10 مارس 2026
8 مارس 2026
يمن فريدم-خاص-إلهام الفقيه
نساء يمنيات في مدينة تعز- أرشيف


داخل أحد أحياء مدينة تعز، كان الخلاف بين زوجين يقترب من نهايته القاسية. تراكمت الخلافات بسبب ضيق المعيشة وكثرة الأطفال، بينما كان الزوج يحاول إعالة أسرتين في وقت واحد، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوتر حتى وصل إلى حافة الطلاق.

في تلك اللحظة تدخلت الوسيطة المجتمعية بشارة الصلوي لمحاولة احتواء الأزمة. تقول الصلوي إنها بدأت بالجلوس مع كل طرف على حدة لمعرفة جذور المشكلة، حيث تبين أن الغيرة بين الزوجتين من جهة، وضيق الحال وقلة المصاريف من جهة أخرى، كانا من أبرز أسباب الخلاف.

وتضيف:"جلست مع الزوجة ونصحتها بالصبر قدر المستطاع، ثم جلست مع الزوج وذكرته بالأحاديث النبوية والقرآن الكريم التي تحث على حسن معاملة الزوجة وتحمل المسؤولية تجاه الأسرة".

ولم يتوقف دور الوساطة عند النصيحة فقط، بل سعت الصلوي إلى البحث عن حلول عملية، حيث ساعدت الزوج في الحصول على عمل إضافي كسائق باص في أوقات الفراغ، كما جرى البحث عن منزل أقل تكلفة في القرية بدلاً من السكن المستأجر في المدينة.

وبحسب الصلوي، ساعدت هذه الخطوات في تخفيف الأعباء المالية وتهدئة الخلافات، ليعود الاستقرار إلى الأسرة، حيث "رجعت الأمور إلى مجاريها".

هذه القصة ليست سوى مثال بسيط على الدور الذي تلعبه الوساطة المجتمعية في تعز، حيث أصبحت واحدة من أهم الأدوات المحلية لمعالجة النزاعات الاجتماعية في ظل استمرار الحرب وغياب مؤسسات الدولة.

نزاعات متصاعدة تعرقل التنمية

مع استمرار الحرب في اليمن، تتزايد النزاعات المجتمعية داخل القرى والمدن، الأمر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي ويؤثر بشكل مباشر على التنمية وتنفيذ المشاريع الخدمية.

تقول الناشطة المجتمعية صباح راجح رئيسة اتحاد نساء اليمن فرع تعز ، إن النزاعات المجتمعية في الوقت الحالي وصلت إلى مستوى خطير، موضحة أن "الوضع كارثي واتسعت رقعة النزاعات بشكل كبير، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على التنمية المجتمعية وعلى تنفيذ المشاريع".

وتضيف أن العديد من المشاريع المجتمعية تعطلت بسبب النزاعات، بينما لم يتم تنفيذ مشاريع أخرى كان من المفترض أن تنفذ لخدمة المجتمع، حتى وإن كانت بسيطة، وذلك في ظل غياب دور الدولة.

وترجع راجح أسباب استمرار النزاعات إلى عدة عوامل، من بينها اختلاف المصالح بين الناس، وقلة الموارد وندرتها، إضافة إلى خوف البعض على مصالحهم الشخصية وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.

كما تؤكد أن شدة النزاعات تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب مستوى وعي المجتمع بأهمية الحفاظ على المشاريع وخطورة النزاعات على الاستقرار المجتمعي.

الوساطة المجتمعية.. آلية لاحتواء الخلافات

في ظل هذه التحديات، تلعب الوساطة المجتمعية دوراً مهماً في تهدئة الأوضاع وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.

وتوضح صباح راجح أن الوساطة المجتمعية تسهم في إيصال الأطراف المتنازعة إلى أرضية مشتركة تقوم على فهم المصالح المشتركة وأهمية إنهاء النزاع.

وتشير إلى أن الوسيط المجتمعي يحتاج إلى مجموعة من المهارات، أبرزها مهارات الحوار والإقناع، والقدرة على إدارة النقاش وتقريب وجهات النظر.

كما يعتمد الوسطاء في بعض الأحيان على أساليب نفسية واجتماعية لتخفيف التوتر، من بينها ما يُعرف بأسلوب "تفريغ البالون المنفوخ"، حيث يُترك للطرف الغاضب المجال للتعبير عن مشاعره قبل بدء النقاش حول الحلول.

وتؤكد أن نجاح الوساطة يعتمد أيضاً على معرفة الشخصيات المؤثرة في النزاع، والتي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الوصول إلى الحل.

المرأة.. وسيط أساسي في المجتمع

تلعب المرأة دوراً أساسياً في حل النزاعات المجتمعية وبناء السلام، خاصة في المجتمعات المحلية التي تتسم بتشابك العلاقات الاجتماعية.

وتقول الناشطة المجتمعية هيفاء العديني إن المرأة تمتلك قدرة كبيرة على تهدئة التوتر وبناء الثقة داخل المجتمع.

وتضيف:"تلعب المرأة دوراً أساسياً في حل النزاعات الاجتماعية من خلال قدرتها على تهدئة التوتر وبناء الثقة داخل المجتمع. وإشراك النساء في جهود الوساطة لا يعزز فقط فرص التفاهم، بل يسهم في الوصول إلى حلول أكثر عدالة واستدامة، نابعة من فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع وتنوعه".

ورغم هذه الأدوار، لا تزال النساء مستبعدات في كثير من الأحيان من عمليات المفاوضات والحوار الرسمية في اليمن، رغم أنهن الأكثر تأثراً بالنزاعات والأقرب إلى فهم احتياجات المجتمع.

أدوار متعددة للمرأة في الوساطة وبناء السلام

من جهتها، تؤكد الناشطة صباح الشرعبي ممثل دائرة المرأة في المحافظة، أن دور المرأة في الوساطة المجتمعية أصبح بارزاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تلعب النساء دور الوسيط بين العائلات لحل الخلافات الاجتماعية والنزاعات اليومية.

وتوضح أن المرأة غالباً ما تُعتبر عنصر تهدئة داخل الأسرة والمجتمع، وتسهم في نشر ثقافة الحوار ونبذ العنف، كما تعمل على حماية النسيج الاجتماعي من خلال الحفاظ على الروابط الأسرية والمجتمعية.

كما تنشط النساء في العمل الإنساني وتقديم المساعدات للنازحين والمتضررين من النزاعات، خاصة الأطفال والنساء، إضافة إلى دورهن في نشر الوعي بحقوق الإنسان والمطالبة بالعدالة والسلام.

وتشير الشرعبي إلى أن النساء شاركن أيضاً في عدد من مبادرات الحوار وبناء السلام على المستوى المحلي والوطني، رغم محدودية تمثيلهن الرسمي في عمليات التفاوض.
تحديات تواجه الوساطة المجتمعية

رغم أهمية الوساطة المجتمعية، إلا أن الوسطاء يواجهون العديد من التحديات، من أبرزها صعوبة تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، إضافة إلى عدم توفر المهارات الفنية لدى بعض الوسطاء.

كما يواجه الوسطاء صعوبة في معرفة الأطراف الحقيقية المؤثرة في النزاع، وهي مسألة أساسية للوصول إلى حلول ناجحة.

ومن التحديات أيضاً ندرة الموارد وقلة الدعم للمبادرات المجتمعية التي تعمل في مجال الوساطة وبناء السلام.

الوساطة المجتمعية.. خطوة نحو الاستقرار

رغم هذه التحديات، أسهمت الوساطة المجتمعية في تحقيق نتائج مهمة داخل المجتمع، من أبرزها تهدئة الأوضاع وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، إضافة إلى حماية بعض المشاريع المجتمعية من التعطل.

كما تساعد الوساطة على إشراك المجتمع في حل مشكلاته بنفسه، حيث يصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة خلافاته بطرق سلمية.

وفي ظل استمرار الصراع في اليمن، يرى ناشطون أن دعم مبادرات الوساطة المجتمعية وتمكين النساء والشباب من المشاركة فيها يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز السلم الاجتماعي وبناء السلام على المستوى المحلي.
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI