إلى أين يمضي التصعيد الأمني للمجلس الانتقالي المنحل في المحافظات الجنوبية، والذي يعبّر عنه بوضوح من خلال مسيرات أنصاره المستمرة؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لهذا التصعيد؟ وكيف يمكن احتواء إمكانات تطوره إلى فوضى عامة؟
بدأ الانتقالي تصعيده الفعلي من خلال مسيرة لأنصاره، الجمعة قبل الماضية، في سيئون بوادي حضرموت، والتي تخللتها أعمال شغب ومحاولات اقتحام مؤسسات حكومية، بما فيها القصر الجمهوري، أعقبتها مسيرة مماثلة، الثلاثاء، في المكلا مركز محافظة حضرموت، ومن ثم مسيرة تطورت إلى مواجهة مسلحة في مدينة عتق مركز محافظة شبوة سقط فيها ضحايا قتلى ومصابون، وصولًا إلى فعالية جماهيرية، الجمعة، لأنصاره في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة أقصى شرقي اليمن، ومنها عاد إلى مدينة زنجبار مركز محافظة أبين، ويعدُّ لفعالية مماثلة، يوم الإثنين، في مدينة الضالع مسقط رأس عيدروس الزُبيدي.
لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل النتائج المترتبة عن هذا الحراك الشعبي، خصوصًا وهو يأتي بعد أن خسر الانتقالي مكانته وحضوره في السلطة الحكومية، وتأثيره الفعلي في صناعة القرار المحلي في كل محافظات الجنوب والشرق؛ ما يجعله يتصرف بدون بصيرة ثاقبة أو حس سياسي نابه، الأمر الذي قد يدفع حراكه إلى سياسة متهورة تتماهى معها ميليشياته المسلحة؛ وبالتالي انفجار الوضع تحت عنوان فوضى ستكون كلفة احتواءها مكلفة جدًا.
يستهدف المجلس الانتقالي المنحل من هذه المسيرات والفعاليات الجماهيرية استعادة ثقة جماهيره بقيادته وبقدرته على المواجهة، وأيضًا إيصال رسالة للرياض مفادها أنه لم يمت، وأنه ما زال قادرًا على التأثير في مجريات الحياة السياسية وقادراً على صناعة الفرق على الأرض، التي يعتقد أنها أرضه وملعبه أيضًا، وانطلاقًا مما شهدته مسيرتاه في سيئون وعتق فإن القراءة الواعية تستنتج أن هذا الحراك قد يذهب بعيدًا في مسار صناعة الفوضى وخلط الأوراق، التي قد تفشل معها الحكومة في أداء مهامها، بالتالي يثبت الانتقالي أنه صاحب السيادة الفعلي على الأرض.
يقول الباحث اليمنيّ عادل دشيلة، متحدثًا لـ"القدس العربي" إن "المملكة العربية السعودية كانت في البداية استخدمت القوة العسكرية لإخراج المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة.ومن ثم تم حل المجلس، وهناك قيادات كثيرة تابعة للمجلس الانتقالي متواجدة في الرياض، وترحب بالحوار الجنوبي، ولكن عمليًا على الأرض لا تزال هناك اختلالات أمنية. وفي تصوري أنه إذا لم يتم إعادة هيكلة القوات التي كانت محسوبة على الانتقالي، والتعامل معها بطريقة أكثر وضوحًا، من خلال هيكلتها في إطار وزارتي الدفاع والداخلية؛ فإن الاختلالات الأمنية والعسكرية ستعيق عودة الحكومة؛ وبالتالي الإنجازات التي تحققت خلال المرحلة الماضية قد تنقلب في ليلة وضحاها، ويتحول المشهد إلى نوع من الانفلات الأمني في هذه المحافظات؛ ما يعيق عمل الحكومة اليمنيّة، ويؤثر سلبًا على الخدمات وحياة الناس اليومية".
ويضيف: "كما يجب العمل على عودة كاملة لجميع مؤسسات الدولة إلى الداخل، ولكن هذا لن يتحقق بدون الشروع في تنفيذ الإجراءات الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية بطريقة تخدم الحكومة".
وقال إن "الأحداث التي شهدتها سيئون وشبوة، واستمرار التظاهرات في المناطق الجنوبية مؤشر سلبي يستدعي سرعة ملء الفراغ الأمني والعسكري في هذه المحافظات من قبل القوات الحكومية؛ باعتباره سيؤدي في نهاية المطاف إلى تثبيت الأمن والاستقرار والخروج بنتائج إيجابية".
ويرى دشيلة ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات هذا المنحى: "السيناريو الأول: أن تتجه السعودية والحكومة إلى استكمال إعادة هيكلة قوات الدفاع والأمن، وبالتالي إخراج القوات من عواصم المحافظات وإعادة هيكلتها، ومن ثم عودة الحكومة إلى عدن، وهذا يحتاج إلى حسم ووقت ورؤية استراتيجية محددة وواضحة المعالم".
وأردف أن "السيناريو الثاني يتمثل في عدم تنفيذ الخطة الأمنية والعسكرية الهادفة إلى ملء الفراغ الأمني والعسكري في هذه المحافظات، وبالتالي ترك الباب مفتوحا لاختلالات أمنية لا حد لها؛ وهذا يعني بقاء الانفلات الأمني، بما يخدم توجهات الجناح المتشدد في المجلس الانتقالي المنحل بقيادة عيدروس الزُبيدي".
أما السيناريو الثالث فيرى دشيلة "أنه يتمثل في أن يتم اختيار منطقة أخرى بديلة لعودة وعمل الحكومة، ومن ثم العمل على ملء الفراغ الأمني بطريقة هادئة في كافة المحافظات الجنوبية".
(القدس العربي)