بتراجع المخاوف في أسواق النفط نفسها.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول في البيئة الدولية المحيطة بالحرب، مصالح الدول الكبرى باتت أكثر التصاقاً بنتيجة المعركة مما كانت عليه عندما كانت الجبهات محصورة داخل اليمن، منذ عام 2015.
مفارقة ستوكهولم
ويمكن اختصار ذلك التحول بالمقارنة مع الحديدة عام 2018. يومها توصلت الحكومة اليمنية والحوثيون تحت رعاية الأمم المتحدة إلى اتفاق ستوكهولم الذي نص على وقف النار في الحديدة وإعادة انتشار القوات من المدينة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، ثم تبناه مجلس الأمن بالإجماع في القرار2451 .
ومن منظور خصوم الحوثيين، أوقف الاتفاق معركة كانت تضغط عليهم عسكرياً وأنقذهم من خسارة الساحل. أما من المنظور الدولي آنذاك، فكان الهدف وقف التصعيد حول ميناء بالغ الحساسية للمساعدات الإنسانية وفتح الطريق أمام تسوية سياسية أوسع.
وبعد ثمانية أعوام، تبدو المفارقة واضحة. فبريطانيا التي كانت من أبرز القوى الدافعة إلى المسار السياسي في ستوكهولم، أعلنت في سبتمبر الماضي تقديم دعم عسكري دفاعي إضافي للسعودية، شمل طائرة "فوياجر" للتزود بالوقود جواً لمساندة النشاط الدفاعي السعودي دعماً للحكومة اليمنية الشرعية، وقالت صراحة إن الحوثيين يمثلون "تهديداً خطراً للاستقرار الإقليمي"، وإن من مصلحة بريطانيا ألا ينجحوا.
والاتحاد الأوروبي، وإن بقي متمسكاً بالحل السياسي الشامل ولم يتبنَّ رسمياً هدف القضاء على الحوثيين عسكرياً، أصبح أكثر وضوحاً في تحميلهم مسؤولية التصعيد واعتبار هجماتهم خطراً على الأمن الإقليمي والملاحة، أي إن الأطراف التي خافت عام 2018 من نتائج سقوط الحديدة بالقوة، تجد نفسها اليوم أكثر قلقاً من نتائج بقاء الساحل والمضيق تحت تهديد الحوثيين. وهذه ربما أبرز مفارقات الجولة الجديدة.
إيران تبحث عن مخرجها
في الجهة المقابلة من المعادلة، يدخل الحوثي هذه المعركة وحليفه الرئيس أقل قدرة على الحركة مما كان عليه خلال جولات سابقة. فالحرب الأمريكية - الإيرانية والعقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية جعلت طهران مشغولة بأزمتها المباشرة، بينما تراجعت صادراتها النفطية إلى الصفر تحت الحصار الأميركي، بحسب بيانات نقلتها "بلومبيرغ" هذا الأسبوع.
والأكثر دلالة أن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار كشف قبيل العملية عن أن طهران طرحت عبر إسلام آباد فكرة الانتظام السياسي مع الحوثيين، وقال إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي يريدان البحث عن مخرج، فيما تحدث عن نأي إيراني عن الحوثيين وميليشيات عراقية خلال المرحلة الحالية.
ولا يعني ذلك أن إيران تخلت عن حليفها اليمني أو أنها فقدت القدرة على دعمه، لكنه يقدم مؤشراً إلى أن كلفة جبهة أخرى باتت أثقل على طهران من ذي قبل.
ومع ذلك، لا تكفي كل هذه التحولات الخارجية ما لم ينجح اليمنيون أنفسهم في الإجابة عن السؤال الذي أسقط تجارب سابقة، ماذا بعد التقدم العسكري؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع حضور مختلف التشكيلات المسلحة من كل أرجاء البلاد مترامية الأطراف شرقاً وجنوباً وشمالاً وغرباً.
ويستخلص المختصون اليمنيون من تجارب الوحدة في التسعينات، أن "الحسم العسكري يحتاج إلى عدالة سياسية تعالج جذور الصراعات الداخلية، وترميم العلاقات الإقليمية والدولية". إذ يضع عضو مجلس الشورى اليمني لطفي نعمان شرطاً لافتاً للحسم، يتعلق بحضور الدولة بثقلها المركزي لا القوات وحدها.
ويقول لـ"اندبندنت عربية" إن "النجاح في هذه المرحلة سيحقق الأهداف البعيدة، ويجعل المعركة فاصلة، شرط الاستعداد المسبق لكل مفاجأة وتغطية أية فجوات محتملة تمت ملاحظتها خلال الفترة الماضية".
ويشدد على أن "لا بد من حضور فاعل للقيادة اليمنية الشرعية بكامل أطيافها في الميدان وتفعيل الشراكة المؤسسية"، مضيفاً أن "رمزية الوجود والحضور الفاعل تتغلب على رمزية انتظار النتائج عند الطرف الآخر".
وهي ملاحظة تتجاوز الصورة السياسية إلى سؤال الشرعية نفسها. فالسلطة التي تريد استعادة صنعاء لا يكفي أن تصل إليها قواتها، بل تحتاج أيضاً إلى أن تظهر أمام اليمنيين باعتبارها دولة حاضرة وقادرة على إدارة ما تستعيده، لا مجرد ائتلاف عسكري ينتهي دوره بسقوط الجبهات.
الاحتماء بالجغرافيا
ومع اتساع الغطاء المحيط بالعملية، تبرز تحديات الميدان. فالحوثيون المحتمون بجغرافيا البلاد المعقدة على نحو من أفغانستان، يدخلون المواجهة بعد أكثر من عقد من الحرب، بنوا خلاله منظومات للتحصين والانتشار، وراكموا خبرة في مواجهة التفوق الجوي، وطوروا ترسانة من الصواريخ والمسيّرات.
كما أن انتقال القتال من الساحل إلى مرتفعات الشمال سيغير طبيعة العمليات، إذ تمنح الجغرافيا الجبلية المدافع أفضلية مختلفة تماماً عن السهول والمناطق الساحلية.
وتزداد الكلفة كلما اقتربت المعارك من المدن والمناطق المكتظة بالسكان. فالقتال حول صنعاء وصعدة وعمران لن يشبه السيطرة على طرق ساحلية مفتوحة، فيما يبقى احتمال استخدام المناطق المدنية للتحصن أو خلط المواقع العسكرية بالسكان أحد أصعب القيود على القوة الجوية.
وفوق ذلك، لا يمكن استبعاد وصول دعم خارجي إلى الحوثيين عبر طرق سرية، حتى في حال انشغال إيران أو رغبتها في خفض التصعيد.
فشبكات تهريب السلاح التي تشكلت خلال أعوام لا تختفي بقرار سياسي سريع، كما أن خصوم السعودية والولايات المتحدة قد يجد بعضهم مصلحة في إبقاء الجبهة اليمنية مفتوحة بأقل كلفة ممكنة.
من الناحية العسكرية، يعتبر اللواء السعودي المتقاعد أحمد الميموني الكفة العسكرية في هذه الجولة لصالح الحكومية الشرعية لأسباب عدة، في مقدمها "الدعم والمساندة الجوية للقوات الشرعية اليمنية من تحالف دعم الشرعية في اليمن"، إلى جانب "تماسك متصاعد في جهة الحكومة الشرعية بين القيادة السياسية والقوات العسكرية والأمنية في الداخل"، فضلاً عن "الإنهاك المستمر لقوات الحوثي خلال الفترة الماضية نتيجة انتشارهم في أماكن واسعة ومكشوفة".
وأضاف أن استمرار تقدم القوات الحكومية من شأنه "إفقاد الميليشيات الحوثية القدرة على إعادة التنظيم وحرمانهم من عنصر المبادرة"، في وقت يسعى الحوثيون، بحسب تقديره، إلى التمسك بالمواقع الاستراتيجية وطرق الإمداد الرئيسية والتقدم باتجاه باب المندب، لما يشكل من أهمية في ميزان الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران وأميركا.
مع ذلك، هل تكفي المظلة؟
لكن الصورة المقابلة لا تقل أهمية، فللمرة الأولى منذ أعوام تبدو عناصر عدة مجتمعة في وقت واحد، قيادة يمنية تعلن صنعاء هدفاً نهائياً للعملية وتشكيلات من الشمال والجنوب تقاتل على جبهات مشتركة وإسناد سعودي واسع ودعم استخباراتي أمريكي وحلف دفاعي أحد أطرافه نووية أثبت عند أول اختبار استعداده لتفعيل الرد الجماعي، وبريطانيا تقدم مساعدة عسكرية دفاعية والاتحاد الأوروبي بات يرى في الهجمات الحوثية خطراً يتجاوز اليمن إلى السعودية والملاحة، بينما تقف إيران أمام أزمة أكبر من قدرتها على التركيز في جبهة يمنية وحدها، مما يدفع الرفاعي إلى القول إن المهمة الآن ليست الاكتفاء بالمكاسب العسكرية، بل "استغلال هذه الانتصارات للتقدم نحو صنعاء، وصنع هدف سياسي حقيقي يمكن تطبيقه، واتفاق القوى اليمنية على توحيد أهدافها السياسية والاقتصادية"، محذراً من العودة للمآزق السابقة إذا لم يتبع الإنجاز العسكري برنامج سياسي موحد.
وهنا تكمن الإجابة الأكثر حذراً عن سؤال الحسم، فما وفرته السعودية والحكومة اليمنية قبل "فجر اليمن" ربما يكون أوسع مظلة سياسية وعسكرية توافرت لتحرير صنعاء منذ أعوام، وتبدل المزاج الدولي بالفعل من القلق من هزيمة الحوثيين إلى القلق من بقائهم قوة قادرة على تهديد الممرات البحرية والدول المجاورة.
لكن المظلة لا تخوض وحدها الحروب الفاصلة، ولا تدير مدينة بعد تحريرها، ولا تصلح خلافات القوى اليمنية، ولا تعيد الكهرباء والرواتب والمؤسسات. وهو ما تفطنت له الحكومة الشرعية وداعمها في الرياض، فمدت إعلان التحرير بترسانة من القرارات والإعلانات الاقتصادية والإنسانية والتعهدات السياسية.
لذلك لن يقاس نجاح "فجر اليمن" فقط بعدد المواقع التي يفقدها الحوثيون، ولا حتى بالوصول إلى صنعاء، بل بما إذا كانت هذه الجولة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه الجولات التي سبقتها، بانعكاس تحرير أي شبر على ساكنته، معيشة وأماناً واستقراراً.
(مصطفى الأنصاري)