تفتح مقديشو ملفات المساءلة الشخصية وتعلن نهاية عصر "الدية" كغطاء للجريمة، وفي السياق، أكد رئيس المحكمة العسكرية في الصومال العقيد علي نور شوته لـ "إندبندنت عربية" مواجهة إرث من الفساد وتغول النفوذ القبلي، بحيث تتبنى المحكمة العسكرية استراتيجية "العدالة المكشوفة" والملاحقة العابرة للحدود في بلد لم تعرف أروقة محاكمه الاستقرار منذ عقود، وتبرز المحكمة اليوم ليس فقط كأداة للردع، بل كمنصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، لمحاربة "المثلث القاتل"، المخدرات والإرهاب والفساد القبلي، إذ تحاول الحكومة الفيدرالية كسر هذه الحلقة المفرغة عبر سياسة "العدالة المكشوفة".
الغرف المغلقة
خلف الزي العسكري الصومالي لم يعد السلاح هو الأداة الوحيدة لفرض النظام بل بات ميزان العدل هو الرهان الجديد لاستعادة دولة أرهقتها العقود.
ولفت رئيس المحكمة العسكرية إلى أن ملامح مرحلة انتقالية تتكشّف، تسعى فيها المؤسسة القضائية كسر حاجز الخوف، "والانتقال من قضاء الغرف المغلقة إلى عدالة الشاشة التي يشاهدها الملايين"، وقال "لسنوات طويلة كان القطاع القضائي الصومالي يواجه انتقادات لاذعة من منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية التي رصدت، في تقارير سابقة، غياب الشفافية وهيمنة المحسوبية السياسية، إلا أن التحول الجذري بدأ مع اعتماد المحاكمات العلنية المباشرة".
"الشاشة" حارسة للعدالة
ورأى العقيد علي نور شوته أن "فجوة الثقة" كانت هي العائق الأكبر، "إذ كان المواطن يفرّ من الجندي والزي العسكري، اليوم، وببث المحاكمات عبر التلفزيون الوطني ومنصات التواصل، أصبح الجمهور هو المحلف الأكبر. هذه الرقابة الشعبية منعت السياسيين والوجهاء القبليين من ممارسة ضغوطهم خلف الكواليس، إذ لا يمكن لوساطة قبلية أن تطمس دليلاً رآه ملايين الصوماليين على الشاشة".
المخدرات والإرهاب
لا يمكن فهم صمود التنظيمات الإرهابية في الصومال من دون النظر إلى اقتصاد "المخدرات" إذ تشير تقارير دولية، بما فيها تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة "إلى أن حركة الشباب تستخدم القات والمواد المخدرة كأداة مزدوجة عبر فرض ضرائب باهظة على طرق تهريبها، والسيطرة الذهنية عن طريق تزويد المجندين الشباب بجرعات من المخدرات لكسر حاجز الخوف لديهم وتسهيل انقيادهم لتنفيذ عمليات انتحارية".
وهناك حقيقة صادمة، وهي تزايد تعاطي المخدرات بين بعض رجال الأمن، وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 35% من حوادث إطلاق النار غير المبررة في النقاط الأمنية ترتبط بشكل مباشر بتعاطي "القات" المكثف والحبوب المخدرة، ما أدى إلى إعلان رئاسة المحكمة العسكرية عبر "اندبندنت عربية" حزمة إجراءات مشددة "من ضمنها الفحوصات العشوائية، وإدراج فحص المخدرات كشرط أساس للبقاء في الخدمة الفعلية، وتجريد الصلاحيات عن طريق الفصل الفوري ومصادرة السلاح لكل من يثبت تعاطيه"، معتبرة، أيضاً، أن الجندي المخدر "هو ثغرة أمنية يتحرك من خلالها العدو، بالإضافة إلى إخضاع رجال الأمن للقوانين المدنية الصارمة نفسها المتعلقة بالاتجار والتعاطي لضمان عدم تحول الزي الرسمي إلى حصانة من الملاحقة ".
الاستشفاء الأيديولوجي
ولفت رئيس المحكمة العسكرية إلى أن الجهات المعنية عملت برنامج "توبسن" الذي يواجه التطرف من العقاب إلى "الاستشفاء الأيديولوجي" حيث يعدّ البرنامج العمود الفقري لاستراتيجية الدولة في "نزع التطرف"، وخلافاً للسجون التقليدية التي قد تتحول إلى "حاضنات للإرهاب"، كما يعمل البرنامج على تفكيك الخطابات المتطرفة ومواجهة الأفكار الإرهابية، بالإضافة للعلاج النفسي والتعامل مع المتطرفين كمرضى بداء "العنف"، بخاصة أولئك الذين تم تجنيدهم قسراً أو تحت تأثير المخدرات، وتأهيلهم مهنياً عبر ضمان وجود بديل اقتصادي للمنخرطين في البرنامج لمنع ارتدادهم للجريمة.
تعديلات "نظام الدية"
يعد نظام "الدية" و"الفساد القبلي" من أبرز النقاط التي تهم المحكمة العسكرية إذ أكد الجنرال علي نور شوته وجود خطة للحكومة الصومالية، تتمثّل بإعلان الحرب على "سوء استخدام النظام القبلي" في الصومال، بعد أن ظل نظام الدية، بخاصة "التعويض المالي"، يستخدم، عقوداً، كبديل للعدالة الجنائية ما سمح للقتلة بالخروج من السجن بمجرد دفع القبيلة المال، وبيّن أن ملامح النظام الجديد سيشمل المسائلة الشخصية إذ ستعتبر الدولة أن القتل "جريمة ضد المجتمع" لا تسقط بالتفاهمات القبلية، وأيضاً تجريم "ضمانات القتل"، كما أن النظام الجديد يمنع القبائل ذات النفوذ من دفع المال لتخليص أبنائها من حكم الإعدام أو السجن في قضايا القتل العمد، وإنهاء عصر "شراء الأحكام" عبر نظام رقمي يربط السجلات الجنائية في الولايات الصومالية كافة ما يمنع التلاعب بالملفات القضائية أو اختفاء المتهمين داخل مناطق قبلية نائية.
وأوضح رئيس المحكمة العسكرية أنه لطالما عانى القضاء الصومالي من تداخل وتعارض القانون العرفي (الحيير) مع القانون المدني، وكانت "الدية" تستخدم كمخرج لمرتكبي جرائم القتل العمد من ذوي النفوذ القبلي إذ سيعمل القضاء على نظام "مَن يقتل سيتحمل العقوبة وليست العشيرة"، ما يهدف إلى تجريد المجرمين من غطائهم القبلي وتحويل جريمة القتل من نزاع بين عشيرتين إلى جريمة ضد الدولة.
محاكم متنقلة
في وقت تشيد المنظمات الدولية بالتطور الأخير في نزاهة المحاكمات الصومالية، طالب رئيس المحكمة العسكرية المجتمع الدولي بتقنيات "الطب الشرعي" المتقدمة بدلاً من مجرد الدعم السياسي، "فالعدالة في بلد شاسع كالصومال تحتاج إلى محاكم متنقلة تصل إلى القرى النائية لتتحقق العدالة تحت عيون الضحايا"، وتابع "لا تبنى سيادة القانون بانتهاكه، فالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب لا قيمة لها والمحقق الذي يعذب هو متهم مؤجل".
جرائم الحرب
وأكد الجنرال علي نور شوته، في رسالة شديدة اللهجة، أن الصومال بصدد توثيق الأدلة كافة ضد المتورطين من أي جهة كانت في جرائم الحرب التي تشتعل في المنطقة، بخاصة السودان، "بعد مزاعم استخدام الأراضي الصومالية لتمرير أسلحة إلى ميليشيات الدعم السريع، سواء كانوا أفراداً أو جهات تدعم التخريب في الولايات الفيدرالية"، مشدداً على أن "جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة لن تترد في ملاحقة أي جهة أو دولة تنتهك القوانين الصومالية أو تستغل مواردها بشكل غير قانوني ما يعكس رغبة مقديشو في فرض سيادتها القانونية دولياً ".
ثورة بيضاء
إن التحول الذي تشهده المحكمة العسكرية الصومالية يمثل "ثورة بيضاء" ضد ممارسات الماضي، فمن خلال دمج التكنولوجيا وشفافية الشاشة والملاحقة الصارمة لآفة المخدرات، تحاول الصومال بناء مؤسسة قضائية قادرة على الصمود أمام إغراءات المال وضغوط العشيرة.
كما وجهت المحكمة نداء للشركاء الدوليين بضرورة الانتقال من "الدعم اللوجستي التقليدي" إلى "دعم التقنيات الجنائية"، إذ إن القضاء الصومالي يحتاج إلى مختبرات متطورة للطب الشرعي لرفع جودة الأدلة، ما يقلل الاعتماد على الاعترافات الشفهية التي قد تُثار حولها شبهات تعذيب.
(اندبندنت عربية)