8 فبراير 2026
4 فبراير 2026
يمن فريدم-طارق الشامي
فرانس برس


ينذر تغير دور أمريكا في العالم في ظل جهود الرئيس دونالد ترمب للاستيلاء على غرينلاند وعلاقاته المتوترة مع الحلفاء التقليديين في أوروبا واحتمال ضرب إيران واعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، بنهاية عصر "السلام الأمريكي" أو "باكس أمريكانا" والمقصود به النظام الدولي الليبرالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وعرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بصورة وضحاء عقب نهاية الحرب الباردة، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان العالم سيصبح أكثر اضطراباً، أم أكثر عدلاً واستقراراً، فإلى أي مدى سيتغير العالم إذا اختلف موقف أمريكا؟

حقبة جديدة

كان يناير/ كانون الثاني 2026 خير دليل على أن حقبة جديدة تتشكل في السياسة العالمية، فقد قدمت الغارة غير المسبوقة على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وتذبذب ترمب بين تهديد إيران بضربات عسكرية واسعة والدعوة إلى مفاوضات معها، ثم تعهده بالاستيلاء على غرينلاند ومعاقبة كوبا وكولومبيا وانسحابه من 66 منظمة دولية، أمثلة إضافية على مناورات ترمب المتقلبة في السياسة الخارجية، وهو ما يدفع أي شخص يعتقد أنه يستطيع التنبؤ بما تبقى من ولاية ترمب الثانية التي تصل إلى ثلاثة أعوام، إلى إعادة التفكير في الأمر، فكل شيء وارد في قاموس ترمب الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته.

لكن هذه السياسة وبخاصة تصريحات الرئيس الأمريكي في منتدى دافوس السويسري حول الاستحواذ على جزيرة غرينلاند بأي وسيلة كانت، تنذر بتصدع حلف "الناتو" والتسبب في ضرر دائم للعلاقات السياسية والاقتصادية في شمال الأطلسي، بل وتحويل الأمر إلى صراع على النفوذ، أشبه باللعبة الكبرى التي لعبتها القوى الاستعمارية في القرن الـ19.

عزز من هذه المخاوف ما قاله نائب رئيس موظفي البيت الأبيض وأحد كبار المؤثرين في الرئيس ستيفن ميلر بأن العالم كان دائماً محكوماً بالقوة والنفوذ، وليس بتفاصيل القانون الدولي، بل إن ترمب نفسه ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال لصحيفة "نيويورك تايمز" في مقابلة نشرت يوم الـ11 من يناير، إنه لا يحتاج إلى القانون الدولي، وإن ما يقيده فقط هو أخلاقياته الخاصة التي يمكن وحدها أن توقفه.

انفصام الحلفاء

وعلى رغم محاولات كثير من القادة الأوروبيين التقارب إلى الصين خلال الأيام الأخيرة بزيارات رسمية، من المرجح أن تواجه أوروبا صعوبة بالغة في مقاومة أمريكا بحسب أستاذ الاستخبارات والأمن القومي في جامعة هال روبرت دوفر، فأوروبا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة، اقتصادياً وعسكرياً، وسيكون للانفصال بينهما عواقب وخيمة، مع تضرر القدرات العسكرية والاستخباراتية الأوروبية وتقييد الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة في مجالات الحوسبة والتمويل بصورة كبيرة، وسيزداد الأمر سوءاً بالنسبة إلى المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، هناك إدراك متزايد بأن الولايات المتحدة قد تكون خصماً لأوروباً، لا حليفاً، فقد علق رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، في حلقة نقاش في دافوس، على تجاوز ترمب عدداً من الخطوط الحمراء، وأن أوروبا تواجه الآن خطر فقدان احترامها لذاتها وكرامتها، مشيراً إلى "الفارق بين أن تكون أوروبا تابعاً سعيداً، وأن تكون عبداً بائساً".

يُسلط هذا الأمر الضوء على التباين بين خطاب الرئيس الأمريكي وخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي وصفه أحد الصحافيين بأنه يضاهي خطاب تشرشل عن الستار الحديدي كنبوءة للحرب الباردة بين الغرب والشرق، إذ تحدث كارني عن انقطاع في النظام العالمي ونهاية وهم جميل وبداية واقع قاسٍ، محذراً من أن النظام الدولي القائم على القواعد يتلاشى، وأن المؤسسات متعددة الأطراف التي يعتمد عليها العالم مهددة جدياً من هيمنة القوى العظمى، داعياً بقية العالم إلى التوقف عن التظاهر ومواجهة الواقع القاسي الجديد، ولهذا ربما يتعين على شركاء أمريكا في حلف "الناتو" أن يقرروا ما إذا كان ينبغي استرضاء ترمب أم مقاومته.

نهاية عصر

ونظراً إلى أن واشنطن كانت محوراً للحوكمة العالمية فترة طويلة، فإن توجه ترمب نحو "أمريكا أولاً" الذي يشير إلى العمل الأحادي في بعض القضايا والانعزالية في قضايا أخرى، ينذر بنهاية النظام الدولي كما عرفه العالم، إذ يحذر البعض من أن عصر "السلام الأمريكي"، أو "باكس أمريكانا"، وهي تلك الفترة الطويلة التي تميزت بالهدوء النسبي في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وتوسع التجارة العالمية وازدهار غير مسبوق وغياب الصراعات بين القوى الكبرى بفضل مظلة التفوق العسكري الأمريكي والتزام نظام دولي قائم على القواعد، يقترب من نهايته، مع توقع انتقال مضطرب إلى عالم أكثر فوضى بسبب الاتجاهات الواضحة لفقدان حماسة الولايات المتحدة وقدرتها على القيادة العالمية.

ونظراً إلى أن بقية العالم سيفترض أنه حتى بعد انتهاء ولاية ترمب، سيستمر تراجع مشاركة أميركا في الشؤون العالمية، وستصبح الضمانات الأمنية الأمريكية للآخرين أكثر غموضاً، وستختبر القوى الانتهازية الحدود، إذ ستواجه الدول الصغيرة الإكراه من القوى الإقليمية التي تسعى إلى إنشاء مناطق نفوذ، كذلك ستجابه الدول الأجنبية صعوبة أكثر في الوصول إلى أسواق الولايات المتحدة، وسيضعف دعم أميركا للمؤسسات الدولية، وسيتأثر الازدهار الاقتصادي سلباً مع تفتت الاقتصاد العالمي المتكامل.

ووفقاً لأستاذ قانون الأعمال في جامعة جورجيا كوليدج أند ستيت، نيكولاس كريل، فإن غياب قوة عظمى خلقت الظروف المثالية للعولمة وممرات شحن آمنة وقواعد يمكن التنبؤ بها وتجارة حرة نسبياً، سيؤدي إلى ازدياد الحمائية، وستصبح سلاسل التوريد محلية، وستنخفض الكفاءة الاقتصادية، وستعاني أفقر الدول، التي استفادت كثيراً من الاندماج في الأسواق العالمية، أكثر من غيرها مع انسحاب الاستثمارات إلى ملاذات أكثر أماناً، كذلك ستشهد الدول الأكثر ثراء انخفاضاً في مستوى معيشتها مع إغلاق أبواب الوصول إلى الأسواق التي توفر عمالة أرخص.

أسباب للتفاؤل

غير أن هذه الرؤية وإن تمتعت بعناصر يمكن أن تثبت صحتها على المدى الطويل، إلا أنه من السابق لأوانه الجزم بنتيجتها، إذ إن هناك بعض الأسباب للتفاؤل بأن يصبح العالم مكاناً أكثر عدلاً واستقراراً وأماناً على رغم تراجع القيادة الأمريكية، كما يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كولورادو بيتر هاريس، الذي يتفهم أن احتمال انسحاب الولايات المتحدة يثير قلقاً لدى الذين احتموا تحت مظلة الأمن الأمريكية، لكنه يرى أن هذا التقييم مفرط في التشاؤم.

ويعود السبب وراء ذلك إلى أن التزامات التحالفات الأمريكية والانتشار العسكري الواسع النطاق يعودان إلى بداية الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي، وهي حقبة لا تشبه كثيراً الوضع الراهن، ففي ذلك الوقت كانت القوات الأمريكية ضرورية لردع الاتحاد السوفياتي والصين عن مهاجمة جيرانهما، الذين كانوا ضعفاء وفقراء إلى حد كبير بعد الحرب العالمية الثانية، أما اليوم، فإن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف "الناتو" وحلفاء أمريكا في آسيا من بين أغنى دول العالم، بما يكفي لتمويل جيوش وطنية قادرة على ردع المعتدين المحتملين والحفاظ على الاستقرار في مناطقها، بل من المرجح أن تتمكن هذه الدول من تأمين نفسها بصورة فضلى مما تفعله الولايات المتحدة حالياً نيابة عنها.

ومن الخطأ أيضاً افتراض أن الأسوأ سيحدث على الصعيد التجاري والاقتصادي، بالنظر إلى الرأي السائد بأن التجارة الحرة تؤدي إلى النمو الاقتصادي، الذي بدوره يمكن أن يساعد في تعزيز السلام العالمي، إذ إن هناك فرصة كبيرة لأن تعيد الحكومات اكتشاف فوائد التكامل الاقتصادي والدفاع عن اقتصاد عالمي مفتوح، حتى في غياب القيادة الأمريكية، بخاصة بعدما ألحقت حروب ترمب التجارية أضراراً واضحة بالشركات والمستهلكين الأمريكيين، فضلاً عن تسببها في احتكاكات مع حلفاء أمريكا، مما يفترض معه أن يتعلم القادة المستقبليون في واشنطن وحول العالم من هذه التداعيات.

إضافة إلى ذلك، لا يوجد سبب للاستنتاج بأن الحوكمة العالمية ستنهار في غياب القيادة الأمريكية القوية، فكما اقترح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس، فإن ما يسمى بالقوى المتوسطة، مثل أستراليا والبرازيل وكندا نفسها، لديها القدرة على إنقاذ أهم المنظمات الدولية في العالم لصالح الأجيال القادمة، وإنشاء مؤسسات جديدة عند الضرورة.

وعلى رغم أن كندا واليابان وأستراليا ودول الاتحاد الأوروبي تفتقر إلى القوة العسكرية الهائلة والنفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به الولايات المتحدة، فإن بإمكانها اختيار اتباع نهج جماعي أكثر في القيادة العالمية.

لحظة القوى المتوسطة

ويبدو أن القوى المتوسطة تعيش لحظتها الحاسمة الآن بالفعل، إذ لا يمر أسبوع في عالم السياسة من دون مؤتمر أو خطاب حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الثانوية في تحسين التعاون الدولي، في ظل أزمة التعددية وتعطل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى العريقة، وتخلي الولايات المتحدة عن دورها الإداري التقليدي، في وقت تبدو فيه الصين غير مستعدة، وربما غير مؤهلة، لتولي القيادة العالمية مكان واشنطن.

ومع تبني الولايات المتحدة سياسة "أميركا أولاً"، فيما يبدو عدد قليل من الدول مستعدة لاستبدال الصين بالهيمنة الأمريكية، ظهرت فرص وحوافز جديدة للقوى المتوسطة من الدول المؤثرة لتوسيع خياراتها الدبلوماسية وتأكيد نفسها داخل مناطقها والعمل على تعزيز التعاون الدولي في المؤسسات المتعددة الأطراف القائمة.

وعلى رغم أن هيكل السياسة الدولية ما زال ثنائي القطب، وتهيمن عليه قوتان عظميان، بينما تشكل القوى المتوسطة مجموعة غير متجانسة، وتقيد مصالحها الخاصة وقيمها المتنافسة رؤاها للعالم، فإن الظروف العالمية تبدو مواتية لممارسة دور أكثر حزماً وبناء التحالفات أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، لأن القوى الصاعدة والقوى الراسخة تعمل على تنويع خياراتها الاستراتيجية واستكشاف شراكات جديدة والسعي إلى إصلاح النظام المتعدد الأطراف وتحقيق استقراره.

وفي حين أدت "ثورة" دونالد ترمب إلى إضعاف الروابط التي تربط الولايات المتحدة بالمجتمع الأوسع من ديمقراطيات السوق الحرة المتقدمة، التي اعتادت على أن تكون أمريكا هي مرساة النظام الدولي القائم على القواعد، بدأت الدول الغربية تتأقلم مع بيئة تغيب فيها الولايات المتحدة في كثير من الأحيان، أو تكون غير فعالة، أو حتى معادية.

واستجابة لذلك، تقوم هذه الدول بتنويع محافظها الدبلوماسية والاستثمار بصورة كبرى في دفاعها الذاتي وإشراك مجموعة أوسع من الشركاء لتعزيز الأهداف المشتركة، وبعدما أدت هذه الدول دوراً ثانوياً في الساحة العالمية، متبعة سياسات رسمتها قوى أخرى، باتت لديها الآن فرصة للصعود إلى الواجهة وإسماع صوتها.

ولأن النظام العالمي هش وغير متوازن، تتهاوى المؤسسات المتعددة الأطراف، ويتعرض النظام القانوني الدولي للهجوم، ومن دون تجديد الهدف الجماعي والضبط المتبادل، قد ينهار النظام الدولي في عصر من الفوضى والعنف ومناطق النفوذ، أشبه بما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي.

ملء الفراغ

يوفر الغياب المفاجئ للولايات المتحدة فرصة للقوى المتوسطة لملء الفراغ القيادي وممارسة دورها في المنظمات الدولية، للدفاع عما يجب الحفاظ عليه، والتخلي عما عفا عليه الزمن، وإعادة التفاوض على القواعد بحيث تعمل بصورة فضلى للجميع، بينما الحاجة ملحة لذلك، فالمؤسسات الدولية الرئيسة، مثل الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، غالباً ما تكون مقيدة بالاعتبارات الجيوسياسية، وغير مجهزة لمواجهة التحديات الحديثة، وينظر إليها على أنها تفتقر إلى الشرعية في إدارتها.

ولهذا يمكن لمجموعة متنوعة من القوى المتوسطة المنتشرة في جميع أنحاء العالم، أن تستغل ثقلها الدبلوماسي الجماعي وتنوعها لسد الفجوات الدولية ودفع الإصلاح في الهيئات والعمليات الأكثر شمولاً، أيضاً يمكنها التصدي لأي جهود أمريكية لتفكيك أو تعطيل المؤسسات الدولية الحيوية، مما يساعد فعلياً في تحصين النظام العالمي ضد التأثيرات الأمريكية.

وبينما تعتبر الظروف مواتية لنشاط القوى المتوسطة، لا ينبغي تجاهل المعوقات والمتطلبات اللازمة لتحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ جماعي، حيث يمكن للقوى المتوسطة أن تتوقع مقاومة من الولايات المتحدة والصين، اللتين تفضلان بطبيعة الحال أن تختار الدول الانحياز إلى أي من الجانبين في صراع ثنائي القطبية، لذا يجب على القوى المتوسطة أن توازن بين هاتين القوتين العظميين اللتين تسعيان لتحقيق مصالحهما الذاتية، واللتين تتسمان أحياناً بالعدوانية.

لا ضمانات مؤكدة

ومع ذلك، لا توجد ضمانات بأن حقبة ما بعد أميركا أو ما بعد الهيمنة الأمركية ستكون ناجحة تماماً، إذ من المرجح أن تكون هناك حروب ومعاناة في المستقبل، تماماً كما كانت هناك حروب ومعاناة في ظل القيادة الأميركية، وكثيراً ما بدت فكرة الهيمنة الأمريكية جوفاء لبعض الناس، بمن فيهم مواطنو الدول التي تعرضت لهجمات من الولايات المتحدة نفسها.

والسؤال الآن هو ما إذا كان النظام الدولي سيصبح أكثر عنفاً وأقل استقراراً في غياب القيادة الأمريكية والهيمنة العسكرية للولايات المتحدة مما كان عليه خلال فترة الهيمنة الأمريكية الطويلة على العالم؟ والإجابة هي أن حقبة ما بعد الهيمنة الأمريكية مفتوحة على جميع الاحتمالات، لكن لا ينبغي للمجتمع الدولي الاستسلام للقدرية، فقد فقدت الولايات المتحدة جزءاً من نفوذها، والجانب الإيجابي هو أن كثيراً من الدول، بما في ذلك أصدقاء أمريكا وحلفاؤها، قد تعيد اكتشاف قدرتها على التأثير في الشؤون العالمية.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI