19 فبراير 2026
18 فبراير 2026
يمن فريدم-جمال عبدالقادر البدوي


سبي وبيع واسترقاق النساء وتعرض أخريات للاستعباد والعنف الجنسي، من أكثر الملفات المأسوية وأشدها سواداً في حرب السودان، جرح لا يزال ينزف في ظل التغييب القسري لفتيات ونساء مختطفات لا يزلن مجهولات المصير.

وعلى رغم الإدانات الدولية والإقليمية والغضب الذي خلفته تلك الممارسات المذلة، فإن قضية المختطفات تحولت إلى هامش على يوميات الحرب، وظلت تسجل غياباً عن أجندة المبادرات والوساطات، بينما يفرض الحضور الاجتماعي المأسوي للقضية السؤال البديهي: أين المختطفات، وما مصيرهن، ومن يعيدهن إلى الديار؟

تقارير واتهامات

منذ أشهر الحرب الأولى، أشار عديد من التقارير والشهادات عن وقوع حالات عنف جنسي واغتصاب واختطاف فتيات صغيرات واستعبادهن، وسرعان ما تطور الأمر إلى السبي واقتياد فتيات ونساء وهن مقيدات الأيدي والأرجل ونقلهن إلى دارفور ومن هناك إلى خارج السودان.

وأشارت تقارير لمنظمات حقوقية عدة إلى وجود سوق لبيع النساء، أبرزها تقرير شبكة المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، بوقوع 104 حالات اختطاف قسري لنساء وفتيات صغيرات في السن. وعلى رغم توجيه معظم التقارير الاتهام بشكل مباشر لقوات "الدعم السريع"، فإنها ظلت على الدوام تنفي ما جاء في تلك التقارير، وتؤكد التزامها القانون الدولي والإنساني وعدم السماح بأية تجاوزات من خلال متابعة ومراقبة تصرفات عناصرها.

ونشر المركز الأفريقي لدراسات السلام تقريراً عن الاستعباد الجنسي، وعن سوق لبيع النساء في مكان يعرف بـ"خور جهنم" في دارفور. وعزز المركز تقريره الذي استغرق إعداده ثلاثة أشهر من البحث الميداني، بأدلة وروايات شهود عيان، بجانب مقابلات مع 45 من الضحايا والشهود وأسر ناجيات من الخطف تم تحريرهن إما بواسطة الجيش السوداني أو من خلال عمليات دفع فدى للخاطفين.

على الصعيد الرسمي، أكدت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية سليمي إسحق، أن هناك نساء سودانيات تم بيعهن خارج السودان في أسواق بكل من تشاد وأفريقيا الوسطى بتواطؤ من تلك الدول، مطالبة بضرورة التواصل معها حول هذه القضية، بجانب أطفال تم استرقاقهم بعد قتل والديهم في إقليم دارفور.

وانتقدت إسحاق عدم صدور أي بيان من المجتمع الدولي يوصِّف ما حدث من عنف جنسي واغتصاب وعنف ممنهج ضد المرأة في الحرب بشكل دقيق وقوي يعبر عن الواقع الفعلي، في ظل أسوأ كارثة إنسانية عالمياً خلفتها الحرب الراهنة في السودان.

وأضافت "استخدم العنف الجنسي بكل أنواعه خلال الحرب السودان، وتحتاج الناجيات من النساء إلى تأهيل نفسي كبير بعد هذه الانتهاكات الجسيمة. لافتة إلى المعاناة الكبيرة التي تواجهها الحكومة والمنظمات العاملة في هذا المجال نتيجة الحساسية الشديدة للعمل في هذا الموضوع، وارتباطها بالموروثات الاجتماعية وثقافة وعادات المجتمع التي لا تزال عائقاً أمام المضي قدماً، بجانب التعقيدات الأخرى القانونية والطبية مثل الجدل الذي لا يزال مستمراً حول شرعية وقانونية إجهاض المغتصبات وهل هو حلال أم حرام".

اعتراف وبعث

وأعادت تأكيدات وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، حول تعرض غالبية نساء السودان لأشكال مختلفة من العنف في ظل استمرار النزاع الدائر في البلاد، القضية إلى بؤرة الضوء مرة أخرى وسط دعوات بريطانية ودولية لوقف القتال وحماية المدنيين.

أوضحت كوبر خلال مشاركتها في مؤتمر ميونيخ للأمن، الأحد الـ15 من فبراير/ شباط الحالي، أن الحكومة البريطانية تعمل على مراجعة المعلومات المتاحة في شأن تدفق السلاح إلى السودان. مشيرة إلى تقديرات تؤكد أن أكثر من 10 دول قد تكون متورطة بشكل أو بآخر في توريد الأسلحة التي تغذي أطراف النزاع.

وبحسب ما وثّقته منظمات حقوقية وشهادات ناجيات، فإن المختطفات كان يتم توزيعهن في البداية على منازل ومقارّ شبه عسكرية قبل أن يتم نقلهن وفق شهود عيان، إلى مناطق ريفية نائية في دارفور ونقل بعضهن عبر الحدود إلى خارج البلاد.

وأشارت التقارير إلى مشاهدة نساء وفتيات على متن سيارات، بعضهن مقيد بالسلاسل مما يرجح خطفهن من مدينة الخرطوم. ونقلت عن أربعة مدنيين من المقيمين بمنطقة كويم الملاصقة للبوابة الغربية لمدينة الفاشر شمال دارفور، أنهم شاهدوا عشرات شاحنات النقل الصغيرة تحمل منهوبات وأشياء أخرى من بينها فتيات صغيرات ونساء.

في السياق، أوضح مؤسس ومدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان أحمد المفتي، أن عودة الرق والاستعباد باختطاف وإخفاء النساء والفتيات قسراً كأحد إفرازات الحرب، دفعتهم إلى تكوين منظمة غير حكومية باسم "بداية حياة" برئاسة الطيب عبدالوهاب، شيخ الطريقة الخلوتية السمانية الطيبية القريبية.

وأشار المفتي إلى أن المنظمة التي يتولى رئاسة مجلس أمنائها تُعنى فقط بأمر النساء والفتيات المختطفات في الحرب والبحث عنهن وإعادتهن بسلام، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لضحايا الحروب والكوارث، وكذلك الدعم القانوني والحقوقي بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وأضاف "تعمل المنظمة على نشر ثقافة التطوع وقيم المروءة والشهامة وسط القوى الحية في المجتمع، وتوفير مطلوبات الدعم المجتمعي والصحي والنفسي والروحي والمالي عبر متخصصين في تلك المجالات، بجانب العناية المسائل التي تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بالتركيز على المختطفات بإرجاعهن إلى ذويهم وحمايتهن وتأهيليهن الاندماج في المجتمع من جديد".

وأشار رئيس مجلس أمناء "بداية حياة"، إلى أنه منظمته تعمل بالتعاون مع الحكومات المحلية ورجال الدين والطرق الصوفية والإدارات الأهلية وقادة المجتمع المحلى التعاون وأجهزة الإعلام لشرح أهمية عودة المختطفات وحمايتهن والدفاع عن حقوقهن والتوعية بالأخطار التي تهدد المجتمع، بالتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتنموية والاجتماعية والتكافلية المختلفة بما يختص بقضايا المجتمع.

وتمتد الأهداف الأساسية للمنظمة وفق المفتي، إلى التعاون مع الآليات الأممية والإنسانية والهلال الأحمر والصليب الأحمر والمحكمة الجنائية الدولية والمفوضية القومية السودانية لحقوق الإنسان والآليات الحكومية، التوعية والتبصير بقضايا المجتمع والقيام بالمصالحات وحملات التسامح والعفو وجبر الضرر وحض شرائح المجتمع على الانفعال بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان.

أسواق وبلاغات

وكانت هيئة محامي دارفور أكدت تلقيها بلاغات عدة عن وجود أسواق للرق النسائي في شمال دارفور، وبحسب الأقوال المتواترة فإن السلعة عبارة عن نساء وفتيات تم اختطافهن وجلبهن من بعض المناطق المتأثرة بالحرب ومنها ولاية الخرطوم.

وأكدت الهيئة في بيان، أنها ظلت تبحث وتتقصى بصورة دقيقة عن مدى صحة وجود أسواق للرق النسائي بولاية شمال دارفور من دون أن تجد ما يؤكد ذلك حتى الآن ولا تزال تواصل البحث والتقصي، مشيرة إلى تلقيها معلومات من مصادر موثوقة بأن العرب البدو وعناصر من الميليشيات اختطفت عديداً من النساء والفتيات.

وقالت الهيئة، إنها أخذت علماً أن هناك مفاوضات كانت تجرى في غاية السرية والكتمان بين بعض ذوي المختطفات ممن وصلوا إلى مناطق في شمال دارفور ومدينة الفاشر للبحث عنهن، والخاطفين بغرض تحريرهن مقابل دفع فديات مالية.

وأوضحت القيادية بهيئة محاميي دارفور عازة محمد أحمد، أن الهيئة لم تتحصل حتى الآن على معلومات إضافية جديدة لصعوبة الحصول على إفادات من المصادر، نتيجة شدة الرقابة والعقوبات القاسية التي يتلقونها لمجرد الشكوك.

على الصعيد ذاته أوضح الناشط الحقوقي المحامي عبدالعزيز سام، أن ما قامت به قوات "الدعم السريع" بسبي النساء والفتيات تمثل عودة لعهود الرق والاستعباد والاسترقاق، إذ لم تشهد كل حروب السودان السابقة مثل هذه الظاهرة والممارسات، وذلك بسبب الوجود الكثيف للمرتزقة وسط "الدعم السريع" من أعراب وبدو النيجر وآخرين من الذين لا يزالون يتمسكون بثقافة السبي والنهب وممارسات الانحطاط الأخلاقي.

وبجانب كثير من التقارير الحقوقية هناك أيضاً، وفق سام، إفادات واعترافات صريحة وموثقة آخرها إقرار قائد ميداني من "الدعم السريع" تم أسره في الآونة الأخيرة باقتياده شخصياً لـ33 فتاة وبيعهن في الجنينة، بجانب معلومات عن أسواق لاسترقاق وبيع النساء ومراكز لحجزهن في مقرات وشقق في الفاشر، حيث تم تحرير عدد من المستعبدات بواسطة القائد آدم بوش هري قبل اقتيادهن للبيع في تشاد وأفريقيا الوسطى وكينيا.

ويتابع "على رغم توفر كثير من الأدلة والمعلومات، لكن المشكلة أن المجتمع الدولي في سياق إهماله لما يجري من جرائم في عموم السودان، يغض الطرف عن هذه المأساة، إذ لم تتعامل أي من المؤسسات القانونية والحقوقية الدولية حتى اليوم بجدية مع هذه القضية الإنسانية الملحة في ما يشبه التواطؤ العالمي في التستر على جرائم (الدعم السريع)".

وطالب الناشط الحقوقي، المؤسسات الحقوقية والدولية والإقليمية أن تفرد مساحة خاصة لهذه القضية، وإجراء تحقيق عاجل بعيداً من التأثيرات والضغوط التي ظلت تستخدمها دولة الإمارات لعرقلة أية مساع لإدانة "الدعم"، بجانب أهمية فتح تحقيق سري محلياً مع توفير قنوات للتبليغ أمام الأسر التي لديها فتيات مفقودات بعضهن غير معروف كيفية اختفائهن أو فقدانهن.

ولفت سام إلى أن أسرى "الدعم السريع" يشكلون أهمية خاصة في هذا الجانب لامتلاكهم معلومات مفيدة حول الوجهات التي تم اقتياد الفتيات المختطفات إليها وأماكن إخفائهن، مع التنسيق الاستخباري مع دول الجوار.

انتهاكات ودعاوى

وكانت اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات القانونين الوطني والدولي الإنساني، أكدت أن عدد الدعاوى الجنائية المقيدة منذ اندلاع الحرب بلغ أكثر من 120 ألف دعوى، أحيلت نحو 4 آلاف منها إلى المحاكم.

وبحسب تقرير لوحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، فقد تم رصد 1392 حالة عنف جنسي ضد النساء في عدد من ولايات البلاد، شملت اغتصابات جماعية، وإخفاء قسرياً، واستعباداً جنسياً، إلى جانب حالات حمل وزواج قسريين.

وأوضحت عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في الانتهاكات المستشارة روضة عبد القادر، أن هذه الأرقام تمثل فقط اثنين في المئة فقط من حجم الانتهاكات على أرض الواقع، متهمة قوات "الدعم السريع" باستخدام العنف الجنسي سلاحاً لإذلال المدنيين لأسباب عرقية، وإجبارهم على النزوح القسري من ديارهم.

وأكدت عبدالقادر، أن هذه الجرائم تصنَّف وفق القانونين الوطني والدولي على أنها "جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الأساسية من الحق في الكرامة الجسدية إلى المساواة وعدم التمييز.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI