منذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2014، واجهت البلاد معارك استهدفت القطاع الثقافي برمّته، وخصوصاً المواقع التراثية، كما أدت إلى ارتفاع عمليات سرقة وتهريب القطع الأثرية.
وبينما تراجعت حدّة القتال بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 2022، ما يزال شمال اليمن هدفاً لعمليات القصف الإسرائيلي رداً على دعم جماعة الحوثي لغزة.
في سبتمبر 2025، ألحقت غارات إسرائيلية أضراراً بالمتحف الوطني ومناطق أخرى في صنعاء، ما أسفر عن وقوع عشرات الضحايا. ومن بين المواقع التي استهدفتها إسرائيل، حي صلاح الدين ومسجده الذي يعود للقرن السابع الميلادي، والذي يتميّز بمئذنته الشهيرة ذات الزخارف البديعة من العصر العثماني.
موجة نهب وإهمال
وأكد وزير الثقافة اليمني، مطيع أحمد قاسم دماج، الذي تمّ تعيينه حديثاً في الحكومة اليمنية لموقع "The Art Newspaper"، الاثنين، أن اليمن "يواجه موجة نهب واسعة النطاق، ومواقع تراثية مهملة، ومجتمعاً منهكاً بعد أكثر من عقد من الحرب".
وقال: "الأخبار عن اليمن تصوّر الوضع السيئ، لكنها لا تصوّر تراثنا ولا ثقافتنا. نحن بلد غني جداً بالموسيقى والشعر والروايات والتاريخ والمواقع التاريخية. عندما أقول إننا نسعى لاستعادة الموارد، فأنا لا أعني المال فحسب، بل أعني أيضاً الثقافة. اليمن في وضع حرج للغاية. نحن بحاجة إلى صوت العالم".
وأشار دماج إلى الفعاليات التي تستمر "من دون أن يلاحظها أحد في الخارج، مثل القمة الثقافية التي عُقدت أخيراً في حضرموت، في وادي الواحة الداخلية المتاخمة للسعودية، وأسبوع الثقافة في عدن، ومؤتمر التراث في تعز، الذي عُقد في اليوم العالمي للتراث (18 أبريل).
كما أعلن "عن قرب إعادة افتتاح دار السينما في عدن، التي يعود تاريخها إلى ثلاثينيات القرن الماضي".
وبحسب الموقع نفسه، من أولى مهام دماج تأمين اتفاقيات دولية مع الدول التي تمّ تهريب القطع الأثرية اليمنية إليها بطرق غير مشروعة. "ويُجري وزير الثقافة مفاوضات مع ألمانيا والولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا، ولكن نظراً لأن هذه الاتفاقيات حكومية دولية، فعليه أولاً إقناع حكومته بأن هذه العقود تمثل أولوية بالنسبة لها".
ولفت إلى أن "متاحف اليمن يجب أن تكون آمنة بما يكفي لاستقبال هذه القطع الأثرية، وهو أمر بالغ الصعوبة". مشيراً إلى أن ميزانية قسم المتاحف في وزارته "لا تتجاوز الألف دولار شهرياً".
12 عاماً من الأزمات
ونشرت منظمة اليونسكو تقريراً مفصلاً في أبريل، تناولت فيه التحديات التي يواجهها التراث الثقافي في اليمن جاء فيه: "بعد أكثر من 12 عاماً من الأزمة الإنسانية في اليمن، لا يزال الوضع حرجاً. فقد تضررت مئات المواقع التراثية، وانقطع 2.5 مليون طفل عن الدراسة، وتواجه 6.2 مليون امرأة وفتاة مخاطر متزايدة نتيجة محدودية فرص التعليم والعمل والأمان والمشاركة المدنية".
وبحسب اليونسكو، فإن التراث الثقافي اليمني ما يزال يؤدي دوراً حيوياً في دعم المجتمعات والتعافي. ومن خلال برامجها، "وصلت اليونسكو إلى أكثر من 12 مليون شخص عبر التوعية الثقافية، بينما جرى تقييم أكثر من 21 ألف مبنى تراثي، وإنجاز أكثر من ألف دراسة فنية لتوجيه جهود الحفظ والترميم".
كما جرى ترميم أكثر من 900 مبنى تاريخي، من بينها مواقع مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي المعرض للخطر: مدينة صنعاء القديمة، ومدينة شبام القديمة المسوّرة، ومدينة زبيد التاريخية. إضافة إلى ذلك، جرى ترميم 5 متاحف، من بينها متحف قصر سيئون الشهير، بدعم وتمويل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
50 مليون دولار
وكانت اليونسكو أطلقت بدعم من الاتحاد الأوروبي، مبادرة "توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن"، درّبت من خلاله ووظّفت أكثر من 10 شاب يمني، 12% منهم نساء، من خلال مشروعات ترميم التراث التي تشمل ليس فقط الأماكن العامة، بل أيضاً المنازل التاريخية والمساحات العامة، بهدف تحسين ظروف المعيشة.
وتخطط المنظمة لجمع نحو 50 مليون دولار لتوسيع نطاق الدعم المقدم للتعليم وسبل عيش الشباب والتوظيف في جميع أنحاء البلاد، وحماية التراث الثقافي، وتعزيز تعافي المجتمعات، وخلق فرص مستدامة للأجيال القادمة، بحسب التقرير.
تُعدّ العاصمة اليمنية من أقدم مدن العالم، وتعتبر تعز المدينة الثقافية لليمن. وكانت محافظة مأرب، شرق صنعاء، موطناً لمملكة سبأ، وهي قوة إقليمية امتدت من حوالي الألف قبل الميلاد إلى 800 قبل الميلاد حتى عام 275 ميلادي، ولا تزال ذكراها حاضرة في المخيلة الشعبية من خلال الملكة سبأ.