قد لا يختلف المشهد كثيراً حين مقاربة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية اليوم بتلك التي اندلعت داخل سوريا قبل 15 عاماً، باستثناء عامل الوقت وما مر خلاله من متغيرات دولية وإقليمية. وفي كلتا الحالين لم تكن اللحظة المركزية هي نزول الناس إلى الشوارع للتظاهر، بل الطريقة التي تعامل فيها النظامان مع الأمر على أنه مدفوع بأيادٍ خارجية ليحمل صبغة عمل مؤامراتي عابر للحدود. وتلك تكاد تكون سمة مشتركة في مواجهة الاحتجاج بالعديد من الدول.
تحاول هذه السلطات ومثيلاتها تحويل عنصر الاحتجاج الشعبي إلى حدث أمني مغلق يخضع لأقصى محاولات التعمية، حتى تركيز رواية تستند إلى شيء من معطيات قابلة للتدوير الداخلي أولاً على صورة توصيف "مؤامرة كونية"، وهو وصف خبره السوريون جيداً طوال أعوام، ويختبره الإيرانيون اليوم.
إيران اليوم تنظر للمتظاهرين على أنهم مجرد أدوات مدفوعة للتخريب لا للمطالبة بإصلاحات ومطالب جوهرية تمس حياتهم، وأن هذا الملف ليس أزمة داخلية متفجرة بريئة، بل يعد جزءاً من سياسة الحرب الناعمة الخارجية التي تكمل الحرب القاسية التي تخوضها ضدها دول "محور الشر"، والتوصيف هنا مهم للغاية لأنه يتيح للنظام هناك إسقاط الوطنية كصفة عن المحتجين، واتهامهم بالتآمر والتخريب والإرهاب، بالتالي تصبح المعادلة "دولة ضد مشروع إرهابي داخلي"، فتصير الميادين ساحات اشتباك مفتوحة، والرصاص صاحب الصوت الأعلى، والاعتقالات وسيلة وضمانة لاستمرار الحكم، والقتل أداة مشروعة لمواجهة التآمر، وكل ذلك يتطابق مع ما كانت عليه الحال من رؤية السلطة السورية للأزمة في بلدها خلال العقد الماضي، "المؤامرة"، هذا الوصف الجاهز للتحرك ضده بأية طريقة.
نيران مجهولة
المرحلة التالية بعد المؤامرة هي الأشد حساسية، عبر تحويل المطالب الشعبية المشروعة إلى أخطار تهدد الأمن القومي، فيبدأ البحث في كيفية إدارة الأزمة وتحويل الضحية إلى جانٍ ومرتكب للجريمة في انعكاس واضح لمجريات الأحداث.
سوريا منذ بداية أزمتها خلال عام 2011 أصرت على أن المتظاهرين هم من يطلقون النيران على القوات الحكومية والشعب، وتحدثت مراراً عن وجود أشخاص أو عصابات مندسة أيضاً في صفوف المتظاهرين، على رغم أن تلك الرواية سبقت الحقيقة فعلاً، لكنها لاحقاً صارت حقيقة فعلية راسخة تحت آلة العنف المضاد لأي تحرك سلمي.
إيران اليوم لا تألو جهداً لتعيد إنتاج السردية ذاتها، متبنية رواية إطلاق النار من داخل صفوف المحتجين، وفي حالات أفضل تقول نيران مجهولة المصدر، وبذلك تحمي نفسها وحرسها المقاتل من الجريمة، وتلبسها لخصومها سواء امتلكوا سلاحاً أم لم يمتلكوا، وهي خطوة استباقية مكشوفة للغاية، لكنها تحتاج فضاء إعلامياً قوياً ومناوئاً ومصدراً لحظياً على الأرض لدحرها.
على المستوى الوظيفي، هذا النوع من الروايات أتاح سابقاً للنظام السوري واليوم للنظام الإيراني دوراً في استخدام قوة مضادة عنيفة ومركزة أو عشوائية ضد خصومه من مواطني بلده، على قاعدة أن النار ترد بالنار وفق الفرضية المعممة سابقاً.
وهكذا تشتت المسؤولية حول المرتكب الفعلي للجريمة الأساس، ومعه تخلق تشويشاً واسعاً للمراقبين داخل المجتمعات العالمية. وهذا بالضبط السلوك الذي انتهجه نظام بشار الأسد طوال حربه مع خصومه، المتظاهرين أولاً، والتنظيمات المسلحة المنظمة ثانياً، ومن الأولى خلق الثانية عمداً لينجو من سؤال المحاسبة عن أرواح المدنيين.
طهران تحاول الآن استغلال الأسابيع الأولى من الاحتجاجات فيها لتثبيت رواية الفوضى التي يتحمل مسؤوليتها المحتجون، وتحاول ترسيخ تلك الفكرة في وعي الجماهير، ورويداً رويداً تستغل الظروف الزمانية والماكينة الإعلامية لإنتاج خطابها الخاص، فتتراكم الأحداث ويصبح تفنيدها أكثر صعوبة وغلظة داخل بلد محكم المراقبة كإيران.
شراء الصمت
خبر النظام الإيراني كما قبله النظام السوري، وأنظمة أخرى حول العالم خلال فترات زمنية متباينة، أن آلة العنف والرصاص وحدهما لا يكفيان لإسكات احتجاجات اندلعت شرارتها، ويبدو إيقافها صعباً في ظل زخم من الضغط العالمي والوعيد والتهديد والإشاعات، وبهذا كان لا بد من ظهور سياق موازٍ يرتبط بالمال، أفيون الناس عادة.
عليه، قررت إيران تقديم مساعدات مالية عاجلة تزامناً مع اتساع رقعة الاحتجاج، تلك المساعدات كانت بضعة دولارات للفرد، وجاءت كمن يذر الرماد في العيون. ذاك النوع من محاولة الشراء غير المدروس قد يزيد احتقان النفوس بدل ترويضها، وبخاصة أنها جاءت نتيجة لاحتواء احتجاجات أساسها القدرة المالية المتآكلة والتضخم الحاد وتهاوي العملة والبطالة وأسباب اقتصادية أخرى.
خاض النظام السوري التجربة ذاتها في بداية الانتفاضة، وحتى خلال الأعوام التي تلتها، أقر حزماً إصلاحية من بينها زيادات معقولة في الأجور، مع منح متتالية على الرواتب ودعم مركزي لسلع أساس وتسهيلات اقتصادية في مواقع متعددة. لكنها لم تحقق الغاية منها، إذ باتت قضية السوريين آنذاك أمنية وسياسية خالصة تتعلق بالنظام نفسه لا بما يقدمه من محفزات يفترض أنها من المكتسبات والحقوق.
وعلى رغم ذلك، وفي خضم وأتون أي صراع، ثمة أناس سيتراجعون خطوة للوراء بحثاً عن العيش فقط فيقبلون بإصلاحات ومساعدات. وهنا يعود المحتجون أنفسهم للانقسام بين من يقبل ليعطي فرصة، ومن يرفض تماماً ويمضي حتى النهاية، منتصراً أو معتقلاً أو قتيلاً. وفي الحالة الثانية يخشى من ازدياد رقعة العنف على قاعدة أن الناس رفضوا الاستجابة لمبادرات "حسن النية" الحكومية، وهنا تعود مجدداً الحال لتنطبق بين سوريا قبل أعوام وإيران اليوم في رؤيتهما أن رافض المساعدات والتعاون الحكومي وإمهال الفرص يعد باحثاً عن التخريب لا الحلول، فيعود العنف ليشرع نفسه في مواجهة الفوضويين كما ستصفهم السلطات.
سلاح البنية التحتية
بعد فشل احتواء الاحتجاج وعدم القدرة على إيجاد مسار تفاوضي اقتصادي – سياسي مع الشارع، يلجأ النظام عادة إلى استخدام أدوات مرتبطة بالبنية المركزية للدولة كوسيلة ضغط إضافية على المتظاهرين، وهي حجب ساحات احتجاجهم عن العالم. وفي إيران كما سوريا، يستخدم الآن ملفا الكهرباء والإنترنت كأدوات ضاغطة وقاسية كركيزة محورية لإدارة المعركة على الأرض.
النظام الإيراني بما يملكه من قدرة أساس وسيادية على التحكم بالإنترنت والكهرباء، تمكن إلى حد واسع من عزل مناطق الاحتجاج وتحويلها إلى جزر معزولة عن بعضها وبقية المدن والعالم الخارجي حتى، مستخدماً إلى جانبه سلاح الاتصالات بشكله العام، وهي أشياء سبق وفعلها النظام السوري وأسهمت إلى حد كبير في منع توثيق المجريات والأحداث الحاصلة، لكون تلك التسريبات خصوصاً خلال الفترات الأولى من أية انتفاضة أو احتجاج شعبيين ستضيف ثقلاً عالمياً للملف. وبدا ذلك واضحاً على رغم تقييد وصول ما يجري للخارج من البيانات الغربية الأميركية والفرنسية تحديداً، إضافة لدول أخرى.
عدم اللجوء إلى سياسة "الجزر المعزولة" يضع النظام الذي يتعرض لانتفاضة داخلية أمام مشكلة دولية مركبة تكسر احتكاره الرسمي لرواية المخربين والمندسين، وبهذا تحاول إيران بكل قدرتها احتكار الرواية كاملة، وفي أحيان معينة تفشل عبر فيديوهات تخرج للإعلام، وهنا يجب الأخذ بالاعتبار أن إيران على الدوام كانت أقوى تقنياً ورقمياً من سوريا بعشرات المرات، حتى إنها خلال الحرب السورية تولت إدارة ملف الاتصالات في سوريا.
السيطرة الإعلامية لاحتكار الرواية
في تونس وليبيا ومصر سابقاً، كانت هناك محاولات لمحاكاة الأساليب التي مورست من قبل النظامين السوري سابقاً والإيراني لاحقاً في الثورات الداخلية. تلك الدول لم تفلح كثيراً، انهارت أنظمتها بسرعة، أما في الحالتين السورية والإيرانية، فالطرفان بفارق الزمن، أدركا أهمية استمرار العمل الأمني – العسكري على الأرض بالتوازي مع السيطرة على الفضاء الإعلامي كاملاً، أو ما أمكن، وإيران منذ زمن ليس بقصير وهي تعمل على صنع ماكينة إعلامية دولية قوية تمول من خلالها عشرات المواقع والإذاعات والتلفزيونات والمنصات الرقمية.
اليوم، تفرض طهران إضافة لذلك قيوداً صارمة على وسائل الإعلام الأجنبية أو المستقلة، كذلك بالضبط فعلت سوريا التي راحت أبعد عبر طردها كل القنوات من أراضيها مع استبقاء قنوات تتبع حلفاءها فحسب، مع التركيز على تدعيم الإعلام الرسمي – الحكومي ليكون صاحب الحق الأوحد بنقل الصورة من الميدان كما تشاء السلطات، وكما تملي عليه أن يفعل. هذا بالضبط ما يُسمى احتكار الرواية، وهي السياسة الإيرانية القائمة حالياً، والتي تركز على وصف جموع المحتجين بالمخربين المتآمرين عبر سيطرتها الإعلامية الدقيقة على الإعلام الرسمي أو المتاح لها.
المسلحون الموالون كطرف مركزي
كلما اتسعت رقعة الاحتجاج داخل أي بلد، وإيران ضمناً، وقبلها سوريا، كان يزيد معها استنزاف الأجهزة العسكرية والأمنية النظامية، مما يجعل النظام الواقع تحت الضغط يلجأ لاستخدام طرف ثالث مفوض بالعنف، يكون عبارة عن قوة مدنية يتولى تسليحها وتدريبها ومدها بالقوة والفاعلية والأمور اللوجيستية المتعددة، ومهمتها ألا تكون لها مهمة سوى أن تمارس أقصى درجات العنف في حق خصوم الدولة.
في سوريا، كانت هذه المجموعات تعرف عامة باسم "الشبيحة" ومنها انبثقت جماعات "الدفاع الوطني وصقور الصحراء والبستان ومغاوير البحر ولواء القدس والعرين" وعشرات المجموعات المدنية المسلحة الأخرى التي كانت تضم مجتمعة مئات آلاف المقاتلين. هؤلاء لا يخضعون لأعراف قانونية ثابتة ولا قوانين عسكرية صارمة، وهو ما يتيح لهم التحرك بأريحية بعيداً من المحاسبة والمساءلة حتى في حال ارتكاب الجرائم.
إيران اليوم كذلك بدأت، بحسب ما يرد من معلومات، بتفعيل دور مجموعات موالية بصلاحيات شبه مفتوحة لمواجهة الاحتجاجات بالقوة، حتى لو تطلب ذلك استخدام السلاح بفرط وسقوط قتلى وجرحى، وبالتأكيد فإن الاعتقال يكون مسموحاً ومطلوباً بشدة.
سياسة وجود العنصر المدني بزيه الطبيعي موالياً للدولة حاملاً سلاحه يربك المشهد العام، وهو أساساً جزء من سياسة عسكرية ليست حديثة العهد عالمياً، ومن خلالها تطمس هوية الفاعل وصورته ولا تكون الدولة ملزمة بالاعتراف بتبعيته لها، حتى لو قتل على يد الطرف الآخر.
هنا يعفي النظام القائم نفسه من أي انتهاك قد يحصل حتى لو ارتقى لمجزرة، وتصبح الصورة العامة قائمة على أنها حرب أهلية ومواجهات شعبية قائمة على ردود الفعل بين جماهير موالية للنظام وأخرى معارضة له. وهي ذات السياسة التي استخدمها نظام الأسد ليقسم السوريين بين بعضهم في محاولة للحفاظ على الصورة العامة للمؤسسة العسكرية نظيفة.
في هذا الأسلوب تحمي الدولة مؤسساتها الرسمية من التآكل واستنزاف الموارد، وتضمن ألا تضع نفسها في موقف أخلاقي أمام قادتها وجنودها المطلوب منهم قتل مواطنيهم. وهكذا تخفف الكلفة عن نفسها، وتضمن بقاء الروح المعنوية عالية في صفوف أجهزتها الأساس، وكذلك تتجاوز خطر الانشقاق الذي أرهق سوريا لأعوام.
عبر الحدود
في حال تصاعدت الأحداث بوتيرة متسارعة على الأرض، فإن معادلة الجيش مع "المجموعات المسلحة المحلية الموالية له" لن تعود كافية للسيطرة على الميدان قبل خسارته نهائياً. فنظام بشار الأسد حاول المقاومة طوال عامي 2011 و2012 عبر جيشه ومجموعاته المحلية، التي وعلى رغم كثرة عددها، اضطر خلال الفترة الأخيرة لأن يطلب من "حزب الله" اللبناني الدخول إلى ساحة المعركة في سوريا لنجدته.
وقد تمكن الحزب من تغيير المعادلة جذرياً داخل مدن كثيرة آنذاك، قبل أن تتدخل إيران ذاتها، ومع تدخل إيران أدخلت معها عشرات المقاتلين الأجانب العابرين للحدود للقتال برفقة النظام السوري، من أفغانستان وباكستان والعراق ودول عدة، من ضمنهم "الفاطميون والزينبيون ولواء أبو الفضل العباس"، وعشرات غيرهم. كذلك تدخلت روسيا لاحقاً كدولة عظمى في أواخر عام 2015 لمصلحة النظام.
وفي الطرف المقابل أيضاً، بات للثوار جبهات تعج بعشرات آلاف المقاتلين الأجانب من كل الجنسيات، ثم صاروا مئات آلاف المقاتلين مع دخول "داعش" على الخط خلال عامي 2013 و2014. والسلطة الحالية في سوريا اليوم تحمل في دوائرها الضيقة وقيادات الصف الأول فيها، قادة أجانب.
ذلك السلوك السوري بإدخال المقاتلين الأجانب لم يكن نتيجة علاقات واسعة مع المجموعات المسلحة نفسها، بل كان نتيجة إرادة وقرار إيرانيين وفرا لهم الغطاء والحماية والتأمين، بالتالي هو ما زال قادراً على إعادة تدويرهم في أي وقت، وبخاصة أنه تمكن من سحبهم –على كثرتهم- من سوريا إلى خارجها من دون أية معارك أو دماء مع الأيام الأخيرة التي سبقت سقوط نظام الأسد.
لا تأكيدات رسمية حتى الآن إن كان النظام الإيراني استعان بقوات خارجية غير نظامية، لكنه خيار مرجح ومطروح بقوة في كل وقت، ويرتبط بالاحتجاجات نفسها ومدى قدرتها على الاتساع والديمومة والتأثير. عموماً فإن الاستعانة بالعنصر الخارجي هي الأقل كلفة لأية دولة في العالم بوصفهم عسكرياً بـ"المرتزقة"، والذين يقال عنهم في الأعراف الشعبية "الذين لا دية لهم"، أي إن حياتهم مفيدة، ولكن موتهم لن يرتب خلفه تبعات رسمية.
التفاوض تحت النار
يكاد يتطابق أسلوب نظامي دمشق في الماضي وطهران اليوم لناحية إعلان إمكانية التفاوض مع الخصم (الشعب)، فذلك الإعلان حول الاستعداد لإتمام التفاوض يكون علنياً ومغرقاً في الصيغ الوطنية التعايشية بالتوازي مع تصعيد متزامن في الميدان، ليكون التفاوض إن حصل فعلاً قائماً بقوة الأمر الواقع وعلى وقع أزيز الرصاص تحت فوهات البنادق، ولاحقاً تحت ضربات المدافع. ذاك الأسلوب تنتهجه أنظمة كثيرة في جر خصومها لطاولة المفاوضات بعد تعثر الحلول الأولية.
في المشهد السوري اليوم بعد انتهاء حرب حقبة بشار، يمكن قراءة الملف من زاوية أكثر ضيقاً ضمن معطيات معارك حلب القائمة بين السلطة الحالية والقوات الكردية منذ أيام. وهي معارك جاءت بعد انتهاء مهلة التفاوض الرسمية بين الجانبين حول قضايا أكثر اتساعاً في السياسة والجغرافية، فاشتعلت المعارك ضمن جبهات محدودة قد تنتهي في الجلوس مجدداً على طاولة المفاوضات بشروط متبدلة، وبذلك يعود لينطلق التفاوض من المدفع إلى الطاولة.
في بدايات الحرب السورية عام 2011، دعا النظام مراراً لمؤتمرات حوار وطني أبرزها مؤتمر صحارى الذي قاده آنذاك فاروق الشرع، نائب الأسد، ووزير الخارجية السابق، في حين كانت القوات العسكرية تتحضر لمزيد من تصعيد العنف واقتحام المدن. وذاك المؤتمر وسواه فشل لجملة أسباب، أبرزها أن السلطة نفسها أرادت إفشاله، ولأن معارضة الخارج غائبة والعناصر المناوئة الفاعلة على الأرض لم تحضر، وهو سيناريو مرجح التكرار بقوة في إيران لتشابه الظروف في الحالتين. وضمن هاتين الحالتين تبدو مسارات التفاوض محاولة لشراء الوقت وسبيلاً لإدارته، ووسيلة لإعادة ترتيب صفوف عناصر السلطة ورسائل طمأنة للخارج.
السيطرة على الحزن
لا يمكن القول إن المواجهة بين الخصمين، السلطة والمتظاهرين، تبدأ في الميدان وتنتهي باعتقال أو مقتل المتظاهر، فعلياً قد تكون تلك اللحظات البداية الفعلية لأوراق تالية قاسية. فالنظام القادر على التحكم بإدارة الموت والترتيبات التي تتبعه حكماً سيكون متمكناً من الإمساك بالملف كعنصر أمني شديد الضغط على الشارع، يحصل ذلك من خلال احتجاز جثث قتلى الاحتجاجات لأيام أو أسابيع أو أكثر، ومن ثم دفنها من دون إعلام ذويها بمصيرها، لتصبح مغيبة قسراً من دون أية معلومة عنها، وهذا أيضاً خبره السوريون جيداً، إذ ما زالوا حتى اليوم يكتشفون مقابر جماعية لضحاياهم.
طهران تمنع بوضوح إقامة مراسم عزاء أو تجمعات متعلقة بالأمر حيال ضحايا الاحتجاج، القصة تذهب أبعد بكثير من مجرد طمس الحقيقة في حال وصل المحتجون للجثة قبل عناصر السلطة التي ستخفيها. وهنا يأتي دور السلطة من جديد لتخفي الجريمة بمنع إقامة طقوس لها، وفرض منع الحزن عليها أو تداول أخبارها، وذلك لأن تراكم الحداد الشخصي نحو العلني يخلق مزيداً من الغضب الشعبي، بالتالي يتنامى الاحتجاج ويواظب على الاستمرار والحشد. وخلال وقت لاحق تتشكل ذاكرة جماعية قابلة لإعادة إشعال الغضب الشعبي خلال أية لحظة، وما حادثة مقتل مهسا أميني عام 2022 داخل إيران وما تبعها من ردود فعل، ببعيدة.
ومع الأسبوع الثالث للاحتجاجات في إيران، أفاد مرصد "هرانا" الإيراني لرصد حقوق الإنسان بأن عدد القتلى من المتظاهرين تجاوز حتى منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 2003 أشخاص (أحدث الأرقام الرسمية 5000)، فيما قُتل 133 عنصر أمني ومن عناصر إنفاذ القانون من الطرف المقابل. وتمكن المرصد المذكور من الحصول على مقطع فيديو لعملية تشييع أحد قتلى المتظاهرين في خرق لسياسة الحجب الإيرانية، وبدا المجتمعون يرددون شعارات سياسية مناوئة لنظام الحكم.
في ما خلا ذلك، فإن النظام الإيراني عدا عن دفن الجثث سراً، يعمد أحياناً لإبلاغ ذوي القتيل بعد دفنه، وفي أحيان أخرى قد يسلمهم الجثمان وسط إجراءات أمنية دقيقة ومعقدة تقتضي منع التصوير والتجمع وإقامة مراسم العزاء والتشييع الشعبي، ليكون مقتصراً على العائلة الضيقة فقط وبحراسة أمنية في الغالب. ويرى مراقبون أن تلك الإجراءات تهدف لمنع صناعة رموز لأبطال شعبيين، كما حصل غير مرة في الانتفاضة السورية كمثال.
تحدث حقوقيون ومتابعون للشأن الإيراني حول تحول أمر قتل المتظاهرين إلى ظاهرة تجارية – إذلالية في جزء منها، على اعتبار أن "الطلقة القاتلة خرجت من سلاح مقدس معني بالدفاع عن الوطن، في وجه مشاريع التخريب والمؤامرات العابرة للحدود، والتي يصدرها الغرب وإسرائيل ودول أخرى".
شهادات متعددة تحدثت عن تعهدات أمنية على ذوي الضحية أن يوقع عليها، وقد يضطر لدفع مبالغ مالية كغرامات، إضافة لإلزامهم بالصمت المطبق حول ظروف الوفاة والتكتم عليها ومنع الحداد. ليصبح المقتول ملزماً دفع ثمن الطلقة التي قتل بها، في خلاصة مفادها لا عزاء ولا حداد ولا حزن ولا مراسم وداع حقيقية، غرامة لأنه تعرض للقتل، كسر عائلة الضحية نفسياً ومعنوياً.
وضمن سياقات مشابهة يكون الدفع أحياناً ليس مقروناً فقط بالطلقة نفسها، بل ما يستوجب دفعه لاستعادة الجثمان. وفي سوريا كان هذا أسلوباً شائعاً وأفضى في ما أفضى إليه لتنامي أحقاد متسعة تعلن بداية المعاناة لا نهايتها.
وهنا الأمر يرتبط بالإهانة، فالنظام بصورته العامة لن يكون محتاجاً لذلك المبلغ المالي، لن يغير في أية معادلة اقتصادية داخلية، لكنه سيؤثر في نفسية الجمهور رمزياً ومعنوياً وذهنياً، انطلاقاً من شعور الحكومة لامتلاكها أجساد مواطنيها أحياء وأمواتاً، وهي التي تحدد بالتالي متى وأين وكيف وما هو الثمن المقابل لإعادته لعائلته جثماناً أو ناجياً من معتقل.
طباخ السم
اليوم إيران لا تعيد فقط إنتاج أو تدوير السياسة التي انتهجتها في سوريا، وبخاصة أنها بصورة واسعة كانت تدير معظم العمليات على الأرض، العسكرية والأمنية والاجتماعية عبر غرف عمليات منظمة، وفي مراحل واسعة كانت تملي الأوامر على القيادة السورية، وتضع لها خطط التعامل مع شعبها واحتجاجاته وجماعاته المسلحة لاحقاً.
ترى طهران نفسها أمام "مؤامرة خارجية كونية"، وتشعر بالحاجة لمجموعات محلية أو عابرة للحدود، ولمساعدة دول صديقة وشقيقة، بالتأكيد سوريا ليست بينها اليوم، إضافة لمنح المساعدات وإطلاق مسارات حوارات فضفاضة، وقطع اتصالات وإنترنت وكهرباء وحجب التواصل وعزل التظاهرات ومنع إقامة الجنائز ومظاهر الحداد، كل تلك العوامل جربتها في سوريا، وتعيد اليوم صياغتها إيران على أرضها.
بين الديمقراطية والديكتاتورية
عملياً، لم يكن النظام السوري السابق بصورته العامة راديكالياً إلا في إطار الشعارات، مما جعله يختلف عن أنظمة اليمين واليسار العالمية المعروفة. ففي سبيل قضايا متباينة، دفعت شعوب كثيرة أثماناً باهظة لقاء سياسات متنوعة، كأحداث الباستيل والثورة الصناعية الفرنسية عام 1789 وحتى الثورة البلشفية الروسية عام 1917، مع استدعاء الوقوف الضروري عند تجربتي ستالين السوفياتية والماوية الصينية، والثورات اللاتينية في كوبا والبوليفار والثورة الأميركية للاستقلال عام 1775 والربيع الأوروبي عام 1848 وغيرها.
ولم يكن صعود نظام ولاية الفقيه أواخر السبعينيات (1979) في إيران استثناء، فالتحالف الذي قام مع اليسار بداية انتهى بعد أعوام قليلة بإعدام قياداتهم، وكذلك تنتج الأنظمة الشمولية أنفسها على الدوام بوصفها متمرسة ضمن معسكرات اشتراكية لا تقبل الهيمنة، فتواجهها عبر إرضاخ شعبها.
ومع الاختلاف البيني الجذري بين تلك الانتفاضات وأسبابها وتطلعاتها وخلاصاتها، يبقى أن التاريخ سجل فيها أعداداً وأعداداً من آلاف وحتى ملايين القتلى، أولئك الذين صاروا مجرد أرقام لا أكثر. جوزيف ستالين الزعيم السوفياتي نفسه يقول "موت شخص تلك مأساة، أما موت مليون شخص فهو مجرد إحصائية".
ومن هذا المنطلق يمكن فهم آلية تعامل السلطات مع شعوبها، الشعوب الثائرة على القيود والقمع والسياسيات الاقتصادية التي أنهكت بلدانهم. وعلى الدوام يظل الشاغل الأهم هو سؤال ماذا بعد نجاح أية انتفاضة، فهل ستعيد إنتاج نظام شمولي سابق، أم أنها ستنقل بلادها إلى حيز البلدان الديمقراطية المتطورة؟
الثورة الفرنسية أفضت لولادة الجمهورية الأولى ما بعد الملكية، وضعت عقداً اجتماعياً راسخاً قامت عليه جمهوريات متتالية انطلاقاً من أفكار جان جاك روسو، وأفضت لتعميم قيم الحرية والمساواة والعدالة. أمريكا نالت استقلالها عن بريطانيا وصارت دولة عظمى، قطباً عالمياً عتيداً.
الثورة البلشفية خلقت الاتحاد السوفياتي وعززت الشيوعية العالمية في إطار نهج القضاء على الاحتكار نحو الملكية الجماعية. الربيع الأوروبي أفضى لمناخ من الحرية والليبرالية والتنوع والتعددية وإقصاء البعد الديني عن الحياة اليومية للمجتمعات.
فيما كان لثورات أخرى ارتدادات عكسية على شعوبها، في إيران صعد نظام إسلام سياسي خلق شحناً هائلاً في الشرق الأوسط والعالم، كذلك أفضت انتفاضات متعددة ضمن سياق الربيع العربي لتوترات وأحداث عنيفة وخلل في المنظومة العربية الجماعية. كذلك لم تكن الثورات اللاتينية بأفضل أحوال، فالبلدان التي تعوم على فائض من ثروات ومعادن، حتى اليوم شعوبها من بين الأفقر عالمياً.
وآخر التحركات التي نجحت الانتفاضة السورية، التي أنتجت نظاماً لا تزال ملامحه غير مفهومة تماماً على رغم مضي عام على وصوله إلى السلطة. وفي انتظار ما سينتجه الحراك الإيراني، فهل تنجح الاحتجاجات لتنقل البلاد نحو ضفة مستقرة أم أنها ستعيد إنتاج ثورة الولاية؟
(اندبندنت عربية)