11 فبراير صنع لنفسه مكانًا متميزًا في تاريخ اليمن الحديث ، شاء من شاء وأبى من أبى تعرض لتحديات كبيرة كغيره من الأحداث والثورات السياسية والاجتماعية التي شهدها اليمن . ولم يكُ بذلك استثناءً كي يتعرض لكل هذا النقد والتشهير بسبب ما عاشه اليمن بعد ذلك من إخفاقات ومحاولة تحميله مسئوليتها.
تكمن المشكلة في أن اليمن بنخبه السياسية والعسكرية والاجتماعية، لم يستطع طوال تاريخه الحديث أن يدير بنجاح الأحداث الكبرى، والتي كان يُتَوّخى منها أن تضع البلاد على عتبة عهود جديدة من التحول.
ولننظر إلى الثورات كيف استُهلِكت، وخرجت من مساراتها لتنتهي إلى أيدي خصومها، وكيف أن الحدث الأهم في تاريخ اليمن، وهو الوحدة، كان قد شكل نموذجًا صارخًا للإخفاق في إدارة الأحداث التاريخية التي تعلقت آمال الناس بها ليرتدوا على أعقابهم خائبين مما رتبته تلك الاخفاقات من خيبات يمتد تأثيرها لسنوات طويلة.
يأتي بعد كل هذا من يقول لك: وما الذي قدمه 11 فبراير غير أنه أسقط الدولة. والحقيقة، التي لا يرقى إليها الشك، هي أن فبراير لم يُسْقط الدولة، وإنما أصرّ على التمسك بها، وترسيخ بنيانها ديمقراطيًا عبر حوار وطني يفضي إلى عقد اجتماعي كأساس لدولة مستقرة ، ونظام سياسي يقوم على التداول السلمي للسلطة.
كما أن فبراير دعا إلى الحوار مع ممثلي النظام الحاكم الذي ثار عليه، باعتباره، أي فبراير، حركة شعبية سلمية، قامت على التغيير باستخدام الوسائل السلمية التي يشكل الحوار أحد أدواتها الأساسية، ولذلك يكون الحديث عن إسقاط النظام أيضًا مسألة فيها الكثير من المبالغة.
وربما كان "تداول السلطة" هو التعبير المناسب لما انتهت إليه الأحداث بالمعايير التي كان يُتوقع أن تسهم في تخليق نظام سياسي جديد من رحم تلك الدولة العميقة.
حتى لو لم يكن قد تحقق من فبراير سوى الحوار الوطني، فإنه يكفيه أن يكون الحدث التاريخي الذي وضع اليمن على مسار جديد غير مسارات التغلب التي غالبًا ما اكتفت بكسر الخصم ، ثم إعادة إنتاج ميراثه.
ربما شابت الحوار بعضًا من شوائب الماضي السياسي المرتحل من جيل إلى آخر والمحمول بثقافة الشك، التحايل، الغلبة، والخوف. الأمر الذي أفقده بعضًا من زخمه.
ناهيك عما تعرض له من معارضة، لم يقدم أصحابها البديل المناسب لإيصال فبراير السلمي إلى نهاية أكثرَ جاذبية من الحوار الذي عارضوه.
من الشوائب التي رافقت الحوار هو عدم التوافق على خلق البيئة السياسية والتشريعية القادرة على حماية مخرجات الحوار الوطني، حيث تركت مسئولية تنفيذها لنفس الأجهزة التشريعية والتنفيذية بتركيبتها الممثلة للنظام السابق، مما حال دون القيام بأي خطوة على طريق التغيير الذي خلص إليه الحوار الوطني.
ومنها أيضًا، أنه تم استحداث "قضية صعدة" بصورة مصطنعة، وتضخيمها كقضية "سياسية" أثناء التحضير لمؤتمر الحوار، في محاولة للتشويش على القضية الجنوبية ذات البعد السياسي في الأساس، والتي لم تستولدها الأحداث على نحو طارئ، فتاريخها يمتد إلى ما قبل الاستقلال (وهو ما سبق أن كتبنا عنه في وقت سابق في ثلاث حلقات على صفحتنا في الفيس بوك لمن يريد أن يطلع على تاريخ هذه القضية ).
وبينما التهمت "قضية صعدة" المصطنعة جزءًا من الدولة اليمنية بالانقلاب الحوثي على شرعية الدولة، فإن القضية الجنوبية تمسكت بالدولة، وحافظت على الجزء الآخر منها، وحملت على عاتقها مسؤولية الإسهام في استعادة الدولة من أيدي الانقلابيين الحوثيين.
وعلينا هنا أن نتوقف قليلًا لنستوعب البعد السياسي الوطني لهذه القضية في كل المراحل منذ ما قبل الاستقلال حتى هذه المرحلة التي يتعمد فيه البعض تشويهها، أو توظيفها، كل من الموقع الذي يتمترس فيه.
ومنها أيضًا استباق الحوار بمحاولات فرض تصور استباقي لمشروع هيكلة الدولة بتقسيم الجنوب إلى إقليمين، شرقي وغربي. تم ذلك قبل البدء في الحديث عن أي شيء آخر، مما عكس توجهًا لاختزال الحوار وتوجيهه لكسر القضية الجنوبية على نحو بدا معه هذا التوجه وكأنه قد تأسس على قاعدة أن تفكيك الجنوب ضمان لبقاء وحماية الوحدة.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت القضية الجنوبية تعيد هيكلة بنيتها السياسية بجعل مسألة "منع تفكيك الجنوب" أولوية لا يمكن فهم أو استيعاب مضمون القضية إلا بها.
وفي حين وضع فبراير والحوار الوطني القضية الجنوبية في المكان الذي يليق بنضال الشعب اليمني في الجنوب باعتباره الأقدر على تقرير خياراته السياسية، كما ورد في وثيقة الحوار، فذلك إنما لأنه قد أُخْتُبر طويلًا في كل المحطات التاريخية.
وأيًا كانت اختيارات نخبه السياسية المبنية على تقديراتها الخاصة ، فإن الأمر يعود إليه وحده في تقرير مستقبله .
هذا هو فبراير، الذي فتح بابًا واسعًا لمعرفة معنى الحوار في حياة اليمن التي تلاحقت فيها ، منذ زمن بعيد، إشكاليات التغلب وهزائم المتغلبين.
وفي تلك التجارب كثيرًا ما نجد أنه حتى ولو تم "التغلب" تحت رايات وشعارات كبرى وبراقة، فإنه يبقى عملًا متعاليا استعراضيًا إذا لم يستند على إرادة شعبية قادرة على حمايته بأدوات سياسية وشعبية.
(من صفحة الكاتب في فيس بوك)