لا يزال منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط يواجهون صعوبة في إيجاد وتوسيع مسارات بديلة لصادراتهم، بعد نحو شهرين من الإغلاق الفعلي لـمضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري.
ولا يزال هناك غموض كبير في شأن موعد أو كيفية إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يستخدم الطرفان المضيق، وهو ممر مائي حيوي كان يمر عبره نحو 20 في المئة من نفط العالم قبل الحرب، كورقة ضغط في مفاوضات سلام متقطعة.
أدى الإغلاق المزدوج للممر إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة عالمياً، كما كشف هشاشة سوق الطاقة العالمية أمام إغلاق "نقاط الاختناق" مثل قناة بنما وقناة السويس، سواء كان ذلك بشكل عرضي أو متعمد.
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" في وقت سابق من هذا الشهر أن السعودية والإمارات ودولاً أخرى تدرس بشكل نشط إنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة موازية للبنية التحتية القائمة، إلى جانب توسيع موانئ التصدير على سواحل بديلة.
إنشاء خطوط أنابيب جديدة
ووفقاً لمسؤولين وخبراء في قطاع الطاقة، فإن إنشاء خطوط أنابيب جديدة، على رغم كلفته العالية واحتياجه لوقت طويل وتعقيداته السياسية في بعض الأحيان، قد يكون الخيار الوحيد أمام دول الخليج لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز والحد من الأخطار المستقبلية.
من جانبه، دعا المدير في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، لاندون ديرينتز، الإدارة الأميركية إلى دعم هذه المشاريع عبر التمويل. وقال في تحليل حديث للموقع الإخباري الألماني "دويتشه فيله"، "بدلاً من إجبار السفن على المرور عبر نقطة الاختناق، ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها بناء بدائل بسرعة"، مضيفاً أن السعودية أثبتت أن البنية التحتية البديلة يمكن أن تخفف جزءاً من الضغط، ويجب توسيع هذا النموذج بشكل كبير.
وقال المدير التنفيذي لـوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول لشبكة "سي أن بي سي"، إنه يشعر وكأنه "يعيد نفس التحذير مراراً"، داعياً الدول إلى تنويع مصادر ومسارات الطاقة منذ أعوام قبل الأزمة الحالية. وأضاف "اقتصاد عالمي حجمه 110 تريليونات دولار يمكن أن يُحتجز من قبل بضع مئات من الرجال المسلحين على طول 50 كيلومتراً من مضيق، هذا لا معنى له. يجب أن نصنع مسارات بديلة وخيارات أخرى".
وقالت كبيرة اقتصاديي الأسواق الناشئة في "أوكسفورد إيكونوميكس" لوسيلا بونيلا إن الحرب "سرّعت الاستثمار في طرق التفافية"، مضيفة أن بعض الدول تعيد توجيه صادراتها، مما قد يضعف الورقة الاستراتيجية لإيران.
تحديات أمنية قائمة
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تطوير مسارات بديلة يتطلب استثمارات ضخمة، ووقتاً طويلاً، واتفاقات بين دول متعددة، إلى جانب تحديات أمنية، بخاصة بعد استهداف إيران لمرافق طاقة في دول مجاورة.
وليس فقط صادرات الطاقة الخليجية، إذ يسعى المستوردون في مختلف أنحاء المنطقة جاهدين لتأمين طرق بديلة لنقل السلع الحيوية، من الغذاء إلى الأدوية ومستلزمات المصانع، في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يعيق حركة الموانئ في هذه المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال رئيس: هل تتجه دول الخليج، التي أصبحت أكثر حذراً من النفوذ الإيراني، إلى تسريع البحث عن بدائل لصادراتها النفطية وغير النفطية؟ أسئلة تطرح نفسها بقوة على طاولة المحللين وصناع القرار.
بدائل استراتيجية في مواجهة إغلاقات هرمز
قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد " تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار وضاح الطه، إن التجربة التي تمر بها المنطقة جراء إغلاق مضيق هرمز تُظهر أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك القدرة الكاملة على إعادة فتح المضيق خلال فترة قصيرة، مشيراً إلى أن القوة العسكرية الأميركية كفيلة بذلك في وقت وجيز.
وأضاف الطه أن مسألة الألغام البحرية قابلة للحل تقنياً عبر "روبوتات" تمتلكها البحرية الأميركية، إلا أن القضية أوسع من ذلك بكثير، موضحاً أن إيران أوقعت نفسها في "فخ"، إذ تعتقد أنها تسيطر على المضيق وتراهن على خلق ضغط داخلي داخل الولايات المتحدة على الرئيس دونالد ترمب، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بما يدفع واشنطن إلى قبول شروطها.
وفي المقابل، رأى الطه أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك اليد العليا، إذ فرضت طوق حصار بحري على إيران، يمنع ناقلات النفط الإيرانية من المرور أو الدخول والخروج عبر المضيق، مما يؤدي إلى خسائر يومية كبيرة لطهران، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل بحالة "تركيع اقتصادي".
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحرم أيضاً الصين من النفط الإيراني، في حين تضرر الاتحاد الأوروبي نتيجة عدم تدخله مع واشنطن لفتح المضيق، مما أدى إلى خسارته حصة كبيرة من النفط والغاز يصعب تعويضها من مصادر بديلة.
وفي ما يتعلق بالبدائل، أكد الطه أن أهمية مضيق هرمز قد تتراجع مستقبلاً، مشيراً إلى أن التجارب أثبتت على مدى عقود صعوبة الوثوق بإيران كشريك أو جار، مما يجعل من الضروري تطوير بدائل طويلة الأمد للدول المنتجة في المنطقة.
خطوط نقل بديلة
وأوضح أن السعودية تمتلك خط أنابيب "شرق-غرب" بطول 1200 كيلومتر، يعمل حالياً بكامل طاقته، وينقل نحو 7 ملايين برميل يومياً من شرق البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتمتلك الإمارات خط أنابيب من حبشان إلى ميناء الفجيرة، وهو قابل للتوسعة. وأضاف أن الكويت قد تتجه إلى تطوير بدائل مماثلة، إلى جانب خيارات مثل مد خطوط أنابيب عبر سلطنة عُمان إلى بحر العرب، أو التوسع في خطوط البحر الأحمر، أو إنشاء خطوط تمر عبر سوريا إلى البحر المتوسط.
وفي ما يخص العراق، أشار إلى إمكانية مد أنابيب من البصرة إلى حديثة، التي تُعد نقطة محورية لتفرع الخطوط شمالاً نحو تركيا والبحر المتوسط، أو غرباً عبر سوريا إلى الأردن وصولاً إلى ميناء العقبة.
وأكد الطه أن الهدف من هذه المشاريع هو إنشاء شبكة أنابيب ضخمة قادرة على نقل الإنتاج اليومي، بما يتيح تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، بخاصة في حال تكرار إغلاقه من قبل إيران.
وأشار إلى أن المضيق قد يتحول مستقبلاً إلى ممر محدود الأهمية، مع إمكانية نقل السلع عبر طرق برية، بخاصة مع تطوير ممرات مثل "طريق التنمية" في العراق، وهو مشروع نقل استراتيجي بطول 1200 كيلومتر يربط ميناء الفاو بتركيا ومنها إلى أوروبا.
واختتم الطه بالتأكيد على أن تطوير بدائل استراتيجية لمضيق هرمز لم يعد خياراً، بل ضرورة لمواجهة أي إغلاقات مستقبلية وضمان استقرار إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
إغلاق مضيق هرمز يفاقم أزمة تصدير النفط
قال محلل الأسواق المالية أحمد حسن كرم إنه بعد مرور نحو شهرين على اندلاع الحرب في منطقة الخليج العربي، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز واستغلاله كورقة ضغط من قبل إيران، لا تزال معاناة تصدير النفط تتفاقم لدى معظم الدول الخليجية، بل حتى لدى إيران نفسها.
وأوضح أن العالم بأسره يواجه حالياً نقصاً حاداً في إمدادات النفط نتيجة صعوبة خروجه عبر المضيق، مما أدى إلى توقف جزء كبير من التدفقات اليومية، وهو ما ينذر بتأثيرات سلبية قريبة على النمو الاقتصادي العالمي وعلى عمل المصانع، ما لم يجرِ التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار كرم إلى أن البدائل المتاحة لنقل النفط محدودة للغاية، بل شبه مستحيلة بالنسبة لدول مثل الكويت والبحرين وقطر، في حين تمتلك دول مثل الإمارات والسعودية وسلطنة عُمان منافذ بديلة، لكنها تعمل بطاقة أقل مقارنة بمضيق هرمز.
وأكد أن هذه الأزمة تمثل درساً مهماً يجب أخذه بعين الاعتبار مستقبلاً، داعياً الدول الخليجية إلى تسريع اتخاذ تدابير احتياطية، بما في ذلك تطوير طرق تصدير بديلة، مثل استخدام موانئ البحر الأحمر أو منافذ أخرى في الإمارات وسلطنة عُمان، إضافة إلى التفكير في تخزين النفط في الدول المستهلكة أو في مراكز قريبة من الأسواق لتقليل تأثير أي اضطرابات مستقبلية.
البنية التحتية البديلة قد تستغرق أعواماً
قال المحلل الاقتصادي الكويتي محمد رمضان، إنه في حال النظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي الست ككتلة واحدة، فإن هناك موقعين أساسيين للتصدير، أولهما جنوب سلطنة عُمان، إذ يمكن المرور مباشرة عبر بحر العرب والمحيط الهندي ومن ثم إلى شرق آسيا بسهولة.
وفي الوقت ذاته، أشار إلى إمكانية التصدير عبر ينبع في السعودية أو مدن أخرى، مروراً بقناة السويس وصولاً إلى أوروبا، مما يعني وجود مسارين رئيسين يمكن الاعتماد عليهما لتجاوز الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.
وأضاف رمضان أن تحقيق ذلك يتطلب بنية تحتية متكاملة، موضحاً أن التنفيذ سيكون تدريجاً، بدءاً بخطوط أنابيب لنقل النفط، ثم الغاز، يليها خطوط لنقل البضائع.
وأوضح أن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى فترة زمنية طويلة، مرجحاً أن يتحقق ذلك في حال استمرار التهديدات الإيرانية أو فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، بما يؤدي في النهاية إلى تراجع الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمضيق.
ورأى رمضان أن الاستثمار في إيجاد طرق بديلة قد يستغرق ما بين 5 و10 أعوام، وبعدها ستتراجع جدوى مضيق هرمز بشكل كبير، ولن يبقى مصدر تهديد رئيساً للتجارة العالمية.
وختم بالقول، "إنه إذا استمر النظام الإيراني في إغلاق المضيق أو فرض قيود عليه، فإن ذلك سيدفع إلى تسريع إيجاد بدائل، سواء عبر طرق بحرية أو برية، بعيداً من مضيق هرمز وكذلك عن باب المندب، خصوصاً في ظل النفوذ الإيراني غير المباشر في هذا الممر (تهديدات الحوثي)"، مؤكداً أن هذه البدائل ستصبح أمراً واقعاً إذا استمرت التهديدات.
استثمارات كبيرة في توسعة خطوط الأنابيب
قال المحلل المالي حسن الريس إن إغلاق مضيق هرمز منذ نحو شهرين وضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار غير مسبوق للحفاظ على تدفقات صادراتها من النفط والغاز، بالتوازي مع تأمين احتياجاتها من الواردات، مشيراً إلى أن الأزمة فتحت نقاشاً أوسع حول البدائل المتاحة وإمكانية إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والمالية في المنطقة.
وأوضح أن خطوط الأنابيب تمثل الخيار الأكثر واقعية حالياً، وعلى رأسها خط "شرق–غرب" السعودي الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر مثل ينبع، إضافة إلى خط "حبشان–الفجيرة" في الإمارات، مؤكداً أن هذه البنية تشكل العمود الفقري للبدائل لكنها لا تستطيع استيعاب كامل حجم الصادرات الخليجية.
وأضاف أن إعادة التوجيه عبر البحر الأحمر يظل خياراً قائماً من خلال التصدير عبر قناة السويس، إلا أنه يواجه تحديات تتعلق بازدحام الملاحة والأخطار الأمنية، فيما توفر الموانئ البديلة خارج المضيق مثل الفجيرة والدقم وصلالة تنويعاً استراتيجياً مهماً، لكنها تعتمد بشكل كبير على الربط البري أو شبكات الأنابيب.
وأشار الريس إلى أن مشاريع السكك الحديدية الخليجية تمثل عنصراً لوجيستياً مكملاً يمكن أن يسهم في نقل البضائع إلى موانئ بديلة وربط دول الخليج بمسارات جديدة، مع ما توفره من كفاءة وسرعة أعلى، لكنه لفت إلى أنها غير مناسبة لنقل النفط بكميات ضخمة ولا تزال في مراحل التطوير.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، شدد على أن الأزمة أبرزت ضرورة تقليل الاعتماد على الواردات عبر تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي باستخدام التقنيات الحديثة مثل الزراعة الرأسية والبيوت المحمية وتحلية المياه، بهدف رفع مرونة الاقتصاد الغذائي وتحسين القدرة على مواجهة الأزمات.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد استثمارات كبيرة في توسعة خطوط الأنابيب وتطوير الموانئ وتسريع مشاريع السكك الحديدية وتعزيز البنية التحتية اللوجستية متعددة المسارات، مستبعداً في الوقت ذاته فكرة إنشاء ممرات بحرية جديدة نظراً لارتفاع كلفتها وتعقيداتها.
ولفت إلى أن تداعيات إغلاق المضيق تمتد إلى الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إذ ستتجه هذه الدول إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية من النفط وتنويع مصادر الطاقة والتوسع في البدائل مثل الغاز والطاقة المتجددة، بما يعيد تشكيل مفهوم أمن الطاقة عالمياً.
وأشار كذلك إلى أن دول الخليج ستعمل على تعزيز احتياطاتها المالية عبر زيادة الأصول من العملات الأجنبية وتنويع استثماراتها نحو الذهب والمعادن الثمينة، بهدف امتصاص الصدمات الاقتصادية والحفاظ على الاستقرار المالي.
واختتم الريس بالقول، إن مضيق هرمز سيظل نقطة اختناق استراتيجية يصعب تعويضها بالكامل، لكن الأزمة الحالية تدفع العالم نحو نظام اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، سواء من حيث مسارات التصدير أو استراتيجيات الطاقة أو إدارة الأصول السيادية.
(اندبندنت عربية)