17 مايو 2026
17 مايو 2026
يمن فريدم-إشراق علي عبدالله


عادت أزمة تسريب وبيع مواد الإغاثة المخصصة للنازحين والمحتاجين في السودان للظهور مجدداً، وسط اتهامات متزايدة بوجود شبكات فساد تستغل الأوضاع الإنسانية.

وتأتي هذه الأزمة في وقت يعيش السودان أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث بسبب الصراع الدائر بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من ثلاثة أعوام.

وكانت حكومة ولاية النيل الأبيض جنوب البلاد أقرت ببيع نحو 14 ألف شحنة من المساعدات الإنسانية شملت الدقيق والسكر بغطاء سري، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الغضب، إذ إن هذه المساعدات مخصصة للمتضررين من الحرب وليس من حق أي جهة التصرف فيها.

وبحسب ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين تداولوا معلومات حول الحادثة على أوسع نطاق، لناحية أن الكميات التي جرى التصرف فيها كانت ضمن مخزون مخصص لدعم الأسر النازحة في الولاية، في وقت تشهد مناطق من السودان أوضاعاً معيشية قاسية ونقصاً حاداً في المواد الإغاثية، مما يعكس تآكل منظومة الحماية الاجتماعية، علاوة على هشاشة مؤسسات الدولة في ظل الحرب، مطالبين بفتح تحقيق عاجل للكشف عن الجهات المتورطة وكيفية التصرف في العائدات المالية من عملية البيع.

ومع غياب التحقيقات والمحاسبة نتيجة الفوضى التي تعيشها البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الواقعة ستغير إدارة ملف الإغاثة الغامض في السودان أم إنها ستنضم إلى سلسلة طويلة من التجاوزات والشبهات التي لم تجد طريقها للعدالة؟

اعتماد وتراجع

تقول المواطنة النازحة من شمال دارفور إلى ولاية النيل الأبيض مها عبد الرؤوف، إن "الانتهاكات البشعة التي طاولت سكان مدينة الفاشر عقب سقوطها على يد ‘الدعم السريع‘، كانت سبباً للهرب والنزوح إلى ولاية النيل الأبيض نسبة لقرب المسافة والإقامة في أحد معسكرات الإيواء التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية".

وأضافت عبدالرؤوف، "بالفعل كنا نستلم صناديق الإغاثة منذ بداية نزوحنا باستمرار، إلا أنها تراجعت بصورة كبيرة، وحتى التي يجري توزيعها لا تكفي لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد، مع علمنا أن البلاد تتلقى كميات وافرة من المواد الإغاثية، لكن من المؤسف أن تضل طريقها إلى المستحقين، إذ لا يتبع في توزيعها صوت الضمير الإنساني على رغم أن الأسر تعتمد عليها بشكل أساس".

وتابعت "من المؤسف أن نرى صناديق الإغاثة وعليها شعارات الجهة المانحة في الأسواق تكتظ بها المحال التجارية، وعند توفر المال لدينا نشتري بعض الحاجات الأساسية منها".

وزادت النازحة بحزن عميق "أشعر بألم يختلجني وأطفالي في كثير من الأحيان يتضورون جوعاً، مما دفعني إلى البحث عن عمل من أجل توفير لقمة العيش".

غياب التحقيقات

من جهته، رأى الناشط المجتمعي عادل خضر أن "تصرف حكومة ولاية النيل الأبيض في مواد الإغاثة وبيع آلاف الصناديق من السكر والدقيق، بحسب ما تداوله ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما أن هذه الكميات كانت في الأصل مخزوناً مخصصاً لدعم العائلات النازحة في الولاية، تصرف غير مسؤول في ظل تراجع مقلق في قدرة المنظمات الإنسانية للوصول إلى المحتاجين، في وقت تستقبل هذه الولاية أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق شديدة النزاع".

وأضاف خضر "في الحقيقة أن هذه السابقة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبق أن شهدت مدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر تسريب مواد إغاثة للأسواق، بينما أصابع الاتهام في كل حادثة توجه إلى المسؤولين في الحكومة باستغلال المساعدات الإنسانية في سياق الأزمة الإنسانية المتفاقمة".

وأردف "منذ بدء الصراع يجري تسريب وبيع مواد الإغاثة مسبقاً وتحويلها إلى تجارة بدلاً من توزيعها على المستحقين، وهذا مؤشر صارخ إلى أن النازحين يعيشون بلا حماية اجتماعية، علاوة على فوضى وفساد في مؤسسات الدولة في ظل غياب المساءلة".

ومضى الناشط المجتمعي قائلاً "لا بد من فتح تحقيق بصورة عاجلة للكشف عن الجهات التي تتخذ مثل هذه القرارات، حتى تكون هناك رؤية واضحة حول أين تذهب العائدات المالية جراء عمليات البيع".

انعدام الثقة

في السياق، قالت الناشطة في مجال العمل الإنساني تبيان فتحي، "في تقديري أن أي تصرف أو تلاعب في مواد الإغاثة التي وصلت البلاد على هيئة جسور براً وبحراً وجواً تهدد بانعدام الثقة في المنظومة التي تقف على الإغاثة بالكامل".

ولفتت فتحي إلى أنه "من حين لآخر نسمع عن أحاديث على أوسع نطاق بشأن تسريب الإغاثة سواء من خلال عطاءات أو طرحها في الأسواق بصورة مباشرة. وفي كلتا الحالتين تضاعفت معاناة المواطنين النازحين الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية معقدة في مراكز الإيواء، إذ يتهددهم البقاء على قيد الحياة، بخاصة وأن غالبيتهم يتناولون وجبة واحدة في اليوم".

وأشارت إلى أنه "بحكم عملنا الإنساني ذهبنا إلى الأسواق بخاصة سوق أم درمان لنسأل التجار عن مصدر هذه البضائع، وهي تملأ رفوف المحال التجارية ويجري استخدامها لأغراض تجارية. وكما توقعنا لم نجد رداً قاطعاً، مما يعكس حجم التلاعب والفساد من جهات نافذة تملك القرار".

ونبهت الناشطة في مجال العمل الإنساني إلى أن "التقارير الدولية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تؤكد حدوث مجاعة في البلاد، وحاجة نحو 24 مليون شخص لمساعدات عاجلة. من وجهة نظري لو اتبعت النزاهة في توزيع المواد الإغاثية وضمان تسليمها للمتضررين لما كان هناك جائع في السودان، إذ يستوجب من حكومات الولايات، التي تحدث فيها مثل هذه الوقائع، الخروج من هذا الصمت وعدم رفض الإقرار والتبريرات المموهة".

شبكات مستفيدة

تأتي هذه التطورات في وقت تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة في إيصالها إلى الأسر التي تعاني هشاشة اقتصادية بسبب الحرب المستمرة.

في المنحى نفسه، قال المتطوع أمين عبدالقادر الذي عمل في إحدى المنظمات الإنسانية إن "ما حدث في ولاية النيل الأبيض من تصرف في مواد إغاثية، خلق مخاوف من وجود شبكات تستفيد من الأزمة الإنسانية لتحقيق أرباح على حساب المدنيين".

وأوضح أن "مثل هذه التصرفات تؤدي إلى تعقيد عمل المنظمات الدولية والدول المانحة في بلد صنف بأنه يعيش أسوأ الأزمات الإنسانية، في ظل عرقلة المساعدات ومحاولات المنظمات التي تهتم بالشأن الإنساني في السودان لإيصال المساعدات. ومن المعلوم أن ولاية النيل الأبيض باتت تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين".

وأشار المتطوع إلى أن "النازحين يعيشون واقعاً مزرياً بسبب بيع المساعدات الإنسانية والثمن يدفعه المواطن، إذ من المفترض أن تكون المواد الإغاثية خط نجاة لا سلعة في الأسواق".

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI