عقب فترة طويلة مثقلة بعرق القيظ ووحشة الظلام، عادت أنوار الكهرباء لتضيء الدروب والنفوس في العاصمة اليمنية الموقتة عدن بعد 13 عاماً كان الحصول فيها على بصيص الضوء بمثابة الحلم بعيد المنال.
شهدت فترات التيار تسجيل أعلى معدل تشغيل متواصل منذ نحو 13 عاماً في تحسن ملموس على مستوى الخدمة التي شكلت أحد أبرز التحديات اليومية للحكومة الشرعية أمام أكثر من مليون ونصف مواطن.
وفي المدينة التي عانت كثيراً لجأ بعض المواطنين لشراء منظومات الطاقة الشمسية المكلفة لسد جزء من الاحتياج اليومي في منطقة تعاني ارتفاعًا كبيراً في درجة الحرارة والرطوبة العالية طوال فصل الصيف.
تدخل سعودي منقذ
التحسن الذي تشهده الكهرباء اليوم جاء نتيجة للتدخل السعودي استجابة لمطالب الناس والحكومة بتعزيز إمدادات الوقود وتحسين القدرة التشغيلية لمحطات التوليد عبر المنحة المعلنة أخيراً وهو ما أشعل الأمل بعودة التيار الكهربائي إلى المنازل لساعات يومية تجاوزت 12 ساعة بعدما كان إجمال فترة الخدمة اليومي لا يزيد على أربع ساعات في أحسن الأحوال جراء حال الانهيار المتلاحق وشبه التام للمنظومة الكهربائية في المدينة التي تغذي عدن وعدد من المحافظات المجاورة الأخرى منها أبين ولحج.
ونتيجة لحال الانهيار والعجز الحكومي المستمر عن توفير الوقود اللازم لتغذية توربينات التشغيل، جاءت الاستجابة السعودية برصد مبلغ 81.2 مليون دولار، خصص لإعادة تشغيل أكثر من 70 محطة توليد في سبع محافظات وهو ما انعكس مباشرة على تحسن واستقرار الخدمة خصوصاً في المدن الرئيسة التي عانت طوال الأعوام الماضية انقطاعات متواصلة تسببت في إحداث شلل كبير في قطاعات عدة تأتي الخدمية والاقتصادية في طليعتها، مما دفع ببعض المستشفيات للتوقف عن العمل نتيجة حال العجز غير المسبوق.
حوكمة حكومية
وللوصول إلى أعلى مستوى استفادة من المنحة السعودية، وجه رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، وزارة الكهرباء والطاقة والجهات المختصة بتطبيق آليات رقابة وحوكمة صارمة، "لضمان سلامة تسلم وتوزيع واستخدام الوقود المقدم ضمن المنحة السعودية"، سعياً إلى الحد من حال الإخفاق والاختلال التي يشهدها هذا القطاع فيما عرف بعقود الطاقة المشتراة والاعتماد على محطات توليد متهالكة، إضافةً إلى اتهامات متداولة عن تسرب كميات كبيرة من الوقود المخصص للكهرباء، وعززت من الفشل حال التنازع بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية في كافة القطاعات وخصوصاً الخدمية والإيرادية منها تسبب بضعف الجهاز الرقابي والإشرافي للدولة.
ولوضع حد للوضع السابق، شدد الزنداني على "ضرورة التعامل بحزم مع أي مظاهر فساد أو تلاعب"، مطالباً "بتقارير يومية شفافة تتابع حركة الوقود منذ لحظة تسلمه وحتى تشغيله فعلياً في محطات التوليد".
ويرجع خبراء حال العجز الكبير إلى تعطل مصافي عدن التي كان يسيطر عليها المجلس الانتقالي المحلول مما فتح الباب أمام ازدهار تجارة المشتقات النفطية وخلق شبكات نفوذ اقتصادي واسعة، استفادت من الفوضى على حساب الخدمة العامة.
تاريخ من الإخفاق والعجز
ونتيجة لحال الانهيار المتلاحق في كافة المجالات، كان قطاع الكهرباء هو الأكثر جدلية وشكوى لارتباطه المباشر بحياة الناس، وظل تحسين الخدمة هاجساً مؤرقاً للحكومات المتعاقبة ووزارة الكهرباء تحديداً، ولكنها تفاقمت في عدن وبقية المحافظات جراء نقص الوقود والعجز في الموارد اللازمة لشرائه بعدما خسرت الحكومة أكبر إيراداتها من تصدير النفط بفعل الهجمات الحوثية على ميناءي التصدير في شبوة وحضرموت (شرق) قبل ثلاثة أعوام.
وفي فبراير/ شباط من العام الماضي، غرقت المدينة اليمنية الساحلية في ظلام تام بفعل الانقطاع الكلي بعد توقف محطة بترو مسيلة المعروفة بـ"محطة الرئيس"، بصورة كاملة، لنفاد الوقود الخام الذي كان يأتيها من حضرموت ومأرب، المحافظتين المنتجتين للنفط.
وسارعت الشرعية بتشكيل لجنة برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي المحلول الذي هرب أخيراً إلى الإمارات، للإشراف على تأمين كميات إسعافية من الوقود إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية في عدن بهدف ضمان استمرار التشغيل والتخفيف من معاناة المواطنين.
ولكن اللجنة التي ضمت وزراء الكهرباء والنقل ومحافظ عدن أحمد لملس، الذي هرب صحبة الزبيدي، ورئيس مؤسسة موانئ خليج عدن، لم تفلح في إحداث تحسن على حال العجز.
توقف مفاجئ صاحب انسحاب الإمارات
وقبل عام تم افتتاح محطة طاقة شمسية بقدرة 120 ميغاوات في عدن بتمويل إماراتي، تهدف لسد العجز في ظل الطلب المتزايد، ولكن أعلنت وزارة الكهرباء اليمنية في يناير/ كانون الثاني الماضي، عن توقف مفاجئ لمحطات الطاقة الشمسية المشغلة من قبل الشركة الإماراتية (غلوبال ساوث يوتيليتيز) من داخل الإمارات رداً على قرار الحكومة الشرعية بخروجها من اليمن بفعل دعمها "للمجلس الانتقالي"، مما أحدث إرباكاً في التوليد، قبل أن تثار مطالبات بإعادة التشغيل وهو ما استجابت له السعودية من خلال سد الحاجات لمدينة عدن التي تعد من أوائل مدن الجزيرة العربية التي وصلت إليها الكهرباء نهاية القرن الـ19 عندما كانت تحت الحكم البريطاني.
الصيف محك وتحد
سكان محليون في عدن ذكروا لـ"اندبندنت عربية" أن هذا التحسن جاء للمرة الأولى منذ 13 عاماً، مؤكدين أن استقرار الخدمة أزال معاناتهم المنزلية فضلاً عن انعكاسه على استقرار الأنشطة التجارية والحركة الاقتصادية اليومية التي ظلت شبه معطلة طوال الفترة الماضية.
ولكن الأهالي الذين سبق وخرجوا في تظاهرات غاصبة احتجاجاً على انقطاع الكهرباء، تطرقوا إلى تحديات فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعاً كبيراً في معدل الاستهلاك اليومي.
واعتبروا أن جدوى تحسن التيار مرهونة باستمراره في الصيف، داعين الحكومة إلى مواصلة جهود تطوير استقرار الخدمة ووضع حد للانقطاع الطويل خلال الفترة الماضية.
وترجع الحكومة المعترف بها أسباب التراجع الاقتصادي والخدمي إلى الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، وسبق وحذر رئيس الحكومة السابق أحمد عوض بن مبارك، من "خطورة تغافل الحرب الاقتصادية التي تشنها ميليشيات الحوثي الإرهابية على الشعب ومفاقمة معاناته وما ترتكبه من تجاوزات وحرب ممنهجة على مقدرات الشعب واستهداف المنشآت النفطية ووقف تصدير النفط" التي قال إنها "أثرت في استمرار معاناة المواطنين وضعف الخدمات وتدهور سعر صرف العملة الوطنية".
(اندبندنت عربية)