أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أنها ستستأنف العمل على تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية بدعم من صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليين، حيث كانت قد توقفت عن تنفيذه خلال الفترة الماضية بسبب الأحداث التي شهدتها محافظات اليمن الشرقية. غير أنها ربطت ذلك بعودة مشاورات المادة الرابعة مع الصندوق.
ودعت الحكومة في اجتماع عقده وزير المالية مروان بن غانم، أمس الاثنين، مع رئيسة بعثة الصندوق في اليمن إستر بيريز، إلى استئناف مشاورات المادة الرابعة، كونها تُعد من أهم الأولويات التي سيتم العمل على إنجازها لما لها من أثر في تقييم الوضع الاقتصادي للبلاد، وتوجيه جهود الإصلاحات نحو المجالات التي تتسم بالضعف وتبني سياسات من شأنها الخروج بالاقتصاد الوطني إلى وضع أكثر استقراراً.
وأشار بن غانم إلى الانسجام الكامل لوزارة المالية مع جميع أهداف السياسات الواردة في تقرير مشاورات المادة الرابعة، وكذا الاستعداد التام للوزارة لتزويد الصندوق بكافة البيانات المطلوبة لتحديث التقرير.
وأعرب الوزير اليمني عن تطلعه إلى تحديد موعد جديد لعرض التقرير على المجلس التنفيذي للصندوق وإقراره ونشره في القريب العاجل. وقرر صندوق النقد في منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تعليق أنشطته في اليمن بسبب الأحداث التي شهدتها المحافظات الشرقية حضرموت والمهرة، إذ شمل القرار تأجيل اجتماع مجلس إدارته المخصص لمناقشة مشاورات المادة الرابعة الخاصة باليمن إلى أجل غير مسمى بعد أن كان قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن استئناف نشاطه وعودة اجتماعات المادة الرابعة مع الحكومة اليمنية بعد توقف دام نحو 11 عاماً.
وكشف بن غانم أن وزارة المالية عملت خلال الأشهر الماضية، على إعداد موازنة للعام 2026، إلا أنه وبسبب الظروف خلال الفترة الماضية تعذر تقديمها إلى مجلس الوزراء لإقرارها، مؤكداً أن الوزارة ستعمل حالياً على استكمال تلك المتطلبات وسيتم عرض الموازنة على مجلس الوزراء خلال الأسابيع القادمة لإقرارها.
كما تم تنفيذ حُزمة من البرامج والتي كان آخرها البرامج الطارئة لتعزيز الضرائب والجمارك، وخطة تعزيز الإيرادات المستدامة التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي ضمن خطة الأولويات الاقتصادية الشاملة.
وأشار إلى أن وزارة المالية اليمنية تبدي انفتاحها لتبني أي مشاريع إصلاحية جديدة من شأنها التخفيف من حِدة الوضع الاقتصادي الصعب في اليمن ودفع عجلة النهوض الاقتصادي إلى الأمام.
أبرز مطالب صندوق النقد
في السياق، كشفت مصادر مطلعة، فضلت عدم الكشف عن هويتها لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة مطالبة بتنفيذ مجموعة من الاشتراطات لصندوق النقد الدولي خلال العام 2026، والتي حددها على أنها مطالب ملزمة في اجتماعات المادة الرابعة في عمّان، وإطار لبناء الثقة وعودة التعاون مع اليمن، حيث سيتم ربطها كذلك بإنهاء الصندوق لقرار تعليق أنشطته في اليمن.
وتتمثل أبرز هذه المطالب والاشتراطات بحسب المصادر، بضرورة العمل على دمج المؤسسات الإيراداية حيث إن هناك أكثر من 80 مؤسسة حكومية تُصنف تحت مسمى مؤسسات اقتصادية عامة إيرادية، وكذا ربط اعتمادات الصرف بالتحويل الفوري للإيرادات من المحافظات، وتنفيذ خطوات عملية تحت إشراف الصندوق ورقابته لاستعادة الإيرادات وتحسين الرقابة على الموانئ، وتوحيد الرسوم الضريبية والجمركية وتوريدها من المحافظات والسلطات المحلية.
وتؤكد المصادر أنه سيتم التشديد على هذه المطالب والاشتراطات بهدف تنفيذ خطة تعبئة الإيرادات الطارئة قصيرة الأجل، المصممة بدعم من صندوق النقد، والمساهمة في اتخاذ تدابير بالغة التأثير على مستوى السياسة الضريبية، ولا سيما التقييم الجمركي بأسعار الصرف السوقية التي كانت الحكومة قد شرعت في هذا الجانب من خلال تحرير سعر الدولار الجمركي، إضافة إلى تحديث الرسوم الجمركية، وتحسين الامتثال.
من جانبه، تطرق رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى ضرورة القيام بخطوات تمهد لعودة الصندوق، وذلك عبر العمل على توحيد المؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية وإخراج المعسكرات من العاصمة المؤقتة للحكومة عدن لتهيئة بيئة مناسبة وآمنة لها تمهد لعودتها بكافة طاقمها للعمل من عدن.
بعد ذلك وفق نصر تأتي الخطوة التالية والتي تمثل أولوية قصوى وتتمثل بالإصلاح المؤسسي والذي يتطلب إرادة حقيقية لتجفيف منابع الفساد، والأهم استعادة الإيرادات، وإرساء سيادة القوانين، وإصلاح نظام الخدمة المدنية وصرف المرتبات خاصة ما يتعلق بالجانب العسكري والأمني، والعمل على وقف أي تسرب للأموال خارج الموازنة العامة سواء المحلي أو الدعم الخارجي والذي يجب أن يمر عبر القنوات النقدية والمصرفية الرسمية.
وشدد نصر على أن كسب ثقة المجتمع الدولي والمانحين والجهات المالية والتمويلية يتطلب إلزام كل المؤسسات العامة بتوريد إيراداتها إلى البنك المركزي أو فروعه في المحافظات، وضمان وصول كل الموارد إلى ميزانية الحكومة.
وأدى احتجاز المحافظات للإيرادات الضريبية والجمركية إلى زيادة هائلة في حجم الإيرادات تحت التسوية خلال الفترة 2023-2024، مما أثر على الخدمات العامة الأساسية عبر المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليا وأثار مخاوف بشأن الشفافية الضريبية والجمركية والمساءلة.
تحديات غير مسبوقة تواجه اليمن
كما انخفضت إيرادات الحكومة بشكل كبير منذ عام 2022 بأكثر من 8 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي. ويرجع ذلك وفق صندوق النقد إلى توقف صادرات النفط، واستقطاع المحافظات لإيرادات الحكومة المركزية دون وجه حق. ويرى الباحث الاقتصادي عيسى أبو حليقة، في حديثة لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً تواجه تحديات غير مسبوقة في العام الجديد 2026، وتتطلب استجابة حكومية شاملة ومنسقة خلال الربع الأول من عام 2026.
وتتمثل هذه التحديات وفق الباحث أبو حليقة في هشاشة الوضع الأمني، وضعف الأداء المؤسسي، وكذا تدهور الوضع الاقتصادي والخدمي، وتباطؤ الاستثمار، إضافة إلى تعقيدات مسار السلام، والخلافات السياسية بين مكوناتها، بجانب ما يحصل من أحداث وتطورات في عدن ومحافظات جنوب اليمن والتي تحتاج إلى معالجات عاجلة حتى لا تشكل كما كانت عقبة كبيرة أمام الحكومة.
وأضاف أن هذه بمثابة عوامل أساسية تستطيع من خلالها العودة إلى المجتمع الدولي والمانحين، والأهم صندوق النقد والجلوس حول طاولة الاجتماعات الخاصة بالصندوق، وعدم تفويت الفرصة التي منحها بإعادة اجتماعاته مع الحكومة اليمنية بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات.
ويوضح أبو حليقة أن الربع الأول من عام 2026، يعد نافذة زمنية حاسمة لإطلاق مسار إصلاحي جاد، يعيد للدولة دورها المحوري، ويمكنها من مواردها العامة، ووضع الحكومة يدها على مؤسساتها المختطفة بما يهيئ الأرضية للتعافي الاقتصادي والسلام المستدام.
(العربي الجديد)