27 فبراير 2026
26 فبراير 2026
يمن فريدم-إسراء الشاهر
فرضت حرب السودان على كثير من السودانيين واقعاً جديداً على حياتهم اليومية (اندبندنت عربية - حسن حامد)


فرضت الحرب المندلعة في السودان منذ قرابة الثلاثة أعوام بين الجيش وقوات "الدعم السريع" على كثير من السودانيين الذين غادروا منازلهم للعيش مع أقاربهم في الولايات الآمنة، واقعاً جديداً على حياتهم اليومية يتمثل في انعدام الخصوصية نظراً لضيق المساحات المبنية، مما جعلهم يعيشون تحت أعين الجميع.

هذا الوضع سبب ضغوطاً نفسية لعديد من الأسر، في حين اعتبره آخرون امتداداً لقيم التضامن والتكافل التي يشتهر بها المجتمع السوداني، لكن إلى أي مدى يمكن التوازن بين الخصوصية والتماسك الاجتماعي في أوقات الأزمات؟

حسابات صامتة

يرى الاختصاصي الاجتماعي أحمد الطاهر أن "العيش المشترك القسري يضع العلاقات الأسرية تحت ضغط مستمر، حتى وإن كان مبنياً على النية الحسنة، كذلك الاحتكاك اليومي المكثف داخل مساحة محدودة يسرّع ظهور الخلافات الصغيرة التي كانت تمر من دون ملاحظة في الظروف الطبيعية".

ويضيف أن "الاختلافات في أنماط الحياة تصبح أكثر وضوحاً في البيئات المزدحمة، من حيث طريقة تنظيم المنزل وأساليب التربية، وحتى مفاهيم الخصوصية تختلف من أسرة إلى أخرى، وعندما تُفرض المشاركة القسرية، يشعر كل طرف بأن نمط حياته مهدد أو مقيد".

ويشير الطاهر إلى أن "المجاملات الاجتماعية التي ترافق الأيام الأولى من الاستضافة تتراجع تدريجاً، لتحل محلها حساسيات صامتة قد لا تُناقش مباشرة خوفاً من كسر الروابط العائلية. فهذا الصمت لا يعني غياب المشكلة، بل يعكس محاولة تجنب الصدام، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم التوتر وتحوله إلى انفجارات مفاجئة".

ويلفت إلى أن "الأطفال غالباً ما يصبحون محور التوتر، بسبب اختلاف قواعد الانضباط والروتين اليومي، ما يضع الكبار في مواقف حرجة بين احترام المضيفين والحفاظ على أسلوب تربيتهم الخاص".

ويختم الاختصاصي الاجتماعي بالقول إن "العيش المشترك يمكن أن يعزز التضامن إذا أُدير بوعي وحدود واضحة، لكنه من دون ذلك قد يترك أثراً طويل الأمد على العلاقات، إذ تتحول الذاكرة المشتركة للأزمة إلى مصدر حساسيات مستقبلية".

ضغط نفسي

في البيوت المزدحمة، لا يُقاس الضيق بعدد الأمتار فقط، بل بغياب المساحة النفسية التي يحتاجها الإنسان ليهدأ ويستعيد توازنه. فالضجيج المستمر وتبادل الأدوار في النوم وفقدان الروتين الشخصي والشعور بأنك مرئي طوال الوقت، كلها عوامل تولّد توتراً يومياً غير مرئي. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الضغط الصامت إلى قلق دائم وسرعة انفعال وإرهاق نفسي مزمن.

توضح الاختصاصية في علم النفس منى الفاتح أن "الخصوصية ليست رفاهية نفسية، بل حاجة أساسية لاستقرار الإنسان العاطفي. فالدماغ البشري يحتاج إلى فترات من الهدوء والانفصال الموقت عن المحيط ليستعيد توازنه، وعندما يغيب هذا الهامش لفترات طويلة، يدخل الجسم في حالة توتر مستمر".

ونوهت الفاتح إلى أن "الضوضاء المستمرة وفقدان الروتين اليومي قد يؤديان إلى اضطرابات النوم وصعوبة التركيز، وهو ما ينعكس بدوره على المزاج العام والقدرة على التحمل. فالشعور بأنك مراقَب أو بلا مساحة خاصة قد يخلق إحساساً دائماً بفقدان السيطرة، وهو أحد أهم محفزات القلق".

وتستطرد أن "الأطفال والمراهقين أكثر حساسية لهذا الواقع، إذ يحتاجون إلى مساحة شخصية لتطوير هويتهم والشعور بالأمان النفسي، فغياب هذه المساحة قد يظهر في شكل انطواء وعصبية زائدة أو صعوبات في التكيف الاجتماعي".

وتمضي بالقول "التكيف مع العيش المشترك يتطلب خلق مساحات نفسية بديلة مثل أوقات هدوء منظمة أو زوايا خاصة، لأن الحفاظ على التوازن النفسي في البيئات المزدحمة ضرورة للبقاء العاطفي السليم".

فقدان الاستقلالية

من جانبه، إشار الباحث في الشؤون الأسرية خالد عبد الرحيم إلى أنه "عندما يُفرض العيش المشترك داخل بيت واحد، تتقلص المساحة الخاصة التي تحتاجها العلاقة الزوجية للنمو والاستقرار. وحتى الخلافات الصغيرة، قد تحدث تحت أنظار الآخرين أو على مسمع منهم. ومع مرور الوقت، يشعر الزوجان بأن علاقتهما مكشوفة ومقيّدة، ما يخلق ضغطاً عاطفياً وتوتراً غير معلن".

ويتابع عبد الرحيم أن "الخصوصية عنصر أساسي لاستقرار العلاقة الزوجية، وأن فقدانها لفترات طويلة يضع الزواج تحت ضغط نفسي مستمر، وذلك لأن الزوجين يحتاجان إلى مساحة آمنة للحوار والتعبير عن المشاعر واتخاذ القرارات من دون تدخل أو مراقبة، وعندما تختفي هذه المساحة، تتراكم التوترات الصغيرة وتتحول إلى خلافات أعمق".

ويواصل "وجود أفراد الأسرة بصورة دائمة قد يجعل الزوجين يتجنبان النقاشات الضرورية خوفاً من الإحراج أو سوء الفهم، ما يؤدي إلى كبت المشاعر وتأجيل حل المشكلات. والصمت هنا لا يعني الاستقرار، بل تأجيل المواجهة".

وبين أن "التدخل غير المقصود من الأقارب قد يضعف الحدود الطبيعية للعلاقة الزوجية، بخاصة في القضايا الحساسة مثل تربية الأطفال أو إدارة الشؤون المالية، ما قد يولد شعوراً بفقدان الاستقلالية لدى أحد الطرفين أو كليهما".

وأكد الباحث في الشؤون الأسرية أن "التكيف مع هذا الواقع يتطلب وعياً جماعياً يحترم خصوصية الزوجين، إلى جانب اتفاق واضح بين الشريكين على حماية مساحتهما الخاصة، لأن العلاقة الزوجية لا تزدهر في بيئة مزدحمة وتحتاج إلى حدود واضحة ومساحة آمنة للنمو".

تشكيل الهوية

في سياق متصل، أفاد الباحث في علم النفس الاجتماعي عادل إبراهيم بأن "الخصوصية عنصر أساسي في تشكيل الهوية الفردية والشعور بالكرامة الإنسانية. وامتلاك مساحة شخصية يمنح الإنسان الإحساس بالسيطرة على حياته، وعندما تُسلب هذه المساحة لفترات طويلة، قد يشعر الفرد بفقدان الاستقلالية وتراجع تقديره لذاته".

ويضيف إبراهيم أن "العيش المشترك القسري يفرض على الأفراد تعديل سلوكهم باستمرار لتجنب الإحراج أو النقد، ما قد يؤدي إلى كبت المشاعر والتعبير المحدود عن الذات. هذا التكيف المستمر قد يخلق شعوراً داخلياً بالاختفاء، وكأن الفرد يعيش في حالة حضور جسدي وغياب نفسي".

وزاد "غياب الحدود الشخصية الواضحة قد يؤدي إلى توتر داخلي مزمن، بخاصة لدى الشباب والنساء، الذين يجدون أنفسهم تحت رقابة اجتماعية مستمرة تحدّ من حريتهم في التعبير واتخاذ القرار".

ولفت الباحث في علم النفس الاجتماعي إلى أن "الحفاظ على الكرامة الإنسانية لا يرتبط بالظروف المادية فقط، بل بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بمساحة خاصة يشعر فيها بالأمان والاستقلال، لأن الخصوصية شروط التوازن النفسي والإنساني".

تخفيف الوحدة

على النقيض من الأصوات التي ترى في غياب الخصوصية عبئاً نفسياً واجتماعياً، يذهب بعض الباحثين إلى أن التداخل الأسري ليس أزمة، بل امتداد طبيعي لقيم التضامن التي شكّلت المجتمع السوداني عبر أجيال. ويرى هؤلاء أن فكرة "المساحة الشخصية" بمعناها الحديث قد تكون وافدة ثقافياً، بينما ظل العيش المشترك لأعوام طويلة جزءاً من البناء الاجتماعي الذي يضمن الحماية والدعم المتبادل.

يقول المتخصص في علم الاجتماع مصطفى عبد القادر إن "البيت المفتوح كان تاريخياً رمز الأمان الاجتماعي، حيث يتقاسم الأفراد الموارد والمسؤوليات، ويشعر الجميع بأنهم جزء من شبكة حماية جماعية. وفي أوقات الأزمات، لا يُنظر إلى التداخل باعتباره انتهاكاً للخصوصية، بل تعبير عن التكافل والواجب الأخلاقي".

ويضيف أن "العيش المنفصل الذي يركز على الاستقلالية الفردية قد يعزز العزلة ويضعف الروابط العائلية، بينما يخلق العيش المشترك شعوراً بالانتماء ويخفف الإحساس بالوحدة، بخاصة لدى كبار السن والأطفال".

ويرى عبد القادر أن "ما يُسمى بالتوترات اليومية داخل البيوت المزدحمة هو جزء طبيعي من الحياة الجماعية، وأن مهارات التعايش والتسامح تتشكل من خلال الاحتكاك اليومي، لا عبر العزلة. بيد أن القدرة على التنازل والتكيف من أهم القيم الاجتماعية التي تحافظ على تماسك المجتمع في أوقات الشدائد".

ويرى أن "اعتبار التداخل الأسري أمر محرج أو معيب قد يعكس تحولات ثقافية حديثة أكثر من كونه قيمة متجذرة، والمجتمعات التقليدية لطالما اعتبرت الانغلاق المفرط نوعاً من الجفاء الاجتماعي".

وأشار المتخصص في علم الاجتماع إلى أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في تقليل التداخل، بل في إدارته بروح من الاحترام والتعاون. فحين يُفهم العيش المشترك بوصفه قوة اجتماعية لا عبئاً، يمكن أن يتحول إلى مصدر دعم نفسي وإنساني يعزز الصمود في مواجهة الأزمات".

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI