في قراءة أولية لتداعيات الحرب المندلعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أجمع خبراء استراتيجيون ومحللون سياسيون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" على أن مسار المواجهة دخل مرحلة جديدة بعد مقتل المرشد الأعلى، إذ لم تعد المعادلة محصورة في ميزان القوة العسكرية، بل في قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج شرعيته وترتيب هرم السلطة في ظل فراغ حساس.
وأكدوا أن الانتقال من استهداف عسكري إلى إسقاط رأس النظام غير طبيعة الصراع من مواجهة تقليدية إلى اختبار وجودي لبنية الدولة نفسها، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة زمنياً تتجاوز تقديرات الحرب القصيرة، خصوصاً مع اتساع دائرة الاستهداف واحتمالات انخراط ساحات إقليمية عدة، بما يرفع كلفة المواجهة ويضع أمن المضائق وأسواق الطاقة تحت ضغط غير مسبوق.
وأضاف الخبراء أن المنطقة تقف أمام مفصل تاريخي، والحروب في الشرق الأوسط غالباً ما تبدأ بضربات محسوبة لكنها تنتهي بترتيبات سياسية جديدة لا تشبه بداياتها، والحرب حتى لو بدأت محدودة تبقى مرشحة للتوسع وحسمها لن يكون عسكرياً صرفاً، بل رهيناً بتوازنات السياسة الإقليمية والدولية وقدرة الأطراف على إدارة التصعيد أو احتوائه.
صراع متعدد المستويات
أكد المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الدكتور لقاء مكي أن الحرب الجارية لم تعد تقليدية أو قصيرة بطبيعتها، ليس بسبب نوعية الأسلحة أو حجم الإمكانات العسكرية فحسب، بل بسبب التحول الجذري في أهدافها بعد استهداف رأس النظام الإيراني، وهو ما نقل المواجهة من ضرب القدرات إلى المساس ببنية السلطة نفسها.
وأوضح أن الحروب غالباً ما تكون استنزافية، مما يدفع أطرافها إلى تقليص مدتها، غير أن هذه الحرب دخلت مرحلة مختلفة، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على تدمير الصواريخ أو تقويض البرنامج النووي، بل على مستقبل النظام ذاته وإعادة تشكيل هرم القيادة.
وأشار مكي إلى أن إضعاف النظام لا يتحقق عبر الضربات الجوية وحدها، حتى وإن استهدفت مراكزه الحساسة ومصادر قوته الصلبة، من قيادات ومؤسسات ومعسكرات ومراكز نفوذ في الأطراف، مؤكداً أن القصف مهما بلغت دقته لا يحسم مسألة بقاء النظام أو تماسكه.
وبين أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولة خلق بيئة داخلية ضاغطة تضعف السلطة المركزية، بما يسمح بتحرك قوى معارضة في الداخل.
واعتبر أن أي تحول جذري في بنية الحكم لن يكون نتيجة القصف وحده، بل مرتبطاً بتفاعلات داخلية قد تتخذ طابعاً احتجاجياً أو مسلحاً، وبخاصة في ظل الطبيعة المركبة للمجتمع الإيراني، إذ يتمركز الثقل الفارسي في المركز فيما تحيط به قوميات متعددة من الأكراد والعرب والبلوش والأذريين وغيرهم.
وأضاف أن اتساع الضغوط في الأطراف قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى إعادة توزيع قواتها لحماية المجال الجغرافي، لا رمزية السلطة فحسب، مما قد يؤدي إلى تشتيت القوة الإيرانية وفتح المجال أمام تعدد بؤر التوتر. ولم يستبعد احتمال انخراط أطراف إقليمية إذا ما توسعت رقعة المواجهة.
وأكد مكي أن أخطر ما في هذا المسار هو احتمال تحول الصراع من مواجهة خارجية إلى حالة داخلية متعددة الجبهات، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، بما يجعل أمد الحرب مفتوحاً على سيناريوهات معقدة.
مفصل تاريخي قد يعيد تشكيل الإقليم
أكد المحلل السياسي الكويتي والباحث في شؤون الخليج الدكتور محمد الرميحي أن ما يحدث يشكل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة. وبرأيه، فإن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران لم تعد تُقاس بميزان القوة العسكرية وحده، بل بسقف الأهداف السياسية الكامنة خلفها وحدودها النهائية.
وأوضح أن حروب الشرق الأوسط غالباً لا تنطلق من الميدان وحده، بل من حسابات استراتيجية كبرى، وتنتهي في العادة بترتيبات مختلفة تماماً عن بداياتها.
ورسم الرميحي مسارين محتملين للمواجهة. يتمثل الأول في حرب قصيرة ومحدودة، إذا كان الهدف توجيه ضربة دقيقة إلى البرنامج النووي أو إلى البنية الصاروخية الإيرانية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة برية واسعة.
وضمن هذا السيناريو قد نشهد ضربات جوية مركزة يقابلها رد إيراني محسوب، يعقبه تحرك دولي سريع لاحتواء التصعيد.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة، المثقلة بملفات أوكرانيا وآسيا، لا تبدو راغبة في خوض حرب استنزاف جديدة، وأن إسرائيل تدرك أخطار فتح جبهات متعددة تتجاوز قدرتها على التحمل لفترة طويلة.
أما المسار الثاني، وهو الأكثر تعقيداً، فيتمثل في صراع ممتد متعدد الجبهات. فإيران، بحسب الرميحي، لا تنظر إلى نفسها كدولة تقليدية يمكن ردعها بضربة واحدة، بل كشبكة نفوذ إقليمي تمتد من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق، مع حضور غير مباشر في ساحات أخرى. واستهدافها قد يدفعها إلى تفعيل أذرعها في أكثر من ساحة، بما يحول المواجهة إلى اشتباك إقليمي مفتوح.
وفي هذا السياق يدخل أمن المضائق، خصوصاً هرمز وباب المندب، في صلب المعادلة، وتصبح أسواق الطاقة رهينة التطورات العسكرية، مما يخلق ضغطاً عالمياً للتدخل أو الوساطة.
وأشار الرميحي إلى أن العامل الحاسم يتمثل في سقف الأهداف السياسية. فالسؤال المركزي هو ما إذا كان المقصود تغيير سلوك إيران أم تغيير نظامها. وتجارب المنطقة، في رأيه، تظهر أن تغيير الأنظمة خيار مكلف وغير مضمون النتائج، في حين أن تعديل السلوك قد يكون أكثر واقعية، وإن كان صعب التحقيق بالقوة وحدها.
ولفت إلى أهمية تماسك الجبهة الداخلية لدى كل طرف. فإيران، على رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، اعتادت توظيف التهديد الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي. وفي المقابل يخضع القرار الأميركي لحسابات انتخابية ورأي عام لا يميل إلى الحروب الطويلة.
وأضاف أن مواقف القوى الكبرى الأخرى، ولا سيما روسيا والصين، سيكون لها أثر في مسار الأزمة. فحتى في حال عدم انخراطهما عسكرياً، فإن دعمهما السياسي أو اللوجيستي لطهران قد يطيل أمد الصراع ويعيد ترتيب أولويات القوى الدولية. أما أوروبا، المتضررة من أي اضطراب في أسواق الطاقة فستسعى إلى الضغط باتجاه التهدئة، على رغم تعقيدات علاقتها مع إيران في ملفات أخرى.
ورجح الرميحي أن تبدأ المواجهة محدودة، غير أن خطر التمدد سيظل قائماً لأن الشرق الأوسط ليس ساحة لحروب نظيفة ذات بدايات ونهايات واضحة، بل مساحة تتراكم فيها الأزمات وتتشابك الملفات. والحسم في نهاية المطاف لن يكون عسكرياً صرفاً، بل سياسياً، إما عبر إعادة صياغة توازن إقليمي جديد، أو عبر الاكتفاء بإدارة صراع مؤجل يظل عبئاً مزمناً على جسد المنطقة.
خطوة حولت الحرب إلى معركة وجودية
من جهته، رأى السياسي العراقي والنائب السابق ظافر العاني أن إعلان إسقاط النظام الإيراني كهدف أميركي صريح للحرب كان قد نقل الصراع إلى مستوى مختلف، محولاً إياه من مواجهة عسكرية تقليدية إلى معركة وجودية بالنسبة إلى السلطة في طهران، وهو توصيف يكتسب أبعاداً أعمق بعد استهداف رأس النظام.
وأوضح أن طرح بقاء النظام كقضية مطروحة على الطاولة يجعل الاستمرارية أولوية مطلقة لدى القيادة الإيرانية، بحيث تتقدم اعتبارات الأمن والبقاء على أية حسابات سياسية أو اقتصادية، خصوصاً في لحظة تتعرض فيها بنية القرار لضغوط مباشرة.
وأشار العاني إلى أن الحكومة الإيرانية، في مثل هذا السياق، تميل إلى الدفاع عن نفسها بكل الوسائل المتاحة، سواء عبر أدواتها العسكرية المباشرة أو من خلال شبكات نفوذها الإقليمية، مع تشديد القبضة الأمنية داخلياً وتعزيز خطاب التعبئة الوطنية للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
وبيَّن أن طهران على رغم التصعيد قد تبقي باب المفاوضات موارباً حتى في ذروة المواجهة، إذ إن الأنظمة التي تواجه تهديداً وجودياً غالباً ما تلجأ إلى إدارة مزدوجة للأزمة، تقوم على الصمود في الميدان والمرونة التكتيكية على طاولة التفاوض، إذا توافرت فرصة تضمن البقاء ولو مقابل تنازلات سياسية أو استراتيجية.
وفي ما يتعلق بمدة الحرب، أوضح العاني أن أمد الصراع سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسة الإيرانية على الحفاظ على تماسكها، وبخاصة مع استهداف القيادات العسكرية والسياسية منذ المراحل الأولى، لافتاً إلى أن نجاح هذا النهج يعتمد على عمق البنية المؤسسية وقدرتها على امتصاص الضربات وتعويض الخسائر بسرعة.
وأكد أن مسار الحرب لن تحسمه العوامل العسكرية وحدها، بل ستتداخل معه اعتبارات إقليمية ودولية، ومواقف الحلفاء وحسابات القوى الكبرى، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الداخلي ومدى قدرة الشارع الإيراني على تحمل تبعات المواجهة. وأضاف أن إطالة أمد الصراع قد تنقل الهدف من "الحسم" إلى "إدارة الأزمة".
واعتبر أن تحويل الصراع إلى معركة على بقاء النظام يجعل مداه غير قابل للتحديد سلفاً، لأن مساره سيبقى مرهوناً بمدى تماسك المؤسسة الحاكمة تحت الضغط، مقابل احتمالات الانكشاف الداخلي التي قد تعيد تشكيل المشهد برمته.
النفط قد يلامس 100 دولار
يرى المتخصص الاستراتيجي العراقي العميد صبحي ناظم توفيق أن التقديرات الأولية كانت تميل إلى ترجيح مواجهة محدودة الأهداف زمنياً، استناداً إلى التصريحات الأمريكية والإسرائيلية التي تحدثت عن عملية خاطفة، غير أنه شدد على أن مسارات الحروب لا يمكن ضبطها وفق جداول زمنية معلنة، خصوصاً عندما يمتلك الطرفان قدرات عسكرية متقدمة، مما يبقي احتمالات التوسع قائمة.
وأشار إلى أن استمرار المواجهة لأكثر من أسبوع يظل وارداً، لافتاً إلى أن الساعات الأولى شهدت استهدافات متبادلة طاولت مواقع وقواعد في المنطقة، وهو ما يرفع مستوى الأخطار ويزيد احتمالات اتساع رقعة الاشتباك.
وأضاف أن عدداً من دول المنطقة اتخذ إجراءات احترازية شملت إغلاق الأجواء موقتاً أو تعليق بعض الرحلات، في مؤشر إلى تصاعد الهواجس الأمنية المرتبطة بسلامة الملاحة الجوية.
وشدد على أن أمن المضايق البحرية، وفي مقدمها مضيق هرمز، يمثل عنصراً حاسماً في مسار الأزمة، نظراً إلى موقعه الحيوي في تجارة الطاقة العالمية. وأكد أن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة كفيل بإرباك الأسواق حتى من دون إغلاق فعلي، مشيراً إلى أن أية خطوة من هذا النوع ستنعكس سلباً على إيران نفسها قبل غيرها.
وفي ما يتعلق بأسواق الطاقة، أوضح توفيق أن التصعيد ينعكس فوراً على أسعار النفط، لافتاً إلى أن السعر كان يدور حول 72 دولاراً للبرميل قبل اندلاع المواجهة، ومن المرجح أن يتحرك ضمن نطاق 80 إلى 90 دولاراً في المدى القريب، محذراً من أن تصاعد الأزمة أو تعطل الملاحة في هرمز قد يدفع الأسعار إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل.
وأشار إلى أن إنهاء الحرب سيظل رهناً بعوامل عدة، من بينها حجم الخسائر ومواقف القوى الكبرى، ومدى قدرة الأطراف على احتواء التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها إقليمياً ودولياً.
(اندبندنت عربية)