تشن القوات الحكومية اليمنية هجوما عسكيا على الحوثيين. لكن النجاحات التي تحققت عند باب المندب مثيرة للجدل. والأمر الحاسم هو ما إذا كان خصوم الحوثيين الذين يعانون من انقسامات سيتمكنون من تنسيق قواهم.
تعهد شركاء "تحالف مكة" بما يلي: في إطار ميثاق مكة الذي أُبرم في أوائل أغسطس تعتزم تركيا وباكستان إرسال قوات إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في التصدي للهجمات من قبل الحوثيين الموالين لإيران، في وقت تواصل الميليشيا ضرب أهداف في المملكة. كما كثف التحالف العسكري العربي بقيادة الرياض غاراته الجوية في اليمن.
وشنت القوات الحكومية اليمنية هجوما عكسيا واسع النطاق على الحوثيين وأعلنت أنها حققت مكاسب أولية على الأرض عند مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية. ونفى الحوثيون ذلك ويبدو أنهم تمكنوا في الوقت نفسه من مواصلة التقدم حول مدينة تعز الواقعة في جنوب غرب البلاد بالقرب من البحر الأحمر.
وبذلك تظل الصورة متناقضة: ففي حين تدعي الحكومة تحقيق نجاح جزئي عند مضيق باب المندب تتعرض قواتها لضغوط في تعز نفسها. ولا يمكن الحديث حتى الآن عن أي اختراق استراتيجي.
الصراع على السيطرة على اليمن
يتنافس الطرفان اليمنيان على السلطة السياسية والسيطرة الإقليمية في البلاد. يقول فيليب دينستبير، مدير البرنامج الإقليمي لدول الخليج التابع لمؤسسة كونراد أديناور في الأردن في حوار مع "DW": "في النهاية يتعلق الأمر بمسألة من يمارس الهيمنة السياسية في اليمن والسيادة على أراضي الدولة وشعبها".
وتكمن مشكلة الحكومة المعترف بها دوليا في انقسامها الداخلي. فمن بين القوى المناهضة للحوثيين جماعات ذات أهداف سياسية متباينة تماما في بعض الأحيان مثل "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يسعى إلى استقلال جنوب اليمن. كما ارتفعت أصوات المطالبة بالحكم الذاتي في منطقة حضرموت الواقعة شرق اليمن.
هذا التشرذم يعقّد التنسيق العسكري بشكل كبير. يقول ينس هايباخ، الخبير في شؤون منطقة الخليج لدى المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية في هامبورغ في مقابلة مع "DW" إن القوى المختلفة ليست على وفاق على الإطلاق وتسعى وراء مصالح متباينة. ويكمن في ذلك أيضا سبب الانتكاسات العسكرية التي شهدتها في السنوات الماضية.
أما الحوثيونفهم لا يكتفون بالاستيلاء على الأراضي. فالصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات على السفن والتواصل السياسي كلها تهدف إلى إثارة حالة من عدم الاستقرار وزيادة التكاليف وإجبار الخصوم الأقوياء مثل المملكة العربية السعودية على الرد.
ويكتب مركز أبحاث Irregular Warfare Center الذي أنشأه الكونغرس الأمريكي أن الحوثيين يركزون على التأثير السياسي والاقتصادي لكل هجوم أكثر من تركيزهم على النجاحات التكتيكية للهجمات الفردية.
المعركة على تعز وباب المندب
ويكتسب الصراع على تعز أهمية خاصة في هذا السياق. تقع المدينة على طرق مواصلات رئيسية بين البحر الأحمروجنوب البلاد. وحسب تقديرات "مركز صنعاء" يسعى الحوثيون لذلك بشكل أساسي إلى قطع التواصل بين تعز والمناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
ولا يتعين عليهم بالضرورة الاستيلاء على المدينة نفسها لتحقيق ذلك، بل يتعين عليهم قبل كل شيء السيطرة على التلال المحيطة وطرق المواصلات.
ويهدفون بذلك في الوقت نفسه إلى ترسيخ مكاسبهم الأخيرة على الساحل. فقد تمكنوا من خلال الاستيلاء على المنطقة الواقعة عند باب المندب من التأثير خلال الأسابيع الماضية على حركة الملاحة في أحد أهم طرق الملاحة البحرية الدولية.
وبذلك تمكنوا من ممارسة ضغط إقليمي ودولي كبير، وفقا لدراسة أجرتها مؤسسة الأبحاث البريطانية "المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن" (RUSI).
يقول هايباخ: "إن قدرة الحوثيين على تعطيل حركة الملاحة البحرية كبيرة للغاية". ويضيف في حديثه مع DW أنه لم يكن من الضروري حتى أن يستولوا على المناطق الساحلية التي احتلوها مؤخرا لتحقيق هذا الهدف. غير أن المواقع الجديدة تسهل عليهم مراقبة الملاحة البحرية والسيطرة عليها، كما يوضح هايباخ.
ولذلك يتعين على الحكومة أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على سيطرتها على تعز وتأمين طرق النقل ومحاولة دفع الحوثيين إلى التراجع عن الساحل في الوقت نفسه. ولذلك فإن شن هجوم مضاد ناجح يتطلب أكثر من مجرد غارات جوية.
فبدون هجوم بري منسق يكاد يكون من المستحيل استعادة السيطرة بشكل دائم على التلال والطرق ذات الأهمية الاستراتيجية، كما ورد في دراسة أجراها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية وهو مركز أبحاث يمني.
ما هي فرص النجاح؟
يقول دينستبير إن القوات الحكومية قد تتمكن من تحسين فرص نجاحها العسكري. فقد حاولت المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية منذ أشهر تحسين التنسيق بين القوات الحكومية التي كانت حتى الآن شديدة التشتت وتوحيد هياكلها القيادية.
وبالاقتران مع الدعم الجوي السعودي يمكن لقوات برية تعمل بشكل أفضل أن تولد بالفعل ديناميكية جديدة.
ومع ذلك يقول هايباخ إن هذه ليست المحاولة الأولى لدحر الحوثيين عسكريًّا المدعومين من إيران. فقد تم بالفعل في العام الماضي توريد أسلحة وتدريب قوات استعدادًا لشن هجوم.
ومع ذلك انهار التحالف المناهض للحوثيين مرة أخرى، بينما شن الحوثيون أنفسهم هجوما. ويقول هايباخ إن الوضع الأساسي لم يتغير كثيرا منذ ذلك الحين.
كما أن التجارب السابقة لا تشير إلى حدوث اختراق سريع. فحتى العملية الأمريكية الضخمة Rough Rider لم تتمكن من هزيمة الحوثيين على الرغم من الهجمات التي استمرت لأسابيع. ولذلك لا يرى هايباخ فائدة كبيرة في مجرد مواصلة الاستراتيجية الحالية المتمثلة في الغارات الجوية ودعم القوات المناهضة للحوثيين على أمل التوصل إلى نتيجة مختلفة.
ويوسع اتفاق مكة في الوقت نفسه البعد الإقليمي. وبالنسبة للرياض لا يقتصر الأمر على نتيجة الصراع على السلطة في اليمن فحسب، بل يمتد أيضا إلى حماية أراضيها وطرق التجارة الدولية.
لذلك قد يشكل الصراع الحالي حول تعز وباب المندب اختبارا حاسما: لاختبار قدرة الحكومة على توحيد قواها ولاختبار قدرة الحوثيينعلى تحويل انتصاراتهم العسكرية إلى نفوذ سياسي دائم.
(كيرستن كنيب)