التردي في الخدمات الصحية جراء تداعيات الحرب، بعد أكثر من عقد من الصراع في اليمن، يجعل ضحايا المرض والعجز في الحصول على العلاج أكثر بكثير من ضحايا نيران الصراع.
قد لا توجد أرقام دقيقة لمن يموتون عجزًا في توفير العلاج أو ضعفًا في الوصول إلى الخدمات، إلا أن واقع قطاع الخدمات الصحية وما تعرّض له خلال الحرب، وصولًا إلى ما صارت إليه حاله في الوقت الراهن، يؤكد أن عددًا كبيرًا من اليمنيين لا يستطيعون الوصول إلى هذه الخدمات، ونسبة كبيرة ممن يصلون إليها لا يستطيعون دفع تكاليفها في ظل تراجع مستويات الدخل وارتفاع مؤشرات الفقر في العقد الأخير.
وحسب دراسة حديثة، فإن نسبة الفقر ارتفعت في البلد من 49% عام 2015 إلى نحو 80% بحلول 2025، فيما تضاعفت البطالة لتصل إلى 35%، مما يؤشر للوضع الاقتصادي الحرج الذي يعيشه اليمنيون جراء تداعيات الحرب المختلفة، بما فيها إغلاق مطار صنعاء ومحدودية مرافق الخدمات الصحية، التي لم تشهد توسعًا أو تطورًا خلال أكثر من عشر سنوات بما يوائم الحاجة الفعلية، بل إن كثيرًا منها فقدت نسبة كبيرة من قدرتها التشغيلية، وبعضها اُغلق لتعرضه للدمار.
في عام 2026، تقول الأمم المتحدة، سيحتاج أكثر من 22 مليون شخص، بما في ذلك 10.95 ملايين من النساء والشباب، إلى مساعدة إنسانية وخدمات حماية.
وأشارت إلى أن "انعدام الأمن الغذائي الحاد لا يزال مثيرًا للقلق، إذ يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد".
وفي قطاع الرعاية الصحية، قالت: "لا تزال الخدمات الأساسية تعاني من ضغط شديد، حيث تعمل 59.3% فقط من المرافق الصحية بكامل طاقتها، وتبلغ نسبة التغطية الكاملة بالتطعيم 63%، ويستمر اليمن في مواجهة عبء كبير من الأمراض التي تُعرّض السكان لخطر الأوبئة".
وبالإشارة إلى الأوبئة، فاليمن خلال الحرب صار مستوطنًا بعدد من الأوبئة كالكوليرا، كما عادت أمراض كانت قد اختفت، مثل شلل الأطفال وغيره من الأمراض القاتلة.
ويعني عمل نصف المرافق الصحية فقط بكامل طاقتها أن نسبة من السكان تعجز عن الوصول إلى هذه الخدمات، وارتفاع مستوى الفقر يعني عجز كثير من السكان عن الحصول عن الخدمات الصحية في المرافق العاملة، بما فيها المرافق الخاصة، التي ارتفعت أسعار خدماتها بشكل كبير جدًا، مما يعني فقدان الكثير من المرضى لأرواحهم نتيجة عجزهم عن توفير قيمة الخدمات الصحية، في ظل محدودية خدمات المرافق الصحية الحكومية.
وهو ما يمكن قراءته، فيما يتم الإعلان عنه من حالات تحتاج للمساعدة لتوفير قيمة الرعاية الطبية على منصات التواصل الاجتماعي، وكثير من هؤلاء أسماء ذائعة الصيت من أدباء وصحافيين ومهنيين في مجالات مختلفة، ممن وصل بهم الحال إلى العجز عن توفير قيمة عملية جراحية أو توفير خدمات رعاية طبية مناسبة.
كما أن تداعيات الحرب تسببت في تراجع جودة الخدمات الصحية، وهو ما يعكسه بوضوح اتساع دائرة الشكاوى من حالات الأخطاء الطبية.
وفي مقدمة ضحايا التردي الناجم عن الحرب في الخدمات الصحية مرضى الأمراض المزمنة، بمن فيهم مرضى السرطان والفشل الكلوي وزراعة الكلى ومرضى القلب، وغيرهم ممن يحتاجون لكلفة عالية واستقرار اقتصادي لتوفير رعاية صحية مناسبة.
ويؤكد رئيس جمعية مرضى السرطان في اليمن، حميد اليادعي، لـ"القدس العربي" ارتفاع أعداد مرضى السرطان في بلاده خلال الحرب، مشيرًا إلى عدم وجود أرقام دقيقة، "إلا أن منظمة الصحة العالمية تحدثت عن 30 ألف إصابة جديدة سنويًا، ومؤشرات محلية تتحدث عن 9 آلاف إصابة سنويًا، بينما يبلغ عدد المسجلين 120 ألف حالة، وهؤلاء هم المسجلون لدى المركز الوطني للأورام ووحدات مكافحة الأورام في مناطق سيطرة حكومة “أنصار الله"، أما من لا يصلون إلى المركز والوحدات فأعدادهم قد تكون كبيرة".
وقال إن المركز والوحدات الحكومية المتوفرة تقدم الخدمات لمرضى السرطان مجانًا، لكن المشكلة هي في نقص الأدوية والأجهزة التشخيصية والأطباء، مطالبًا بفتح مطار صنعاء باعتباره أهم منفذ يمني للمرضى للخروج للحصول على خدمات علاجية في الخارج.
وأضاف: "معاناة مرضى السرطان في اليمن خلال الحرب والعدوان تتجاوز المعقول"، مؤكدًا أن "تداعيات الحرب والحصار جعلت معاناة جميع المرضى في اليمن مأساوية، وفي مقدمتهم مرضى الأمراض المزمنة".
ومن الطبيعي أن يتراجع مستوى الرعاية والخدمات الصحية في بلد يعيش الصراع منذ أكثر من عقد، فالحرب تلقي بظلالها على الصحة مثلما تفعل بمختلف مجالات الحياة، طبقًا لرئيس تحرير المجلة الطبية، معين النجري .
ويرى النجري، متحدثًا لـ"القدس العربي"، أن من أبرز مظاهر هذا الواقع "هجرة آلاف الكوادر الماهرة في المجال الصحي بمختلف فروعه، من أطباء ومساعدين وصيادلة ومختبرات، للعمل في بلاد المهجر، سواء في دول الخليج التي تقدم لهم أجورًا عالية مقارنة بما يحصلون عليها في اليمن أو حتى في الغرب".
واعتبر أن هجرة الكوادر الماهرة تركت فجوة في عمل المؤسسات الطبية، فاضطرت لتغطيتها بكوادر أقل كفاءة، وهذا أثر بشكل سلبي على مستوى الخدمات الطبية، وتسبب في زيادة الشكاوى من تعرض مرضى للأخطاء الطبية.
كما أشار إلى "تراجع كفاءة الكثير من الأجهزة الطبية خلال سنوات الحرب، إما لانتهاء المدة الافتراضية أو لتعرض بعض القطع للخلل أو التلف، ولم تحصل هذه الأجهزة على الصيانة اللازمة، التي تمكنها من الاستمرار في الخدمة بشكل مقبول".
وأشار إلى “إغراق السوق الدوائية اليمنية بأصناف ومنتجات متدنية الجودة، بعضها مجهولة المصدر وأخرى قادمة من دول معينة، وهذه الأدوية جاءت كبديل لأدوية أخرى لم يعد باستطاعة المواطن توفير قيمتها المرتفعة مقارنة بالأدوية الرخيصة، بالإضافة إلى تفاقم ظاهرة تهريب الأدوية، وما تتعرض له أثناء التهريب من ظروف غير مناسبة تتسبب، أحيانًا، في تراجع قوة فاعليتها”.
ووفق النجري، "خلال الأشهر الأخيرة، مُني الواقع الصحي، خاصة في المحافظات الشمالية، بانتكاسة كبيرة نتيجة مغادرة معظم المنظمات الدولية والأممية التي كانت تعمل في اليمن، مثل: اليونيسف، والصحة العالمية، وأطباء بلا حدود، وغيرها".
فقد "تسببت مغادرتها في تراجع مستوى الخدمات الطبية في المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية المدعومة من المنظمات بنسبة كبيرة"، تبعًا للمصدر.
(القدس العربي)