أكَّد مسؤول إيراني كبير أن الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة مع واشنطن ستُعقد في جنيف الثلاثاء المقبل، في وقت أبدت فيه طهران استعدادها للنظر في تقديم تنازلات في ملفها النووي إذا أبدت الولايات المتحدة استعدادًا لمناقشة رفع العقوبات، وذلك وسط حشد عسكري أميركي متواصل في المنطقة وتلويح متبادل بخيارات القوة.
وقال مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) نُشرت اليوم الأحد، إن إيران مستعدة للنظر في تقديم تنازلات في سبيل التوصُّل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، إذا أبدى الجانب الأميركي استعدادًا لمناقشة رفع العقوبات.
وأعلنت السلطات السويسرية، أمس السبت، أن جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ستُعقد في جنيف الأسبوع المقبل، بضيافة سلطنة عُمان التي استضافت الجولة الأولى في مسقط هذا الشهر.
وقبيل الإعلان الرسمي، أفادت تقارير إعلامية بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سيتوجه هذا الأسبوع إلى جنيف للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة في قصر الأمم خلال الفترة من 23 فبراير/ شباط إلى 2 أبريل/ نيسان.
وأكَّد تخت روانجي إن الجولة الثانية ستُعقد الثلاثاء، قائلاً إن "المحادثات الأولية سارت في اتجاه إيجابي إلى حد كبير، لكن من السابق لأوانه تقييمها".
وأوضحت طهران أنها مستعدة لبحث فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، لكنها استبعدت مراراً ربط هذا الملف بقضايا أخرى، بما في ذلك برنامج الصواريخ.
وقال تخت روانجي لـ"بي بي سي": "سارت المحادثات الأولية في اتجاه إيجابي إلى حد كبير، لكن من السابق لأوانه إصدار تقييم نهائي بشأنها". وفي وقت سابق، نقلت "رويترز"، عن مصدر، أن وفداً أمريكياً يضم المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيلتقي بالوفد الإيراني صباح الثلاثاء، بوساطة ممثلين عن سلطنة عُمان.
وفي سياق متصل، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي، الاثنين، إن طهران قد توافق على خفض نسبة تركيز اليورانيوم الأعلى تخصيباً لديها مقابل رفع جميع العقوبات المالية. واستشهد تخت روانجي بهذا الطرح في مقابلته مع "بي بي سي"، بوصفه مثالاً على ما اعتبره مرونة إيرانية في المفاوضات.
وبموجب هذا الطرح تريد إيران درجة نقاء اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، إلى 20%. وبحسب الخبراء، تمثل نسبة 60% نحو 99% من مسار إنتاج اليورانيوم المخصب بدرجة 90%، وهو المستوى المطلوب للسلاح النووي. بينما يشكل اليورانيوم 20%، نحو 90% من مسار العتبة النووية.
وجدَّد تخت روانجي التأكيد على رفض طهران وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل، وهو ما ظل نقطة خلاف رئيسية أعاقت التوصل إلى اتفاق العام الماضي مع الولايات المتحدة، التي تعتبر استمرار التخصيب داخل إيران مساراً قد يُفضي إلى امتلاك سلاح نووي. وتنفي طهران سعيها إلى ذلك.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن واشنطن وطهران تظهران استعداداً لقدر من المرونة في سبيل التوصل إلى اتفاق نووي، مشيراً إلى أن واشنطن تبدو "مستعدة" لتقبُّل تخصيب إيراني "ضمن حدود محددة بوضوح".
وأوضح فيدان مقابلة مع "فاينانشال تايمز" نشر الخميس، أن الإيرانيين "يدركون حاجتهم إلى اتفاق"، بينما يفهم الأميركيون أن لطهران "حدوداً لا يمكن تجاوزها"، مضيفاً أنه لا جدوى من محاولة فرض شروط بالقوة.
ونقلت "رويترز"، السبت، عن مسؤولين أمريكيين قولهما إن الجيش الأمريكي يستعد لاحتمال تنفيذ عمليات متواصلة قد تمتد لأسابيع ضد إيران، إذا أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشن هجوم.
ويعكس ذلك، بحسب المصدرين اللذين طلبا عدم كشف هويتيهما نظراً لحساسية المسألة، مستوى المخاطر المحيطة بالمسار الدبلوماسي الجاري بين واشنطن وطهران.
ومن ميونيخ، حيث شاركت ربع مليون في مظاهرة دعت إليها أطراف المعارضة الإيرانية السبت، حذَّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، من أن ترمب يفضل التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكن "ذلك أمر بالغ الصعوبة"، مشيراً إلى أن لقاءً مع المرشد علي خامنئي "يمكن أن يتم غداً إذا أراد".
ويتزامن المسار التفاوضي مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي، إذ يُنتظر وصول حاملة الطائرات ثانية، بعدما أمر البنتاغون حاملة "جيرالد فورد" بالتوجه إلى الشرق الأوسط، في إطار سياسة تقوم على مواصلة الدبلوماسية مع إبقاء أدوات الضغط قائمة.
ولوّح ترمب بإمكانية "تغيير النظام" في إيران، معتبراً أنه قد يكون "أفضل ما يمكن أن يحدث"، مما رفع سقف التوتر قبيل الجولة المرتقبة في جنيف.
وكان ترمب قد انسحب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي لعام 2015، والذي عُدَّ أبرز إنجاز في السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
ونص الاتفاق على تخفيف العقوبات المفروضة على إيران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بهدف منعها من تطوير قنبلة ذرية.
في الأثناء، أفاد موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس ترمب اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماعهما في البيت الأبيض الأربعاء، على ضرورة تكثيف الجهود لخفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصين.
وقال مسؤول أمريكي رفيع للموقع: "اتفقنا على أننا سنبذل قصارى جهدنا لممارسة أقصى ضغط على إيران، على سبيل المثال فيما يتعلق بمبيعات النفط الإيراني إلى الصين".
ورداً على سؤال حول التقرير، قالت وزارة الخارجية الصينية اليوم الأحد إن "التعاون الطبيعي بين الدول الذي يجري في إطار القانون الدولي أمر معقول ومشروع، ويجب احترامه وحمايته".
وتستحوذ الصين على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، مما يجعل أي تراجع في هذه التجارة مؤثراً مباشرة على عائدات طهران.
ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وحذَّرت إيران من أنها ستستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة ومن إمكانية إغلاق مضيق هرمز في حال تعرضت لهجوم.
وقال جلال دهقاني فيروزآبادي، سكرتير اللجنة العليا للعلاقات الخارجية الخاضعة لمكتب المرشد علي خامنئي، في مقابلة نشرتها وكالة "إيسنا" الحكومية، إن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة، وإن اندلاع نزاع سيهدد أمن الطاقة، وقد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز.
وأضاف أن "أول دولة ستتضرر هي الصين"، معتبراً أن ذلك يفسّر أهمية المفاوضات بالنسبة لبكين أيضاً، ومشيراً إلى أن روسيا كذلك "تعارض الحرب وتسعى إلى منع وقوعها"، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على ضرورة وجود "توقعات واقعية" من موسكو وبكين، في إشارة إلى الانتقادات التي وُجِّهت إليهما لعدم وقوفهما إلى جانب طهران خلال "حرب الـ12 يوماً" التي خاضتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.
وجدَّدت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية تحذيراً الأسبوع الماضي، من أن السفن التي تعبر مضيق هرمز وخليج عُمان تواجه مخاطر متكررة، بينها احتمال صعود قوات إيرانية على متنها، مشيرة إلى حوادث كان أحدثها في 3 فبراير الحالي.
ونصحت السفن التي ترفع العلم الأمريكي بالإبحار بمحاذاة السواحل العُمانية عند التوجه شرقاً عبر مضيق هرمز.
وأثارت هذه التحذيرات مخاوف متجددة من أن تؤدي التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى اضطرابات في إمدادات النفط العالمية، إذ يمر نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط عبر مضيق هرمز الواقع بين سلطنة عُمان وإيران.