لم تعد تعز مدينة تصارع تحديات الحياة اليومية فحسب، بل تحولت إلى مرآة حقيقية لقدرة الدولة والمجتمع على تحويل الموارد المحلية إلى قوة إنتاجية وخدمية وتعاونية.
هنا، بعد سنوات من الحصار والصمود، أصبحت محافظة تعز نموذجًا حيًا للفيدرالية الإنتاجية في اليمن، حيث لم يعد الأمن غاية منفصلة، بل نتيجة طبيعية لتنمية متكاملة وخدمات أساسية تعمّق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتُعيد بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة.
على مدى سنوات طويلة، خاض أهالي تعز تجربة استثنائية من الحرمان والمعاناة، واضطروا لابتكار بدائل للبقاء والصمود، مع تمسّك لا يلين بالسعي لاستعادة السيادة والكرامة.
ومن صميم هذا الصمود، انبثقت قوة جديدة للمدينة، حيث أصبح الأمن والاستقرار أكثر من حلم معلّق، بل واقعًا يُبنى ويُعزز يومًا بعد يوم. اليوم، تخطو تعز مرحلة جديدة من مسؤولياتها الوطنية: أن تتحوّل إلى نموذج يُحتذى به لبقية المحافظات، ليس فقط في المقاومة والصمود، بل في القدرة على التحوّل إلى مركز إنتاج وتنمية، يحمل مشاريع خدمية وتعاونية تُعيد صياغة المستقبل، وتمكّن المواطنين من أن يكونوا صناع التحول ومبادرين في ابتكار الحلول، بدل انتظارها من الخارج.
يتطلّب من تعز أن تخطو نحو تحوّلٍ عملي يقدّم نموذجًا حيًّا للانتقال من واقع الحرمان إلى أفق الإنتاج، عبر إطلاق مشاريع تنموية جديدة إلى جانب صيانة وترميم ما هو قائم من بنى وخدمات.
ففي هذه اللحظة تتكامل دوائر الأمن والتنمية والخدمات داخل منظومة وطنية مترابطة تقوم على التخطيط الواعي والاستثمار المتوازن في الإنسان والمكان معًا.
ويؤكد هذا الترابط أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على القوة الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى حضور دولةٍ فاعلة ومجتمعٍ مستقر يشعر أفراده بجدوى التنمية وعدالتها.
ومن هنا تبرز المبادرات المجتمعية بوصفها الجسر الحيوي الذي يصل بين الأمن والتنمية ومعنى الدولة، بحيث يتحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريكٍ أصيل في حماية المحافظة وإنجاح مشاريعها التنموية وترسيخ استقرارها طويل المدى.
ينبغي أن يكون واضحًا لكل مسؤول في تعز أن الأمن المستدام لا يُبنى على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يبدأ أولًا بحماية الإنسان وصون كرامته، وبضمان استقرار المدن والطرقات وتأمين حرية التنقّل بين المديريات دون خوف أو عوائق.
غير أن هذا الاستقرار لا يترسّخ فعليًا إلا عندما تسنده منظومة متكاملة من التعليم والصحة والطاقة والمياه والبنية التحتية.
فكل مشروع تنموي-من رصف الطرق وصيانة المدارس وبنائها، إلى دعم الطلاب المبدعين وتشغيل المصانع وإحياء محطات الكهرباء والموارد المعطّلة-يسهم في تعزيز شعور الانتماء، ويحوّل الأحياء والقرى إلى دوائر إنتاج وتنمية ضمن شبكة أمن اقتصادي واجتماعي متماسكة.
وعند هذه النقطة يغدو الاستقرار ثمرةً طبيعية للتنمية الشاملة، لا مجرد إجراء أمني منفصل عنها.
يشكّل توفير الخدمات الأساسية بصورةٍ متكاملة العمودَ الفقري لأي تحوّلٍ تنموي حقيقي في تعز. ويبدأ هذا المسار بضرورة تنفيذ مشروعٍ استراتيجي لتحلية مياه بحر المخا وربطها بالمدينة والريف، بالتوازي مع دعم حصادات المياه في المناطق الريفية، واعتماد سياساتٍ صارمة تحدّ من استنزاف الموارد المائية في زراعة القات، مع توفير بذورٍ محسّنة مقاومة للجفاف وانتخاب الأصول الأعلى إنتاجية بما يعزّز الأمن الغذائي.
ويمتد هذا التحوّل إلى إعادة تشغيل المحطات الكهربائية المتوقفة والتوسّع في استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتلبية احتياجات المنازل والمؤسسات على نحوٍ يضمن الاستقرار والاستدامة.
كما يشمل تطوير شبكة الطرق عبر صيانة القائم منها وإنشاء طرقٍ جديدة تربط المديريات ببعضها وبالمحافظات الأخرى، بما يسهّل حركة السكان والتجارة وتدفّق الخدمات.
ولا يكتمل هذا البناء التنموي دون دعم المستشفيات والمراكز الصحية بالكادر المؤهل والتجهيزات والأدوية بأسعارٍ ميسّرة، بما يعيد للقطاع الصحي قدرته على أداء دوره الإنساني والتنموي بكفاءة وفاعلية.
يُعدّ التعليمُ المهني والتقني حجرَ الزاوية في بناء القدرات المحلية وربطها الفعلي بسوق العمل، من خلال تحويل المدارس والجامعات إلى مساراتٍ تطبيقيةٍ إنتاجية تُخرّج جيلًا قادرًا على الابتكار والتصنيع وتقديم الخدمات بكفاءة.
وبذلك تتحوّل تعز إلى مركزٍ علمي وتقني فاعل، يربط بين التنمية المحلية ومتطلبات الاقتصاد الوطني والإقليمي، ويجعل من المعرفة والمهارة أساسًا مستدامًا للنمو والاستقرار.
لكي تصبح تعز قدوةً ونموذجًا يُحتذى به، فإن عليها أن ترسم ملامح الفيدرالية الإنتاجية والخدمية والتعاونية برؤيةٍ عمليةٍ متوازنة، تعمل فيها كلُّ مديريةٍ كوحدة إنتاجٍ متكاملة، وأخرى خدميةٍ متساندة، في إطار تعاونٍ يجمع القادرين والفاعلين ورجال الخير، ويُحسن استثمار الموارد المحلية ويحوّل الطاقات البشرية من قوةٍ معطّلة إلى طاقةٍ فاعلة في البناء والتنمية.
كما ينبغي تصميم المشاريع التنموية بآليات تمويلٍ ذكية، يُخصَّص فيها نحو 60% من عائدات المديريات لدعم التنمية المحلية، بالتوازي مع تسويق هذه المشاريع لرجال الأعمال والمنظمات المحلية والدولية وبرامج الدعم الإقليمي والإنساني، بما يعزّز فرص الاستدامة والتوسّع.
وعند نجاح هذه التجربة، تغدو قابلةً للتكرار في بقية المحافظات مع مراعاة خصوصية كل منطقة، لتتحوّل من مبادرةٍ ظرفية إلى إطارٍ وطنيٍّ مستدام يعيد الثقة بالمقدرات المحلية ويؤسس لتنميةٍ متكاملة طويلة الأمد.
في هذا الإطار يتقدّم الاقتصاد المحلي في تعز ليغدو قوةً حقيقيةً رافعةً للأمن والخدمات، عبر دعم الزراعة والصناعة والسياحة والحِرف، وتعزيز الاقتصاد المنزلي المنتج، وخلق وظائف وفرص إنتاجية ملموسة تُعيد الاعتبار لقيمة العمل وتوسّع دائرة المشاركة المجتمعية في البناء. ومع توجيه الإيرادات المحلية نحو مسارات التنمية المستدامة، تتخصّص كل مديرية في المجال الاقتصادي الذي تتفوّق فيه، بما يرسّخ تنافسيةً إيجابيةً تضاعف العائد التنموي وتضمن عودة أثر كل استثمار بالنفع المباشر على المجتمع، وهو ما يعزّز الاستقرار طويل المدى ويحوّل النمو الاقتصادي من رقمٍ نظريٍّ في التقارير إلى أداةٍ واقعيةٍ لحماية المحافظة وتنمية قدراتها وصون مستقبلها.
ولكي تغدو تجربة تعز نموذجًا وطنيًا قابلًا للاستنساخ في بقية المحافظات، فإن ذلك يقتضي تبنّي حزمةٍ متكاملةٍ من القرارات والسياسات التحويلية القادرة على كسر الجمود الإداري وإعادة توجيه السلطة نحو خدمة الصالح العام بروحٍ مسؤولةٍ وفاعلة.
ويتجلّى هذا المسار في اعتماد تخطيطٍ استراتيجيٍّ متكامل، وترسيخ حوكمةٍ شفافةٍ وكفؤة، وتفعيل مشاركةٍ مجتمعيةٍ حقيقية تجعل التنمية فعلًا جماعيًا لا قرارًا فوقيًا معزولًا، بحيث تتحول التنمية ذاتها إلى أداةٍ راسخةٍ لتحقيق الأمن والاستقرار.
كما يشمل ذلك دعم الابتكار والإنتاج المحلي، وبناء القدرات البشرية القادرة على حمل مشروع النهوض، مع الحفاظ على تواصلٍ متوازنٍ ومستدامٍ مع مؤسسات الدولة والمجتمع الدولي بما يصون استقلالية القرار المحلي ويمنح التجربة قابلية التسويق والتكرار كنموذجٍ ناجحٍ يمكن أن يلهم مسارات التعافي والبناء في سائر المحافظات اليمنية.
لم تعد تعز مجرّد مدينةٍ أو محافظةٍ تسعى للخروج من دائرة الحرمان، بل غدت مختبرًا وطنيًا لفكرةٍ أوسع تتمثل في الانتقال من جغرافيا المعاناة إلى فضاء الإنتاج والخدمات والتكافل، ومن إدارةٍ محليةٍ جامدة إلى نموذجٍ حيٍّ للفيدرالية الإنتاجية والخدمية يقوم على تمكين المبادرين، وتقدير المضحّين، وتعزيز القيادة المجتمعية الواعية.
وبهذا المعنى، تتجاوز تجربة تعز حدودها المحلية لتغدو مشروع دولةٍ يعيد تعريف العلاقة بين الوفاء والسيادة من جهة، وبين الأمن والتنمية والخدمات المتكاملة من جهةٍ أخرى، مؤكّدًا أن اجتماع هذه العناصر قادرٌ على صناعة نموذجٍ وطنيٍّ مستدام يعيد لليمنيين ثقتهم بقدرتهم على بناء مستقبلٍ يليق بهم جميعًا.
وحين تنجح تعز في ترسيخ هذا المسار، فإنها لن تكون قد أنقذت محافظةً فحسب، بل ستفتح أمام اليمن كلّه أفق الدولة الممكنة وبداية الخروج الحقيقي من زمن الأزمات إلى زمن البناء.
(من صفحة الكاتب في فيس بوك)