3 يونيو 2026
3 يونيو 2026
يمن فريدم-أماني الطويل


حين أطلق رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان دعوته إلى حوار وطني داخلي بعيداً من أي رعاية خارجية، بدا الأمر للوهلة الأولى تأكيداً لمبدأ السيادة الوطنية واستعادة للقرار السوداني من براثن التدخل الخارجي.

غير أن المتأمل في هذه الدعوة يدرك أن ما تكشفه أعمق بكثير مما تعلنه، إذ تعكس في جوهرها توظيفاً ضمنياً بفشل منظومة الوساطة الإقليمية والدولية التي أنيط بها التعامل مع الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023.

وفي السياق ذاته، يكشف هذا الإقرار عن حقيقة مزعجة مفادها أن الاعتراف بفشل الوسيط لا يكفي وحده لإنجاح الحوار، إذ ثمة شروط موضوعية غائبة لا يمكن تجاوزها بأي خطاب سيادي، ولا استخدام الشعارات الوطنية.

إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حرب بين طرفين متنازعين على السلطة، بل هو اختبار دموي وفاضح لمنظومة الحوكمة الدولية والإقليمية بأكملها. ومن هذه الزاوية تحديداً، تستحق دعوة البرهان أن تكون مدخلاً لتشريح أزمة أعمق وأشمل على المستويين الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع إخفاقات المؤسسات الدولية مع عجز المنظمات العربية والأفريقية، لتنتج فراغاً مروعاً في إدارة أكبر كارثة إنسانية في العالم.

الشلل الدولي في الأزمة السودانية

لم يشهد النظام الدولي أزمة ثقة بمؤسساته الأمنية بهذا العمق منذ حقبة الحرب الباردة. فمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أسس ليكون حارس السلم الجماعي بات أسير الاستقطاب الجيوسياسي بين القوى الكبرى، ويتحول ملف السودان تدرجاً إلى ورقة في لعبة دولية أكبر من حجم الأزمة الإنسانية ذاتها.

فروسيا التي تنسج علاقات وطيدة مع أطراف في الخرطوم تتحاشى أي ضغط دولي ملزم، فيما تتعامل الصين مع ملف السودان من منظور مصالحها الاستثمارية في قطاعي النفط والبنية التحتية، وهي مصالح تجعلها حريصة على الإبقاء على خطوط مفتوحة مع جميع الأطراف بلا استثناء.

والأشد إيلاماً أن هذا الشلل المؤسسي الدولي يتجسد في خذلان مادي فاضح لا يمكن التستر عليه فلم يتم الوفاء من جانب الدول المانحة إلا بنسبة هزيلة من تعهداتها المالية لخطة الاستجابة الإنسانية للسودان، التي تجاوزت الفجوة التمويلية فيها المليار دولار وفق أحدث تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا". إنه خذلان مضاعف، صمت سياسي وتقصير مالي في مواجهة كارثة إنسانية باتت الأكبر على مستوى العالم.

ويزيد المشهد تعقيداً أن المبعوثين الدوليين المتعاقبين على الملف السوداني يجدون أنفسهم يعملون في فراغ صلاحيات حقيقية، يجولون العواصم ويصدرون البيانات ويعقدون المشاورات، لكنهم يفتقرون إلى أدوات الضغط الفعلية التي تحول الكلام الدبلوماسي إلى وقائع ملموسة على الأرض. وهو نمط تكرر في ليبيا واليمن وغيرهما مما يكشف عن أن الأزمة ليست ظرفية أو مرتبطة بكفاءة مبعوث بعينه، بل هي أزمة هيكلية في بنية النظام الدولي نفسه.

جامعة الدول العربية: غياب عن أكبر أزماتها

تمثل الأزمة السودانية اختباراً حقيقياً وقاسياً لجامعة الدول العربية يكشف عن هشاشة بنيتها في مواجهة الملفات الحارقة.

فالسودان، العضو المؤسس في المنظمة، يشهد حرباً دموية راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، ودمرت مدناً بأكملها، وحولت الخرطوم العاصمة إلى ركام في بعض أحيائها. ومع ذلك لم تستطع الجامعة الإسهام الفاعل في إدارة الأزمة عبر أدوات الوساطة والضغط الجماعي التي تملكها نظرياً.

ويعود هذا الغياب إلى ما هو أبعد من مجرد افتقار الإرادة السياسية، إذ يعكس تبايناً واضحاً في تقدير المشهد السوداني بين عواصم عربية مؤثرة، كل منها تحركها اعتبارات استراتيجية خاصة وحسابات مصالح متشعبة.

وقد تحول البيت العربي إلى ساحة لتبادل التأثير والنفوذ بدلاً من التوافق على الحد الأدنى من المواقف الجماعية، لذا باتت الأدوار العربية في الملف السوداني تسير في مسارات متوازية ومتعارضة في بعض الأحيان، بدلاً من أن تتكامل في إطار مؤسسي موحد يعكس ثقلاً عربياً حقيقياً قادراً على التأثير في مسار الأزمة.

والأخطر في هذا السياق أن غياب الموقف العربي الجماعي يفرز فراغاً تملؤه قوى إقليمية ودولية تملك أجنداتها الخاصة في السودان، وتتعامل مع الملف السوداني من منظور مصالحها الاستراتيجية البعيدة المدى.

وهو ما يزيد من تعقيد مسارات التسوية ويطيل أمد الأزمة، في حين يدفع ثمن هذا الغياب ملايين السودانيين الذين يواجهون كارثة إنسانية متفاقمة دون أن تجد معاناتهم صدى عربياً جماعياً يرقى إلى حجم المأساة.

في السياق الأفريقي لا تبدو المؤسسات الأفريقية في وضع يختلف جوهرياً عن المشهد الدولي والعربي. فالهيئة الحكومية للتنمية إيغاد، المنوط بها قيادة جهود الوساطة في منطقة القرن الأفريقي، تعاني تناقضاً بنيوياً يضرب في صميم صدقيتها كوسيط: إذ ترتبط دول أعضاء وازنة فيها بعلاقات متشابكة وقديمة مع أطراف الصراع السوداني، مما يفقد المنظمة شرط الحياد الذي هو أولى مقومات الوساطة الناجحة وأهم ضماناتها.

وفي ما يتعلق بالاتحاد الأفريقي، فهو يعاني بدوره أزمة مزمنة تتمثل في الهوة بين خطاب الطموح ومحدودية الأدوات التنفيذية. صحيح أن الاتحاد طور في الأعوام الأخيرة مواقف أكثر جرأة في مسألة التدخل لاعتبارات إنسانية مقارنة بمنظمة الوحدة الأفريقية السابقة، إلا أن الهوة الشاسعة بين هذا الخطاب والفعل الفعلي على الأرض تظل عائقاً أساساً.

بالإضافة إلى تذرع عدد من الأعضاء بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية كلما واجهت المنظمة ملفات شائكة، مما يقيد قدرة الاتحاد على ممارسة ضغط حقيقي على أطراف النزاع.

والمحصلة الكلية أن ثلاث حلقات مؤسسية متداخلة ومركبة، دولية وعربية وأفريقية، تعجز كل منها منفردة ومجتمعة عن إنتاج وساطة فاعلة تضع حداً للحرب وتمهد لتسوية سياسية شاملة وعادلة. وهو فشل لا يمكن نسبته إلى قصور في الكوادر الدبلوماسية أو غياب الخبرة التقنية، بل هو انعكاس لأزمة في بنية النظام الدولي والإقليمي نفسه الذي لم تعد أدواته مناسبة لإدارة الصراعات الجديدة.

دعوة البرهان: ذريعة مشروعة لا بديل ناجع

في هذا السياق المركب من الفشل المؤسسي المتراكم، تبدو دعوة البرهان إلى حوار وطني داخلي تعكس رؤية الجيش السوداني لمسار الحل، إلا أن نجاح أي حوار يظل مرتبطاً بتوافر شروط سياسية وأمنية معقدة ترتكز على حقيقة موضوعية لا تقبل الجدل وهي أن المؤسسات الخارجية فشلت في إدارة الأزمة السودانية. غير أن الوجاهة الخطابية شيء والقدرة الفعلية على إنتاج حوار حقيقي شيء آخر مغاير تماماً.

فحوار وطني ناجح في سياق حرب أهلية متصاعدة يستلزم في أدنى مقوماته جملة من الشروط الموضوعية الغائبة حالياً عن المشهد السوداني. أولها إعلان عفو عام وشامل يضمن مشاركة آمنة لجميع الأطراف السياسية بما فيها القوى المنفية في الخارج والشخصيات المحكوم عليها.

وثانيها وقف إطلاق نار مستدام وموثق على امتداد الجغرافيا السودانية لا هدنات هشة تنهار فور توقيعها. وثالثها وجود طرف محايد يتولى إدارة العملية التفاوضية والإشراف عليها، وهو بالضرورة في المرحلة الراهنة طرف خارجي في ظل التفكك الذي أصاب مؤسسات المجتمع المدني السوداني جراء الحرب والنزوح الجماعي.

وهنا يتجلى التناقض الجوهري الذي يلقي بظلاله الثقيلة على الدعوة برمتها ويكشف عن محدوديتها: الحوار الوطني الداخلي الناجح يحتاج إتمامه إلى ضمانات دولية وإقليمية لا يستطيع توفيرها سوى ذلك الطرف الخارجي الذي تنفيه الدعوة في جوهرها. إنها حلقة مفرغة لا يمكن كسرها بالخطاب السيادي وحده، أياً كانت مشروعيته، طالما ظل الواقع الميداني السوداني رهينة ميزان القوى العسكرية لا مخرجات الحوار السياسي.

وهكذا فإن ما تكشفه الأزمة السودانية بأبعادها الكاملة هو مأزق حقيقي في بنية الحوكمة الدولية والإقليمية، إذ باتت المؤسسات القائمة بتناقضاتها الداخلية ومحدودية أدواتها واستقطاباتها الجيوسياسية عاجزة عن استيعاب تعقيدات الصراعات الراهنة ومواكبتها. وما دعوة البرهان إلى حوار داخلي إلا مرآة لهذا العجز المؤسسي الشامل، لا حل له.

إن المطلوب اليوم ليس إصلاحات جزئية في الآليات القائمة، بل إعادة تفكير جذرية في منطق الوساطة ذاتها. وذلك يستلزم تحالفات مرنة من دول فاعلة وغير منقسمة تجمعها مصلحة حقيقية في استقرار السودان، مع توظيف فاعل لمنظمات المجتمع المدني السوداني في المهجر التي تحتفظ بشبكات تواصل واسعة داخل البلاد، وأدوات ضغط اقتصادية مدروسة تمس مصالح الأطراف المتحاربة وتجعل الاستمرار في الحرب أكثر كلفة من التفاوض.

أما إغراء الحوار الوطني الداخلي المنزوع من شروطه الموضوعية الضرورية، فهو في أحسن الأحوال إعادة إنتاج للأزمة بلغة أقل دموية، وفي أسوأها إضفاء شرعية جديدة على واقع الحرب وتكريس للأمر الواقع الذي صنعته القوة العسكرية.

والضحية في كلتا الحالتين ملايين السودانيين الذين دفعوا ويدفعون ثمن فشل المؤسسات الدولية والإقليمية معاً.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI