أدت سيطرة إيران على مضيق هرمز إلى خلق واقع جديد ومؤلم للاقتصاد العالمي، فحُجب نحو نصف مليار برميل من المنتجات النفطية عن الأسواق العالمية، مما أسهم في ارتفاع التضخم وتعطيل سلاسل الإمداد.
ووسط هذا التصعيد، أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مساعديه خلال الأيام الأخيرة بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية حتى إذا ظل المضيق مغلقاً إلى حد كبير، في حين أن مثل هذا القرار قد يجعل التغيرات التي فرضتها الحرب في المضيق دائمة، ويضيف علاوة سعرية جديدة على النفط ويدفع قطاع الشحن إلى مسار محفوف بالأخطار.
وقالت الباحثة في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي إيلين والد لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "سيكون ذلك كارثة لأسواق الطاقة لأنه سيعني أن النفط سيتحمل كلفة إضافية كبيرة بسبب إيران"، وأردفت أن حالاً من عدم اليقين الواسع ستسود الأسواق.
ومنذ بداية الصراع، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بصورة شبه كاملة، حيث تراجعت عمليات العبور بنسبة 95 في المئة، وفقاً لبيانات "أس أند بي غلوبال ماركت إنتليجنس".
ففي مارس/ آذار الماضي، مر أقل من خمس سفن يومياً عبر المضيق، مقارنة بنحو 140 سفينة يومياً في فبراير/ شباط الماضي.
وهذا الانخفاض الحاد منع دخول نحو 15 مليون برميل من النفط يومياً إلى الأسواق العالمية، مما يعادل ثلاثة أضعاف صادرات روسيا اليومية.
مشكلات متسلسلة في الإمدادات
ووصف كبير الاقتصاديين في شركة "فورتكسا" لتتبع السفن ديفيد ويتش، الوضع بأنه "أزمة بحجم جائحة ’كوفيد‘، لكن مع فارق جوهري يتمثل في أنها ناجمة عن جانب العرض وليس الطلب"، مشيراً إلى أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الأسعار سترتفع بصورة كبيرة لدفع المستهلكين إلى تقليل استهلاكهم.
ويتوقع محللو بنك "سوسييتيه جنرال" حدوث مشكلات متسلسلة في الإمدادات، بما في ذلك إغلاق المصافي وفرض قيود على الإنتاج، إذ إن المصرف رفع تقديراته لسعر النفط إلى 125 دولاراً للبرميل، محذراً من إمكان تجاوزه 150 دولاراً.
وقال محلل السلع في بنك "يو بي أس" جيوفاني ستونوفو إن "الاتجاه الأسهل حالياً هو نحو صعود أسعار النفط، ما لم تتعافَ التدفقات بصورة كبيرة".
وبدأت الدول الآسيوية بالفعل الشعور بتداعيات نقص الطاقة، فأعلنت الفيليبين حال طوارئ في قطاع الطاقة، بينما اعتمدت سريلانكا أسبوع عمل من أربعة أيام في المؤسسات الحكومية والمدارس، وحظرت بنغلاديش استخدام أجهزة التكييف لتبريد المباني إلى أقل من 25 درجة مئوية.
وحتى الصين التي تُعد من أكثر الدول استعداداً لهذه الأزمة بفضل احتياطاتها النفطية التي تكفي لأكثر من 100 يوم، اتخذت إجراءات للحد من ارتفاع أسعار البنزين والديزل.
عدم اليقين والأخطار الجيوسياسية
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن "جميع السيناريوهات تؤدي إلى زيادة الأسعار وتباطؤ النمو"، محذراً من أنه إذا استمرت التوترات في الخليج، فستظل الطاقة مكلفة وسيكون من الصعب كبح التضخم وسط استمرار حال عدم اليقين والأخطار الجيوسياسية.
وأوضح رئيس أبحاث السلع في "سوسييتيه جنرال" مايكل هاي أن زمن وصول الشحنات من الشرق الأوسط يحدد كيفية انتقال الصدمة عبر الاقتصاد العالمي، فالشحنات تستغرق نحو 10 أيام للوصول إلى الهند، ومن ثلاثة إلى أربعة أسابيع إلى أوروبا وغرب أفريقيا، وما يصل إلى ستة أسابيع إلى الساحل الأميركي على خليج المكسيك.
بالتالي، لا تصل صدمة الإمدادات إلى الأسواق في وقت واحد، بل تنتشر تدريجاً من الشرق إلى الغرب، مع تخفيف جزئي للأثر بفضل مستويات المخزون في كل منطقة.
وتحول مضيق هرمز بالفعل من ممر مائي مفتوح إلى نقطة اختناق تعتمد على التصاريح، حيث تمكنت سفن محددة وحسب، بخاصة التي تحمل بضائع إيرانية، من العبور.
واستطاعت سفينتان تابعتان لشركة الشحن الصينية "كوسكو" عبور المضيق، فضلاً عن بعض السفن الهندية، بينما سمحت طهران بمرور 20 سفينة تحمل العلم الباكستاني، وأقر البرلمان الإيراني خطة لفرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر المضيق.
وعلى رغم ذلك، لا يزال المضيق مغلقاً أمام معظم السفن، بعدما تعرض ما لا يقل عن 20 سفينة تجارية لهجمات في المنطقة، أسفرت عن سقوط قتلى من الطواقم، ولا يزال نحو 20 ألف بحار عالقين في الخليج، وفقاً للمنظمة البحرية الدولية.
وتحذر قوات الحرس الثوري الإيراني السفن بصورة متكررة من عبور المضيق عبر أجهزة الاتصال البحرية، إذ تتكرر هذه الإنذارات مع كل تصعيد.
وقال أحد البحارة الذي ظل عالقاً على متن سفينة غاز طبيعي مسال في الخليج لأربعة أسابيع لـ"وول ستريت جورنال" إن الطاقم رفض الإبحار على رغم ضغوط الشركة المالكة، مشيراً إلى أنهم لن يتحركوا إلا بعد إعلان رسمي من البحرية الإيرانية باستئناف الملاحة الطبيعية.
ويستحضر هذا الوضع ما حدث في أواخر عام 2023 عندما أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى تعطيل حركة الشحن عبر قناة السويس، مما أجبر السفن على سلوك طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، واستمر تراجع الحركة حتى بعد توقف الهجمات.
ضربة للنظام القانوني الدولي البحري
ويرى محللون أنه حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز، فإن استعادة حركة الملاحة الطبيعية ستستغرق أسابيع وربما أشهر، نظراً إلى الازدحام المتوقع.
وأوضحت مسؤولة التحليل في "أس أند بي غلوبال" ناتزنيت تيسفاي أنه ستكون هناك أولوية في العبور للسفن العالقة داخل الخليج، ثم تلك المنتظرة للدخول، مع إعطاء أولوية للشحنات الحيوية مثل الأسمدة، خصوصاً مع اقتراب موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، بينما ستأتي المنتجات النهائية مثل وقود الطائرات وزيت التدفئة في المراحل الأخيرة.
كما أن تسليم المضيق لإيران قد يمثل ضربة للنظام القانوني الدولي البحري الذي يقوم على مبدأ حرية العبور في الممرات الحيوية، وهو مبدأ تدعمه الأمم المتحدة.
وقال مدير مركز الدراسات الجيو-اقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية إدوارد فيشمان إن أحد أعمدة النظام الدولي يتمثل في ضمان الولايات المتحدة بقاء الممرات البحرية مفتوحة، مضيفاً أن "انتهاء هذه الحرب بسيطرة إيران على أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم سيشكل تراجعاً واضحاً عن هذا الدور، وستلاحظ الدول الأخرى ذلك".