شكل بيان الخارجية السعودية بشأن اليمن، أمس الخميس، الرافض لتحركات "المجلس الانتقالي الجنوبي" الأحادية الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة، مع ما حمله البيان من "إنذار ضمني" وتحذير من عواقب لا تحمد عقباها، أبرز موقف سعودي علني تجاه المجلس منذ بدء الأزمة الحالية في اليمن والتي تفجرت مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول الحالي.
وتزامن البيان مع توالي المواقف من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي والحكومة اليمنية، وعدد واسع من الأحزاب والمكونات السياسية، إضافة إلى بيانات محلية، تعكس جميعها قلقاً متزايداً من تداعيات خطوات "الانتقالي الجنوبي"، المطالب بالانفصال، على وحدة القرار الوطني ومسار التسوية السياسية في البلاد.
وتمثل القاسم المشترك بين تلك البيانات في ثلاثة عناوين رئيسية، أولها رفض الإجراءات الأحادية التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي واعتبارها، وفق هذه الجهات، تصعيداً غير مبرر، وثانيها تأكيد وحدة اليمن وسلامة أراضيه، والثالث تأكيد عدالة القضية الجنوبية مع التشديد على أن معالجتها لا تكون بالقوة أو الانفراد، بل عبر الحوار السياسي الشامل. وفيما وصف مراقبون البيان السعودي بأنه "إخلاء ذمة"، ولا سيما بعد تحذيره من عواقب لا تحمد عقباها، اعتبر آخرون أنه يعكس ضيق الخيارات السعودية في التعامل مع المستجدات.
وكان واضحاً حرص البيان على تأكيد أن التنسيق مع الإمارات، الداعم الرئيس لـ"الانتقالي"، يشكل عاملاً محورياً في جهود احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.
وفي الوقت الذي لم يصدر حتى مساء أمس أي موقف عن "الانتقالي"، رغم رفض مسؤولين في "المجلس" التعليق لـ"العربي الجديد" على البيان السعودي بحجة أن موقفاً رسمياً سيصدر، كان المجلس يواصل التحشيد تحديداً في ساحة الاعتصام في عدن دعماً لخطواته، بالتوازي مع صدور مزيد من إعلانات التأييد، بما في ذلك عن قيادات وزارة الداخلية.
بالمقابل، غاب وزير الداخلية، إبراهيم حيدان، على الرغم من ظهوره أخيراً إلى جانب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي ووزير الدفاع، محسن الداعري، خلال زيارة لمحافظة أبين، فيما أكدت وزارة الداخلية، أمس، ضرورة الالتزام الصارم بأحكام القوانين واللوائح النافذة المنظمة للخدمة في القوات المسلحة والأمن، التي تنص على تجريم الانتماء أو الاشتراك في أي أحزاب أو هيئات أو تنظيمات أو جماعات سياسية، أياً كان نوعها أو اتجاهها.
إجراءات أحادية جنوبي اليمن
ويصر "المجلس الانتقالي" على أنه منفتح على الحوار مع جميع الأطراف من دون أي نية للتراجع عن خطواته.
ووضعت وزارة الخارجية السعودية في بيانها توصيفاً مباشراً لتحركات المجلس في حضرموت والمهرة، معتبرة أنها جرت "بشكل أحادي دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف"، ما أدى بحسب البيان، إلى "التصعيد غير المبرر الذي أضر بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته والقضية الجنوبية وجهود التحالف".
وأكدت المملكة أنها عملت خلال الفترة الماضية على احتواء الموقف عبر التنسيق مع "دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس القيادة الرئاسي (رشاد العليمي) والحكومة اليمنية"، مشيرة إلى إرسال "فريق عسكري مشترك" من السعودية والإمارات "لوضع الترتيبات اللازمة مع المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن".
وتهدف هذه الترتيبات، وفق البيان، إلى "عودة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين، وتسليم المعسكرات فيها لقوات درع الوطن (المدعومة من السعودية) والسلطة المحلية، وفق إجراءات منظمة تحت إشراف قوات التحالف".
وفيما أكدت الخارجية السعودية أن هذه الجهود لا تزال "متواصلة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وما زالت المملكة تعوّل على تغليب المصلحة العامة بأن يبادر المجلس الانتقالي بإنهاء التصعيد وخروج قواته بسلاسة وبشكل عاجل من المحافظتين"، شددت على أهمية التعاون بين القوى والمكونات اليمنية كافة لضبط النفس وتجنب كل ما من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار، "ما قد يترتب عنه ما لا تحمد عقباه".
وقالت إن القضية الجنوبية "قضية عادلة لها أبعادها التاريخية والاجتماعية"، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن حلها يجب أن يكون "بجلوس الأطراف اليمنية كافة إلى طاولة الحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن"، مجددة دعمها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية.
من جهتها، رحبت الحكومة اليمنية بالبيان السعودي، واعتبرته موقفاً "واضحاً ومسؤولاً" إزاء التطورات الأخيرة. وأكدت في بيان أن استقرار حضرموت والمهرة "يمثل أولوية وطنية قصوى"، محذرة من أن "أي إجراءات أو تحركات أمنية أو عسكرية تُتخذ خارج الأطر الدستورية والمؤسسية للدولة، ودون تنسيق مسبق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والسلطات المحلية، تشكّل عامل توتير مرفوض".
وثمنت "الدور القيادي" الذي تضطلع به السعودية بالتنسيق مع الإمارات في دعم مسار التهدئة "بما يكفل إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، واحترام الأطر المؤسسية للدولة، ودور السلطات المحلية، وبإشراف قوات التحالف".
وجددت موقفها من القضية الجنوبية باعتبارها "قضية عادلة لها أبعادها التاريخية والاجتماعية". أما العليمي، فجدد أمس على منصة "إكس"، تقديره للموقف السعودي، وذلك غداة إشاداته في بيان أول من أمس الأربعاء، بيان مجلس الأمن الصادر الثلاثاء الماضي، الذي تضمن دعم مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، ووحدة اليمن وسلامة أراضيه.
وفي بيان مشترك عبّرت قوى من 15 حزباً ومكوناً سياسياً، أمس، عن "بالغ القلق والاستنكار" لما وصفته بالخطوات التصعيدية الخطيرة التي أقدم عليها وزراء ومحافظون بإعلان تأييدهم لإجراءات "المجلس الانتقالي". واعتبر البيان أن هذه المواقف "تمثل خروجاً صريحاً على الشرعية الدستورية وإعلان نقل السلطة الصادر في إبريل/ نيسان 2022 وعلى مرجعيات الحل السياسي المتوافق عليها وطنياً ودولياً (ومن ضمنها مخرجات الحوار الوطني)".
ومشيدة بالبيان السعودي، أكدت الأحزاب والمكونات السياسية أن هذه الممارسات الأحادية لا يمكنها أن تؤسس لأمر واقع بالقوة، لكنها تقوض السلم الاجتماعي، وتعمّق الانقسامات، وتمنح الانقلاب والتمرد الحوثي فرصاً إضافية لإطالة أمد الحرب وتعقيد مسار السلام، وتتجاوز ما تبقى من الثقة في العملية السياسية.
ووقع على البيان المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، إلى جانب أحزاب الرشاد، والعدالة والبناء، والسلم والتنمية، والتضامن الوطني، واتحاد القوى الشعبية، والحزب الجمهوري، وحزبي البعث العربي الاشتراكي بشقّيه، فضلاً عن مكونات سياسية ومجالس محلية بارزة مثل مجلس حضرموت الوطني ومجلس شبوة الوطني العام، إضافة إلى حركة النهضة للتغيير السلمي وحزب التجمع الوحدوي اليمني.
بموازاة ذلك، برز بيان لمجلس شبوة الوطني العام (جنوب شرقي اليمن)، الذي رأى أن "السلطات المحلية لها مهام ينظمها القانون والدستور، ولا يحق لها اتخاذ مواقف سياسية وفق أهواء فردية أو حزبية"، وذلك بعد تأييد الأخيرة "للانتقالي".
وشدد على أن "القضية الجنوبية لا يمكن احتكارها في رؤية محددة أو استغلالها والانفراد بها من قبل مكون واحد مهما بلغت قوته". ودعا إلى "التعاطي الإيجابي مع الجهود التي يبذلها الأشقاء في المملكة العربية السعودية لتطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية".
موقفان في حضرموت
من جانبه، قال مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية بدر باسلمة في حديث لـ"العربي الجديد": نحن في حضرموت، قبائل ومكونات سياسية ومجتمعية، نعلن التأييد "المطلق والكامل لما جاء في بيان المملكة العربية السعودية"، واعتباره "خريطة طريق ملزمة لإنقاذ المحافظة من الفوضى".
وأضاف: "نؤكد أن دعوة المملكة إلى انسحاب القوات ووقف التصعيد العسكري تمثل صوت الحكمة الذي يجب أن يُسمع، وأن أي التفاف على هذا البيان لعب بالنار". وأضاف: "نحن نقف صفاً واحداً خلف هذا الموقف العروبي المسؤول، ونشدد على ضرورة تنفيذه فوراً دون تسويف، لضمان أمن حضرموت وحقن دماء أبنائها، وحماية لمشروع الدولة والشرعية الذي تقوده المملكة".
وفيما شدد على أن بيان الخارجية السعودية "جاء ليضع النقاط على الحروف، وهو انتصار لصوت العقل ولدولة المؤسسات ضد منطق المليشيات"، اعتبر أن "ما يحدث في حضرموت من محاولة لكسر إرادة القبائل في هضبة نحب ( تقع ضمن حضرموت) أو إكراه المسؤولين المحليين تحت تهديد السلاح ليس مجرد عبث، بل هو تمرد صريح على التحالف وتحدٍّ مباشر للبيان السعودي".
وأضاف: "نحن في حضرموت نلتقط هذه الإشارة السعودية القوية، ونؤكد أن الأرض ستقاتل مع أهلها"، لافتاً إلى أن "زمن فرض التبعية بالقوة قد ولى". وختم بأن "الكرة الآن في ملعب الانتقالي: إما الانصياع لصوت الحكمة والانسحاب، وإما مواجهة غضب حضرموت والسعودية والمجتمع الدولي".
في هذه الأثناء، برز انقسام داخل السلطة المحلية في حضرموت بصدور بيانين، أمس، الأول لمؤيدي المجلس الرئاسي، والثاني لـ"الانتقالي". وأكد البيان الأول الوقوف "الكامل والمطلق خلف رئيس ومجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، مؤكداً أن الالتزام بمؤسسات الدولة هو السبيل الوحيد لضمان الأمن والتنمية".
وثمن عالياً جهود السعودية والإمارات "في دعم استقرار المحافظة وتجنيبها منزلقات الصراع". وشدد على "ضرورة عودة القوات كافة التي استحدثت مواقعها إلى ثكناتها السابقة خارج المحافظة، وتسليم المعسكرات والمواقع الحيوية لأبناء حضرموت تحت إشراف السلطة المحلية".
في المقابل، ذكر البيان الثاني أن السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، خلال اجتماع موسع عُقد اليوم (أمس) بحضور وكلاء المحافظة والقيادات الأمنية والعسكرية، أكدت "دعمها وتأييدها المطلق للقرارات والتوجيهات المتخذة من قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ اللواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي"، التي "تلبي تطلعات شعب الجنوب العربي وطموحه وإرادته باستعادة دولته وسيادته على كامل أراضيه".
أما "مرجعية قبائل حضرموت"، فقالت في بيان أمس، إن موقفها "ثابت في أهمية وضرورة تجنيب المحافظة أي صراع"، داعية إلى تغليب لغة الحوار والسلام بدلاً من لغة القوة والسلاح".
وأشادت بـ"الدور الإيجابي لقوات التحالف العربي... في دعم كل الحلول السلمية التي تعزز الاستقرار وتسهم في حفظ السلم المجتمعي بالمحافظتين (حضرموت والمهرة)".
في هذا الصدد قال صفوان سلطان، عضو المكتب السياسي لحزب العدالة والبناء، وهو شخصية سياسية جنوبية في الشرعية، إن بيان الخارجية السعودية "موقف واضح وصريح يعكس ثبات رؤية المملكة تجاه اليمن، وحرصها العميق على أمنه واستقراره ووحدة قراره الوطني".
وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن البيان يؤكد "رفض فرض أي وقائع بالقوة، والدفع نحو إعادة الأوضاع إلى مسارها الطبيعي بما يحفظ السلم المجتمعي، ويبعث برسالة متوازنة تجاه القضية الجنوبية، تقوم على الاعتراف بعدالتها وخصوصيتها، مع التشديد على معالجتها ضمن الحل السياسي الشامل". يجسد ذلك وفق سلطان، "حرص المملكة على استقرار اليمن وحماية أمنه وأمن المنطقة ككل".
(العربي الجديد)