بالتوازي مع احتدام المعارك في اليمن إثر انطلاق عملية "فجر اليمن"، وتقدم القوات الحكومية وتراجع ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران على جبهات تمتد من تعز إلى الساحل الغربي وباب المندب، تخوض وسائل الإعلام الإيرانية معركة موازية لا تقل أهمية بالنسبة إلى طهران: معركة البروباغندا، بما تحمله من تضليل وتزييف للوقائع الميدانية.
فمتابعة تغطية وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية الإيرانية، من هيئة الإذاعة والتلفزيون ووكالة "إيسنا"، إلى وكالتي "تسنيم" و"فارس" المقربتين من الحرس الثوري، وموقع "نور نيوز" المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فضلاً عن صحيفة "كيهان" التي يشرف عليها ممثل المرشد الإيراني، إلى جانب مواقف وتصريحات المسؤولين الإيرانيين، تكشف نمطاً إعلامياً وسياسياً يتجاوز الانحياز الأيديولوجي إلى إعادة تعريف أطراف الحرب وانتقاء الوقائع الميدانية، وتقديم الصراع اليمني باعتباره امتداداً للمواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهذا النهج ليس جديداً، فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، عمل الخطاب الإعلامي الإيراني على تقديم الجماعة بوصفها السلطة الشرعية الممثلة لليمن، والترويج لها باعتبارها حركة شعبية مستقلة سياسياً، والتقليل من طبيعة ارتباطها الأيديولوجي والأمني والعسكري بطهران، مع تصوير خصومها اليمنيين باعتبارهم أدوات للسعودية أو الولايات المتحدة.
لكن التطورات العسكرية الأخيرة كشفت زيف هذه الآلة الإعلامية، وجعلت تناقضاتها أكثر وضوحاً، خصوصاً مع امتداد المعارك إلى مناطق استراتيجية على البحر الأحمر، وصولاً إلى باب المندب، الذي أعلنت القوات الحكومية اليمنية الشرعية تحريره من ميليشيات الحوثي.
وفي ظل هذه التطورات بات الحفاظ على صورة الحوثيين بوصفهم قوة منتصرة ضمن ما تسميه طهران "محور المقاومة" جزءاً أساساً من المعركة الإعلامية التي يخوضها النظام الإيراني.
من ميليشيات الحوثي إلى "القوات المسلحة اليمنية"
تبدأ البروباغندا الإيرانية من هندسة التسمية، فوسائل الإعلام الإيرانية تستخدم بصورة متكررة تعبير القوات المسلحة اليمنية عند الحديث عن ميليشيات الحوثي وعملياتها العسكرية، بما يضفي على الجماعة صفة تمثيل الدولة اليمنية وجيشها، متجاوزة بذلك واقع كونها طرفاً مسلحاً يسيطر بقوة السلاح على صنعاء وأجزاء من البلاد.
في المقابل، يجري تجريد الطرف الآخر من صفته الرسمية، فبدلاً من القوات الحكومية اليمنية أو قوات الحكومة المعترف بها دولياً، تستخدم وسائل الإعلام الإيرانية تعبيرات من قبيل "القوات المدعومة من السعودية والمرتزقة والجماعات التابعة للتحالف الأمريكي".
وهذا الاختيار ليس اعتباطياً، بل يأتي ضمن نهج إعلامي عممته طهران على مختلف أطراف محورها، من العراق مروراً بلبنان وصولاً إلى اليمن، فعندما يصبح الحوثيون هم اليمن، وتصبح الحكومة اليمنية مجرد قوة مدعومة من السعودية وأميركا وأعداء الإسلام، تكون البروباغندا الإيرانية قد حسمت مسبقاً مسألة الشرعية لدى جمهورها.
ويتجلى هذا التوظيف للمصطلحات في تقرير نشرته وكالة "تسنيم" الإيرانية في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بعنوان "فشل المرتزقة السعوديين في السيطرة على باب المندب" (ناکامی مزدوران سعودی در تصرف باب المندب)، فقد نقلت الوكالة رواية الحوثيين عن إحباط تقدم القوات الحكومية اليمنية الشرعية، مستخدمة وصف "القوات المسلحة اليمنية" للإشارة إلى الجماعة، في مقابل وصف القوات الحكومية بـ"المرتزقة السعوديين"، في تباين يمنح الحوثيين صفة التمثيل الوطني وينزعها عن خصومهم.
إخفاء الدور الإيراني وإبراز القدرات العسكرية المحلية للحوثيين
يقوم ركن آخر من البروباغندا الإيرانية على الفصل بين الحوثيين وطهران كلما تعلق الأمر بمصادر السلاح والقدرات العسكرية، وتقديم الهجمات التي ينفذها الحوثيون باعتبارها عمليات مستقلة، بعيداً من الدور الإيراني في الإشراف والتوجيه عبر قيادات في فيلق القدس التابع للحرس الثوري.
فعلى مدى أعوام، دأب الإعلام الإيراني، بمختلف وسائله المكتوبة والمرئية، إلى جانب وسائل إعلام "محور المقاومة"، على تقديم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمنظومات البحرية التي يستخدمها الحوثيون بوصفها نتاجاً للقدرات المحلية والإبداع اليمني والتصنيع في ظل الحصار.
ويوظف هذا الإعلام تلك التعبيرات لإضفاء طابع يمني محلي على القدرات العسكرية للحوثيين، وتحويل قضية مصادر السلاح والتكنولوجيا والخبرات العسكرية إلى رواية عن "الاكتفاء الذاتي" للجماعة، ونفي صلتها بالنظام الإيراني.
لكن تقارير فريق متخصصي الأمم المتحدة رسمت صورة أكثر تعقيداً، إذ وثقت حصول الحوثيين على أسلحة ومعدات ومواد ذات استخدام مزدوج عبر شبكات إقليمية ودولية، وتناولت تقارير دولية أوجه التشابه في التصميم والمكونات التقنية بين الصواريخ والطائرات المسيرة التي يستخدمها الحوثيون ونظيراتها الإيرانية، ومسارات التهريب والمكونات الخارجية التي أسهمت في تطوير قدراتهم العسكرية.
وتبرز في هذا السياق الإمدادات الإيرانية المصدر، وشبكات نقل السلاح والمكونات العسكرية المرتبطة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بما يتعارض مع الرواية الإعلامية التي تقدم الترسانة الحوثية بوصفها نتاجاً للتصنيع المحلي الخالص.
من انقلاب الحوثيين على العملية السياسية إلى توظيف القضية الفلسطينية
يركز الخطاب الإعلامي الإيراني على تقديم حرب الحوثيين ضد الحكومة اليمنية الشرعية باعتبارها جزءاً من الصراع الإقليمي، بدلاً من تناولها في سياق انقلاب الجماعة على العملية السياسية والشرعية اليمنية، وما أعقبه من تفكك في مؤسسات الدولة، وفي هذا الإطار يختزل المشهد في معسكرين: "مقاومة" يقودها الحوثيون من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما من جهة أخرى.
واتسع هذا الخطاب منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، وما أعقبها من هجمات للحوثيين في البحر الأحمر، إذ قدمت وسائل الإعلام الإيرانية، إلى جانب وسائل إعلام "محور المقاومة"، جماعة الحوثي بوصفها قوة يمنية عربية انتقلت من التضامن مع الفلسطينيين إلى العمل العسكري تحت شعار "نصرة غزة"، وفي إطار ما يسمى "وحدة الساحات" في "مواجهة إسرائيل".
وهنا يوظف الخطاب الإعلامي الإيراني عدالة القضية الفلسطينية دعائياً، بما يتجاوز الموقف السياسي من حرب غزة، لخدمة المشروع التوسعي للنظام الإيراني وتعزيز بروباغنداه في الإقليم برمته. وفي هذا السياق، يقدم الحوثيون وغيرهم من الجماعات المرتبطة بطهران بوصفهم جزءاً من مشروع إقليمي يسعى إلى توسيع نفوذ النظام الإيراني.
باب المندب.. ورقة إيرانية
تكشف التغطية الإعلامية الإيرانية للتطورات في باب المندب جانباً من التناقض في الرواية التي تروج لها طهران، فوسائل الإعلام الإيرانية لا تتعامل مع الوجود الحوثي قرب هذا الممر البحري باعتباره شأناً يمنياً فحسب، بل تسعى أيضاً إلى ترسيخ صورة الجماعة بوصفها القوة العسكرية التي تمثل اليمن وتتحكم في أحد أهم ممراته البحرية.
وفي هذا السياق، نقل موقع "نور نيوز" الإيراني، في تقرير بعنوان "باب المندب لا يزال في قلب المعارك اليمنية... رواية ’أنصار الله‘ عن الوضع في المنطقة" (باب المندب همچنان در کانون درگیری های یمن، روایت أنصار الله از وضعیت منطقه)، تصريحات لعضو المكتب السياسي للحوثيين حزام الأسد، نفى فيها سيطرة القوات الحكومية اليمنية الشرعية على المخا وباب المندب، ووفق الرواية التي نقلها الموقع، زعم المسؤول الحوثي أن السيطرة على تلك المناطق تقتصر على من وصفهم بـ"القوات المسلحة اليمنية" وأبناء المناطق المحلية، في محاولة للإيحاء بأن الحوثيين هم من يسيطرون على المنطقة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية تتجاوز المواجهة العسكرية في اليمن، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لباب المندب وصلته بأمن الملاحة في البحر الأحمر، فمن منظور حسابات النفوذ الإقليمي، يمثل الممر البحري ورقة ضغط استراتيجية، ترتبط فيها التحركات الحوثية بالمصالح الاستراتيجية للنظام الإيراني.
وهنا تظهر المفارقة: عندما يتعلق الأمر بمصادر السلاح أو القرار العسكري، يقدم الخطاب الإيراني الحوثيين باعتبارهم جماعة يمنية مستقلة لا تتحكم فيها طهران، لكن عندما يتعلق الأمر بنفوذ "محور المقاومة" وموازين القوة الإقليمية، يجري إبراز قدراتهم العسكرية ضمن سردية أوسع عن امتداد نفوذ هذا المحور.
بمعنى آخر، تستقل الجماعة عن إيران عندما تصبح العلاقة عبئاً، وتعود إلى المحور عندما تتحول إنجازاتها إلى مكسب استراتيجي. وهذا النهج لا يقتصر على اليمن، بل سبق أن ظهر في تعامل طهران مع الجماعات المرتبطة بها في العراق وسوريا خلال حكم بشار الأسد، وكذلك في لبنان، ولا سيما خلال الضربات الإسرائيلية التي استهدفت "حزب الله" وقياداته تباعاً.
غير أن هذا الاستقلال المعلن يظل، في جوهره، جزءاً من الخطاب الدعائي الموجه للاستهلاك الإعلامي، ويهدف أيضاً إلى تخفيف الضغوط الدولية والحقوقية على طهران، والتنصل من مسؤوليتها عن أنشطة الجماعات المرتبطة بها، بينما يستمر التنسيق والعمل المشترك خلف الكواليس لتحقيق المصالح والمكاسب الميدانية والاستراتيجية للنظام الإيراني.
خطاب للداخل الإيراني وآخر يستهدف المواطن العربي
لا تستخدم البروباغندا الإيرانية الخطاب نفسه في مخاطبة جمهورها داخل إيران وخارجها، بل تصوغ رسائلها الإعلامية وفق طبيعة الجمهور المستهدف والغايات السياسية والأيديولوجية التي تسعى إلى تحقيقها.
داخلياً، يقدم الخطاب الإعلامي الإيراني، الرسمي وشبه الرسمي، الحوثيين بوصفهم جزءاً من "محور المقاومة"، ويوظف عملياتهم العسكرية لإظهار اتساع نفوذ طهران وقدرة حلفائها على الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، وتبرز في هذا الخطاب مفردات "المقاومة" و"المستضعفين" والمواجهة مع "الاستكبار"، بما يربط الحرب في اليمن بالسردية الأيديولوجية للنظام الإيراني.
أما خارجياً فتبرز في الخطاب الإعلامي الإيراني الموجه إلى الجمهور العربي مفردات مختلفة، من قبيل "السيادة اليمنية" و"رفض التدخل الأجنبي" و"استقلال القرار اليمني" و"نصرة فلسطين". وفي هذا السياق، يقدم الحوثيون بوصفهم جماعة يمنية مستقلة، بينما يجري التعتيم على الدور العسكري والأمني الإيراني في التغطيات الموجهة إلى القارئ العربي.
وتظهر ملامح هذا الاختلاف في التغطية الإيرانية للتطورات العسكرية الجارية في اليمن، ففي السادس من أكتوبر الجاري، نشرت وكالة "تسنيم" بالفارسية تحليلاً بعنوان "باب المندب... محك معركة المضائق" (باب المندب، سنگ محک نبرد تنگه ها)، ربط أهمية التطورات في باب المندب بمعادلة الضغط على طهران، مشيراً إلى أن إبعاد الحوثيين عن هذا الممر قد يضعف إحدى أوراق الضغط المقابل، ويفتح المجال أمام زيادة الضغط على إيران في مضيق هرمز.
وفي المقابل، قدمت قناة "العالم" الإيرانية الناطقة بالعربية، في تقرير نشرته في الثامن من أكتوبر الجاري بعنوان "الرد اليمني ينقل المواجهة إلى العمق السعودي ويعزز معادلة جديدة"، العمليات الحوثية باعتبارها رداً يمنياً على التصعيد السعودي، واستخدمت القناة في تقريرها تعبيري "الرد اليمني" و"القوات المسلحة اليمنية" عند الحديث عن عمليات الحوثيين، في محاولة لإضفاء الشرعية على الجماعة وتقديم قواتها المسلحة بوصفها الجيش الذي يمثل الدولة اليمنية.
بين صنعاء وباب المندب.. معركة على الحقيقة
في النهاية، لا تخوض طهران في اليمن معركة نفوذ بالسلاح والسياسة وحدهما، بل تخوض أيضاً معركة إعلامية تسعى من خلالها إلى إعادة صياغة الهوية السياسية والعسكرية لجماعة الحوثي، وتقديمها بوصفها قوة تمثل اليمن، وإضفاء الشرعية على وجودها ونفوذها، في مقابل تجريد خصومها من شرعيتهم.
لكن اليمن على أرض الواقع أكثر تعقيداً من الصورة التي يروج لها الإعلام الإيراني وإعلام "محور المقاومة"، فهناك حكومة معترف بها دولياً، وقوى سياسية وعسكرية يمنية عدة، وبنية قبلية لها خصوصيتها وتأثيرها في المشهد اليمني، وحوثيون يحملون أجندة إيرانية، فضلاً عن تدخلات إقليمية ودولية ومصالح متشابكة حول البحر الأحمر وباب المندب.
وفي خضم هذا المشهد المعقد يدفع الشعب اليمني ثمن انقلاب الحوثيين على الشرعية اليمنية وحرب تجاوزت منذ زمن حدود الصراع الداخلي، وسط تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والعيش الكريم، في مواجهة مشروع الحوثيين المرتبط بأجندة طائفية وتوسعية إيرانية.
ومن هذا المنطلق، فإن أهمية عملية "فجر اليمن" لا تقتصر على أبعادها العسكرية، بل تمتد إلى المعركة الإعلامية التي يخوضها النظام الإيراني لفرض روايته المضللة في شأن التطورات الميدانية، بما يخدم نفوذ الحوثيين ومصالح طهران في اليمن والمنطقة.
وفي مقابل هذه الرواية، تبرز تطلعات اليمنيين إلى استعادة سيادة دولتهم وقرارهم الوطني، بعيداً من نفوذ الجماعات المسلحة وارتباطاتها الإقليمية، وهنا تتضح المسافة بين اليمن الذي تروج له طهران إعلامياً، واليمن الذي يسعى أبناؤه إلى بنائه على أرض الواقع، متحرراً من الوصاية والتدخلات الخارجية، بما يؤسس لواقع يمني جديد.
(جمال عبيدي)