في المشهد اليمني الراهن، لا يمكن قراءة عودة الحكومة إلى عدن بمعزل عن شبكة التوازنات الإقليمية التي تتحكم بإيقاع الصراع، فعودة السلطة التنفيذية، رغم رمزيتها السياسية، تبقى محدودة التأثير ما لم يحسم سؤال القرار الأمني والعسكري داخل العاصمة المؤقتة، فمنذ أن تشكل مجلس القيادة الرئاسي، بدا الأمر واضحًا أن الهدف هو توحيد الجبهة المناهضة للحوثيين، لكن الوقائع الميدانية تقول إن مراكز القوة ما زالت موزعة، وأن السلطة الفعلية ليست بيد الحكومة.
في هذا السياق، يبرز دور المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب رئيسي في المشهد، وتصعيده السياسي أو الميداني في عدن لا يأتي من فراغ؛ فهو يتحرك ضمن مشروع معلن يقوم على استعادة ما يسميه بالدولة الجنوبية، ويرى في أي تمكين كامل للحكومة المركزية يعد تهديدا لطموحه السياسي.
أما الدور الإماراتي، فـالإمارات العربية المتحدة وإن خف حضورها العسكري المباشر، لم تغب عن المشهد. استراتيجيتها تبدو قائمة على تثبيت نفوذ طويل الأمد عبر أدوات محلية، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، خصوصا في باب المندب. هذا الحضور ينسجم أحيانا مع الرؤية السعودية، ويتباين معها أحيانا أخرى، لكنه يظل عنصرا حاسما في معادلة الفوضى.
في المقابل، تميل المملكة العربية السعودية إلى أولوية خفض التصعيد والبحث عن مخرج سياسي يقلل كلفة الحرب. التقارب مع إيران أعاد ترتيب الحسابات الإقليمية، وفتح الباب أمام مقاربة تقوم على إدارة الأزمة بدلا من حسمها عسكريا.
على الضفة الأخرى، يكرس الحوثيون واقعًا سياسيًا وعسكريًا في الشمال يجعل فكرة العودة إلى ما قبل 2014 شبه مستحيلة في ظل واقع الحكومة الشرعية والرؤية السعودية لها، هكذا يبدو اليمن اليوم أمام معادلة تقاسم نفوذ غير معلن، أكثر من كونه أمام مشروع دولة موحدة.
وفي خضم هذه التعقيدات، يتجدد الحديث عن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية. غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته السياسية، يصطدم بواقع اقتصادي ومؤسسي هش، وانقسام جغرافي عميق. ما يمكن تصوره واقعيا هو إلهاء اليمنيين وتضليلهم ولفت انتباههم بعيدا عما يجري على الأرض.
الخلاصة:
اليمن لا يعيش لحظة حسم، بل مرحلة إعادة تموضع إقليمي، فالصراع لم ينته، بل تغيرت أدواته. والسؤال المفتوح ليس من ينتصر، بل كيف ستُرسم خريطة التوازنات الجديدة: بدولة فيدرالية موحدة، أم بواقع انقسام طويل الأمد يدار تحت سقف تفاهمات إقليمية تكون مصلحة اليمنيين غائبة عنها؟