25 أكتوبر 2026
آخر الاخبار
24 أكتوبر 2026
يمن فريدم-إرم نيوز


من لبنان إلى العراق واليمن، بنت الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران شبكات مالية ومؤسسات اجتماعية وشركات ومراكز نفوذ داخل الدولة. وبينما أضعفت الحروب الأخيرة قدراتها العسكرية، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل يكفي نزع السلاح لإنهاء السلطة التي نشأت خلفه؟

قد تنتهي الحرب، وتُسلَّم الأسلحة الثقيلة، ويغادر المقاتلون مواقعهم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء التنظيمات التي حملت تلك الأسلحة. ففي لبنان والعراق واليمن، تحوّلت جماعات مسلحة خلال سنوات طويلة إلى قوى سياسية واقتصادية واجتماعية، تمتلك مصادر تمويل ومؤسسات خدمية وشبكات مصالح تتجاوز وظائفها العسكرية.

وأعادت الخسائر التي تعرّضت لها إيران وحلفاؤها خلال حربي 2025 و2026 طرح مستقبل هذه التنظيمات، بعدما تراجعت قدراتها العسكرية، وتعرّضت قياداتها ومنشآتها وشبكات تمويلها لضغوط متزايدة.

غير أن مستقبل هذه الجماعات لا يتحدد بحجم ترساناتها وحده. فخلف السلاح نشأت منظومات اقتصادية واجتماعية متباينة، بعضها يعتمد على موارد الدولة، وبعضها على شبكات تمويل خاصة، فيما تحول بعضها الآخر إلى سلطة تتحكم مباشرة في الجباية والاقتصاد.

وتكشف المقارنة بين حزب الله اللبناني والفصائل العراقية والحوثيين في اليمن عن ثلاثة نماذج مختلفة لِما يمكن تسميته "الجمهوريات الموازية"، تجمع بينها القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي، لكنها تختلف في مصادر المال وطبيعة العلاقة بمؤسسات الدولة.

وتطرح هذه النماذج معضلة أمام مشاريع نزع السلاح وإعادة بناء المؤسسات: ماذا يحدث إذا انتهى الدور العسكري للميليشيا، بينما بقيت الشركات والأموال والأحزاب وشبكات الولاء التي نشأت حولها؟

 ثلاثة اقتصادات تبقي الميليشيات حيّة

يقدم الباحث في الشؤون الإيرانية محمد صالح الفتيح، في إجاباته لـ"إرم نيوز"، تصنيفاً اقتصادياً للتنظيمات الثلاثة، يقوم على اختلاف مصادر تمويلها وعلاقتها بالدولة.

فالحوثيون يمثلون، بحسب وصفه، نموذج "الدولة الجابية"، بينما تعتمد الفصائل العراقية على "الريع الحكومي"، في حين يستند حزب الله اللبناني إلى "اقتصاد الجماعة".

ويقول الفتيح إن الضربات التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها أسقطت جانباً مهماً من معادلة الردع العسكري، لكنها لم تنه شبكات المصالح الاقتصادية التي راكمتها هذه التنظيمات خلال سنوات طويلة.

ويميز بين نوعين من التمويل: الأموال اللازمة للمحافظة على التنظيم وكوادره ومؤسساته، وتلك المطلوبة لشراء الأسلحة المتقدمة وتمويل العمليات العسكرية العابرة للحدود.

وبحسب تقديره، فإن تراجع الدعم الإيراني قد يضعف قدرة هذه الجماعات على إعادة بناء ترساناتها، لكنه لا يعني عجزها عن تمويل استمرارها السياسي والاجتماعي.

ففي العراق، تتحمل الخزانة العامة الرواتب والتجهيزات الأساسية للحشد الشعبي، بينما راكمت بعض الفصائل منذ عام 2014 مصالح اقتصادية ورؤوس أموال تساعدها على تقليل اعتمادها المباشر على إيران.

أما الحوثيون، فيمتلكون أدوات جباية محلية وموارد مرتبطة بسيطرتهم على مؤسسات الحكم والاقتصاد؛ ما يمنحهم استقلالية مالية نسبية.

في المقابل، يرى الفتيح أن حزب الله يواجه وضعاً أكثر هشاشة، لاعتماده على شبكة من التبرعات والأنشطة التجارية والمؤسسات المالية، من بينها "القرض الحسن"، في ظل القيود المفروضة على التحويلات والضغوط التي تعرضت لها بنيته الاقتصادية.

ويطرح الفتيح احتمال انتقال بعض الفصائل العراقية إلى نموذج يسميه «الحزب-الشركة»، الذي يتخلى عن السلاح بصورة معلنة، لكنه يحتفظ بشبكات مالية وتجارية تمنحه امتيازات لا تمتلكها الأحزاب التقليدية.

ويرجح أن تستمر هذه التنظيمات بصيغ مختلفة، حتى لو تراجعت أدوارها العسكرية؛ لأن القيادات والكوادر التي راكمت مكاسب مالية واجتماعية لن تتخلى عنها بسهولة.

حزب الله خسر قوته العسكرية لا جمهوريته الاجتماعية

يرى المحلل السياسي اللبناني علي حمادة أن الضربات التي تعرّض لها حزب الله أضعفت قدراته العسكرية بدرجة كبيرة، لكنها لم تُنهِ البنية الاجتماعية والمالية والخدمية التي بناها على امتداد عقود.

ويشير إلى أن الحزب لا يستند إلى قوة مسلحة فحسب، بل إلى شبكة واسعة من المؤسسات الصحية والتعليمية والجمعيات الخيرية والأنشطة الاجتماعية، التي أسهمت في ترسيخ حضوره داخل بيئته.

وتشكل هذه المؤسسات، بحسب قراءته، أحد أهم أسباب استمرار نفوذ الحزب؛ لأنها تربط قطاعات من المجتمع بمنظومة خدمات ومصالح لا تختفي تلقائياً مع تراجع القدرة العسكرية.

لكن حمادة لا يرى أن هذه الشبكة بمنأى عن الضغوط. فتراجع الموارد المالية، والخسائر التي تعرّضت لها البنية الاقتصادية للحزب، يضعان قدرته على الوفاء بالتزاماته الاجتماعية أمام اختبار متزايد.

ويشير إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع الحزب إلى البحث عن موارد بديلة، ومحاولة الاستفادة بصورة أكبر من مؤسسات الدولة اللبنانية وإمكاناتها.

ويحذّر من أن بقاء شبكات التمويل غير الخاضعة للرقابة قد يتيح للحزب مستقبلاً إعادة بناء جانب من قدراته، حتى إذا تعرّض لضغوط تؤدي إلى تقليص سلاحه أو تسليمه.

ومن هنا، يربط حمادة معالجة نفوذ حزب الله باستعادة الدولة اللبنانية وظائفها المالية والاجتماعية والخدمية، إلى جانب دورها الأمني.

فإذا بقيت المؤسسات الحزبية تؤدي دور البديل عن الدولة، واستمرت شبكات المال والعمل الاجتماعي خارج الرقابة الفعلية، فإن تراجع القوة العسكرية لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء نفوذ الحزب.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في بلد لا تقتصر فيه شبكات الخدمات والمحسوبية على حزب الله، بل تشكل جزءاً من النظام السياسي الذي تتقاسم فيه قوى متعددة النفوذ والموارد.

الحوثيون لم يعودوا ميليشيا بل سلطة جباية

يرى الباحث اليمني د. محمد القاضي، خبير تحليل الشؤون السياسية و النزاعات أن تجربة الحوثيين تختلف جوهرياً عن تجربتي حزب الله في لبنان والفصائل المسلحة في العراق، إذ استولت الجماعة على مقدرات دولة كاملة، بما فيها ترسانة عسكرية بُنيت على مدى أكثر من خمسة عقود، ومؤسسات عسكرية ومدنية كانت تتركز بصورة رئيسة في العاصمة صنعاء، ما منحها قدرة واسعة على الهيمنة والتحكم بالموارد.

وقال القاضي، في حديث لـ"إرم نيوز"، إن الحوثيين لم ينتقلوا من العمل المسلح إلى إدارة مؤسسات الدولة، وإنما سخّروا مؤسساتها وإمكاناتها ومواردها لتعزيز قوتهم العسكرية وتفوقهم المسلح. فعلى الرغم من سيطرتهم على جغرافيا مهمة والكتلة السكانية الأكبر في اليمن، فإنهم لا يقدمون خدمات تتناسب مع حجم الموارد التي يستحوذون عليها، إذ يتركز اهتمامهم الأساسي على بناء قدراتهم العسكرية واستمرار التعبئة والتحشيد للجبهات.

وأوضح أن معظم مقدرات المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة تستهلكها قواتها العسكرية وشبكات النفوذ المرتبطة بها، غير أن ذلك لا يعني غياب منظومة اقتصادية خاصة بالحوثيين.

فقد أنتجت الجماعة، ضمن مشروعها لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع، شبكات اقتصادية ومؤسسات تمثل مصالحها، وتتولى إدارتها شخصيات من داخلها أو من الدوائر الموثوقة لديها، بما يضمن خدمة أجندتها السياسية والعسكرية.

وأشار إلى أن ما يجري منذ نحو اثني عشر عاماً يمثل عملية إحلال ممنهجة داخل مؤسسات الدولة، بهدف إخضاعها لتوجه أيديولوجي واحد، بعدما أعادت الجماعة تشكيل بنيتها الإدارية والوظيفية بما يتناسب مع هويتها ومصالحها، وهو ما يضع اليمن أمام تحدٍ يتجاوز مسألة إنهاء السيطرة العسكرية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها.

وحول مستقبل هذه المنظومة، أكد القاضي أن الحرب أفرزت شبكات مصالح اقتصادية وسياسية في مختلف المناطق اليمنية، لكنها اتخذت حجماً أكبر وأكثر تعقيداً في مناطق الحوثيين، نتيجة استحواذ الجماعة على مؤسسات الدولة ومواردها وإعادة توظيفها لخدمة مشروعها.

واعتبر أن تفكيك البنية الأمنية والاقتصادية التي أقامها الحوثيون سيكون بالغ الصعوبة، خصوصاً إذا احتفظت الجماعة بقوتها العسكرية الحالية، موضحاً أن هذه المنظومة لم تعد مجرد شبكة مصالح اقتصادية يمكن إنهاؤها بإجراءات إدارية، بل أصبحت مرتبطة ببنية أيديولوجية وتنظيمية تهيمن على المؤسسات ومراكز القرار.

وشدد على أن تفكيك هذه المنظومة يتطلب إضعاف الجماعة عسكرياً واقتصادياً قبل إخضاعها لتسوية سياسية، محذراً من أن شبكات المصالح وتجارة الحرب التي نشأت خلال السنوات الماضية ستشكل عقبة أساسية أمام أي اتفاق، حتى لو وافق الحوثيون على ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.

وخلص القاضي إلى أن الحرب أفرزت جماعات نفوذ ومصالح اقتصادية واجتماعية متشابكة، بات استمرارها مرتبطاً ببقاء موازين القوة الحالية، ما يعني أن إنهاء القتال لن يكون كافياً لاستعادة الدولة، وأن تفكيك هذه الشبكات وإعادة المؤسسات إلى وضعها الطبيعي سيحتاج إلى وقت طويل وجهود سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة.

 الفصيل لا يسكن خارج الدولة بل داخلها

تقدم دراسات الباحث العراقي ريناد منصور، المتخصص في شبكات السلطة والجماعات المسلحة، تفسيراً مختلفاً لاستمرار نفوذ الفصائل، يقوم على أن العلاقة بينها وبين الدولة ليست دائماً علاقة مواجهة، بل تتخذ أشكالاً من التعاون والتنافس والتداخل المؤسسي.

وفي دراسته "شبكات القوة: الحشد الشعبي والدولة في العراق"، الصادرة عن تشاتام هاوس، يوضح منصور أن الحشد الشعبي ليس تنظيماً موحداً، بل مجموعة شبكات أمنية وسياسية واقتصادية نشأت وتوسعت بعد الحرب ضد تنظيم داعش.

ولا تضم هذه الشبكات مقاتلين وقادة عسكريين فحسب، بل تشمل سياسيين ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال وشخصيات محلية ومنظمات اجتماعية.

ومنذ تأسيس الحشد عام 2014 وإقرار قانونه عام 2016، أصبحت رواتب منتسبيه وتجهيزاته الأساسية جزءاً من الإنفاق الحكومي، بينما احتفظت بعض الفصائل المنضوية فيه بعلاقات تنظيمية وسياسية مستقلة.

ويشير منصور إلى استفادة شبكات مرتبطة بالحشد من الرواتب الحكومية والمناصب الإدارية والعقود ونقاط التفتيش والأنشطة التجارية، بما جعل مصادر نفوذها موزعة بين مؤسسات رسمية ومصالح غير رسمية.

وتكمن أهمية هذا التداخل في أن إبعاد قائد أو تغيير اسم تشكيل عسكري لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الشبكة التي ينتمي إليها؛ لأن نفوذها قد يستمر عبر أطراف أخرى داخل النظام السياسي والإداري والاقتصادي.

كما يوضح منصور أن المنافسة على الموارد والمخصصات قائمة حتى بين تشكيلات تنتمي إلى مؤسسة الحشد نفسها؛ ما يعكس أهمية المال والمناصب في موازين القوة الداخلية.

وتقود هذه النتائج إلى استنتاج أساسي مفاده، أنه إذا اقتصر إصلاح الحشد على نقل المقاتلين إلى وحدات رسمية أو إعادة تسمية الألوية، فقد تبقى شبكات النفوذ التي تجمع السياسة والأمن والاقتصاد قائمة.

وبالتالي، فإن اختبار الإصلاح لا يتعلق بالشكل القانوني للتنظيمات وحده، بل بمدى خضوع مواردها وقراراتها وعلاقاتها المؤسسية للرقابة والمساءلة.

المال العام والمال الخاص.. أين تكمن قوة الميليشيات؟

تكشف القراءات الأربع اختلافاً جوهرياً في مصادر بقاء التنظيمات المسلحة المرتبطة بإيران. ففي العراق، تمثل الدولة نفسها مصدراً رئيسياً للموارد، من خلال موازنة الحشد الشعبي وما يرتبط بها من رواتب وتجهيزات، إضافة إلى النفوذ الذي راكمته شبكات الفصائل داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية.

أما في لبنان، فيعتمد حزب الله على مؤسسات مالية واجتماعية وتجارية نشأت حول التنظيم، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل تراجع الموارد والقيود المالية والخسائر العسكرية.

وفي اليمن، تبدو العلاقة أكثر مباشرة بين القوة المسلحة والموارد العامة، بعدما تحولت السيطرة على مؤسسات الحكم والجباية إلى أحد مصادر تمويل الحوثيين واستمرار سلطتهم.

وتساعد التقارير الدولية على فهم هذا الاختلاف. فقد أشار البنك الدولي، في تقريره الاقتصادي الصادر في يونيو 2025، إلى استمرار انقسام اليمن إلى منطقتين اقتصاديتين، مع وجود مؤسسات نقدية وأسعار صرف مختلفة، وما يترتب على ذلك من تعقيد إدارة الاقتصاد والمالية العامة.

كما ورد في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، الصادر في أكتوبر 2024، تقدير للموارد التي جمعها الحوثيون خلال عام 2023 بنحو 3.392 تريليون ريال يمني، وفق المعلومات التي حصل عليها الخبراء.

ولا يمثل هذا الرقم بياناً مالياً مدققاً، كما لا يعكس بالضرورة حجم الموارد المتاحة للجماعة في عام 2026، لكنه يوضح اتساع منظومة الإيرادات التي نشأت في مناطق سيطرتها.

وفي العراق ولبنان، تقدم دراسة "أين الدولة في العراق ولبنان؟"، التي نشرها تشاتام هاوس عام 2021، إطاراً لفهم السلطة التي تمارسها شبكات سياسية واقتصادية واجتماعية متداخلة مع المؤسسات الرسمية.

وتوضح الدراسة أن النفوذ لا يقوم على القوة وحدها، بل على تفاعل الأيديولوجيا والاقتصاد والقدرة على استخدام القوة؛ ما يجعل إصلاح المؤسسات الرسمية غير كافٍ إذا لم يشمل شبكات المصالح المرتبطة بها.

إيران بعد الحروب.. تمويل أقل وشبكات باقية

أعادت الحروب التي تعرّضت لها إيران طرح مستقبل علاقتها بالتنظيمات المسلحة التي دعمتها لعقود، في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تحد من قدرتها على مواصلة التمويل والتسليح بالمستويات السابقة.

لكن تراجع الدعم الإيراني لا ينعكس بالدرجة نفسها على التنظيمات الثلاثة. فالفصائل العراقية تستفيد من موارد حكومية وشبكات اقتصادية محلية، فيما يعتمد الحوثيون على منظومة جباية واسعة في مناطق سيطرتهم. أما حزب الله، فيبدو أكثر تعرضاً لتداعيات تراجع التمويل الخارجي والقيود المفروضة على شبكاته المالية.

ويرى محمد صالح الفتيح أن هذه الموارد المحلية تمنح التنظيمات قدرة على الاستمرار، حتى إذا فقدت جزءاً مهماً من إمكاناتها العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يستبعد أن يتخلى الحرس الثوري الإيراني بسهولة عن حلفائه؛ لأن العلاقات معهم ترتبط بعقيدة النفوذ الإقليمي التي شكلت جزءاً من سياسة طهران طوال عقود.

غير أن استمرار الرغبة الإيرانية في دعم هذه الجماعات لا يعني القدرة على المحافظة على مستويات التمويل والتسليح السابقة.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: قد تصبح بعض التنظيمات أقل اعتماداً على إيران في تمويل نشاطها اليومي، لكنها تظل مرتبطة بها سياسياً وتنظيمياً وعسكرياً.

وقد يدفع ذلك إلى إعادة توزيع الأدوار داخل هذه الشبكات، بحيث تتراجع كلفة التمويل المباشر على طهران، بينما تحاول الجماعات المحافظة على نفوذها المحلي من خلال مواردها ومؤسساتها الخاصة.

من الميليشيا إلى "الحزب - الشركة"

تطرح التجارب الثلاث احتمالاً يتجاوز نزع السلاح التقليدي، يتمثل في تحول التنظيم المسلح إلى حزب سياسي أو شبكة شركات ومؤسسات تحتفظ بنفوذها من دون الحاجة إلى إظهار قوتها العسكرية السابقة.

ويبدو هذا الاحتمال أكثر وضوحاً في العراق، حيث تشارك قوى مرتبطة بفصائل مسلحة في الانتخابات والمؤسسات الحكومية، وتستفيد من شبكات سياسية واقتصادية تراكمت خلال سنوات طويلة.

وفي لبنان، قد يستمر حزب الله لاعباً سياسياً واجتماعياً حتى مع تراجع قدراته العسكرية، لكن حجم نفوذه سيبقى مرتبطاً بقدرته على تمويل مؤسساته والمحافظة على شبكات الولاء.

أما في اليمن، فإن انتقال الحوثيين إلى العمل السياسي يواجه معضلة مختلفة؛ لأن الميليشيا الحوثية لا تدير شبكة مصالح موازية للدولة فحسب، بل تتحكم مباشرة في مؤسسات وموارد عامة داخل مناطق سيطرتها.

وتكشف هذه الاختلافات أن تحويل الميليشيا إلى حزب لا يضمن بالضرورة إنهاء الامتيازات التي اكتسبتها خلال مرحلة العمل المسلح.

فقد تختفي المظاهر العسكرية، بينما تستمر شبكات التمويل غير الخاضعة للرقابة، أو تنتقل السيطرة على الموارد إلى واجهات اقتصادية وسياسية جديدة.

وفي هذه الحالة، يصبح السؤال ليس فقط عمن يحمل السلاح، بل عمن يملك الشركات، ويسيطر على العقود، ويوزع الوظائف، ويدير المؤسسات الاجتماعية، ويستفيد من موارد الدولة.

المعركة الأصعب.. تفكيك النفوذ لا البنادق

تتقاطع خلاصات الباحثين عند فكرة مركزية، رغم اختلاف تقديراتهم لطبيعة كل تنظيم ومستقبله: نزع السلاح لا يكفي وحده لإنهاء منظومات النفوذ التي بنتها الجماعات المسلحة.

فمحمد صالح الفتيح يركز على قدرة الموارد الاقتصادية على إبقاء التنظيمات حيّة بعد تراجع دورها العسكري، وعلي حمادة يحذر من استمرار نفوذ حزب الله عبر مؤسساته الاجتماعية والمالية، ويربط عبد السلام محمد مستقبل الحوثيين بتفكيك اقتصاد الحرب ومنظومة السيطرة على الموارد. بينما تكشف دراسات ريناد منصور عمق تداخل شبكات الفصائل العراقية مع الدولة،

وفي دراسة مشتركة نشرها تشاتام هاوس عام 2019، تناول ريناد منصور وبيتر سالزبري صعوبة بناء مؤسسات مستقرة في بيئات تتداخل فيها السلطات الرسمية مع شبكات القوة المحلية، وشدَّدا على أهمية فهم العلاقات الفعلية بين الأطراف التي تمارس السلطة، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الهياكل الرسمية.

وتتجسد هذه المعضلة بصورة مختلفة في البلدان الثلاثة. ففي لبنان، يرتبط الاختبار بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأمنية والاجتماعية والمالية.

وفي العراق، يتعلق بمدى خضوع شبكات الفصائل للقانون والرقابة المؤسسية، وبمنع استمرار نفوذها من خلال الموارد العامة والمناصب. أما في اليمن، فيتمحور حول إعادة توحيد السلطة الاقتصادية والإدارية وإنهاء تعدد مراكز الجباية والقوة.

وهكذا، فإن نهاية الميليشيا بوصفها تنظيماً عسكرياً لا تعني بالضرورة نهاية نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

في النتيجة، قد تصمت البنادق، لكن "الجمهوريات الموازية" التي نشأت حولها ستبقى ما دامت تحتفظ بالمال والمؤسسات وشبكات السلطة. وتلك هي المعركة الأكثر تعقيداً التي تنتظر الدول الثلاث بعد انتهاء الحروب.

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI