13 يوليو 2026
آخر الاخبار
13 يوليو 2026
يمن فريدم-فخر العزب


تتحوّل الأفراح في اليمن التي يفترض أن تكون مناسبات للفرح، إلى مناسبات للحزن بفعل الرصاص الطائش الذي يجعل السماء مصدر خطر يهدد حياة آمنين، ومعظم المآسي تحصل في الأرياف.

يهبط رصاص طائش من سماء أفراح في اليمن ويقطف الأرواح من بين آمنين داخل منازلهم أو في شوارع قراهم، كما يتسبب في مئات الإصابات سنوياً، ويخلّف ندوباً وجروحاً لا تندمل.

وتتالى فصول الجنازات في ظل جهل القائمين على الحفلات، خصوصاً تلك الخاصة بالزواج، أو تجاهلهم أنها تزرع الموت في بيوت أخرى، والغياب شبه التام لأي إجراءات أمنية رادعة، واكتفاء السلطات بتوثيق الجرائم باعتبارها حوادث عرضية ضد مجهول.

وهكذا تتحوّل طقوس الابتهاج في اليمن مع مرور الوقت إلى "قنبلة موقوتة" تهدد حياة الجميع وتجعل الرصاص الطائش عنواناً دائماً للحزن في أنحاء البلاد.

لم يكن الطفل علي محمد راجح علاية (15 سنة) يكترث بأجواء الصخب والضجيج التي اجتاحت قريته "نوبة علاية" غربي تعز (جنوب غرب) في 30 مايو/ أيار الماضي، ووقف أمام دكان والده وسط القرية، وكان يراقب المارة في هدوء من دون أن يهتم بعرس جماعي ضم 14 عريساً في المنطقة، والذين حوّلوا السماء فوق رؤوس أهالي القرية إلى ساحة حرب مصغرة عبر إطلاق آلاف الطلقات النارية في وقت واحد.

وفجأة من بين كل تلك الضوضاء، هوت رصاصة طائشة من السماء في قدرِ محتوم، واخترقت جمجمة الفتى واستقرت قرب فكّه، وحوّلت في لحظة واحدة أجواء البهجة إلى صرخات فزع بعدما انسكب دمه المتدفق من رأسه على الأرض بغزارة.

وبدأت بعد ذلك رحلة معاناة قاسية رافقت عملية إسعافه إلى أحد مستشفيات مدينة المخا، إذ أمضى والده ساعات من البحث المضني عن أسطوانة أكسجين في ظل نقص الإمكانات في المنطقة، ثم نقله في حالة حرجة إلى مدينة تعز حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في اليوم التالي، لتتحوّل فرحة العرس الجماعي في المنطقة إلى مأتم حقيقي، في حين قيّدت قضيته، مثل آلاف الجرائم المشابهة، في دفاتر الجهات الأمنية باسم "ضد مجهول"، وتركت خلفها عائلة مفجوعة في انتظار عدالة لا تلوح في الأفق.

وليست مأساة علي سوى حلقة دموية جديدة في مسلسل لا يتوقف. وقبل يومين فقط كانت الطفلة بدور القادري (7 سنوات) التي تعيش عائلتها في مديرية بيحان بمحافظة شبوة (جنوب شرق)، على موعد مع القدر نفسه، إذ اخترقت رصاصة طائشة رقبتها، وأردتها قتيلة على الفور، وأغرقت فستان العيد الذي كانت ترتديه بالدماء وسط ذهول أسرتها.

وبالتزامن مع هذه الفاجعة كان الشاب موسى صالح الحطبي يلفظ أنفاسه الأخيرة في حارة الصبيرة بمدينة رداع بمحافظة البيضاء (وسط)، بعدما وقع ضحية لطلق ناري غادر استقر في جسده من دون أن يقترف أي ذنب.

ولا تقتصر المآسي على سقوط قتلى جراء الرصاص الطائش، بل تتفاقم لتخلّف إعاقات دائمة، كما حال عفاف ناجي (32 سنة) التي حرمتها رصاصة طائشة استقرت في رحمها الإنجاب إلى الأبد. وتقول عفاف ودموعها تسبق كلماتها لـ"العربي الجديد": "أصبت قبل ست سنوات برصاصة طائشة.

وبعد أشهر من خضوعي للعلاج اكتشفت أن الرصاصة أصابت الرحم، وأني لم أعد أستطيع الإنجاب. ولأنني أنا وزوجي لم نكن قد رزقنا بأطفال، استسلمت للأمر الواقع وسمحت له بالزواج كي لا يُحرم من الأبوة".

وهذه الندوب التي لا تندمل ليست حالات فردية نادرة، بل انعكاس لواقع يومي يضع المستشفيات والمراكز الصحية في حالة استنفار دائم لاستقبال سيل من الإصابات، حيث تتركز معظم الحالات في الرأس والرقبة والكتفين، متأثرة بسرعة الرصاص الطائش عند سقوطه في شكل عمودي على جسد الضحية.

في السياق، حذرت وزارة الداخلية في الحكومة المعترف بها دولياً من خطورة ظاهرة إطلاق النار العشوائي وتهديدها حياة المواطنين مباشرة وفي شكل مستمر.

وأعلنت إصابة 8 أشخاص، من بينهم 5 أطفال، في يوم واحد في 29 مايو/ أيار الماضي، في محافظتي شبوة وتعز، "ما يشير إلى العدد الكبير من الضحايا الذين يسقطون يومياً وتظل دماؤهم حبيسة إحصاءات غير مكتملة وقضايا تتقيّد دائماً ضد مجهول".

واللافت أن ضحايا الرصاص الطائش لا يسقطون في حفلات الزفاف وحدها، بل في كافة مناسبات التعبير عن الفرح في شكل انفعالي وغير منضبط. ومن أبرز تجليات الظاهرة الكارثية ما شهده اليمن خلال احتفالات الجمهور بفوز منتخب الناشئين ببطولة غرب آسيا عامي 2021 و2023، حين تحوّلت لحظات الفخر الوطني إلى مواسم للحزن في معظم المحافظات.

وفي عام 2021 وثقت وزارة الصحة العامة والسكان في صنعاء مقتل 5 أشخاص وإصابة 124 بالتزامن مع عشرات الإصابات المماثلة في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.

وتكرر السيناريو المأساوي في احتفالات عام 2023، حين أعلنت الأجهزة الأمنية والصحية في صنعاء مقتل امرأة وإصابة 32، من بينهم 13 شُخصت حالاتهم بأنها حرجة، بينما شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مقتل طفلة في محافظة شبوة وإصابة العشرات، ما عكس تحوّل الاحتفالات الوطنية إلى ساحات لاستنزاف الأرواح.

وليست ظاهرة إطلاق النار في حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية في اليمن طارئة، بل ممارسة متجذرة في الهوية القبلية والاجتماعية، فالمجتمع اليمني يرى غالباً في السلاح رمزاً للرجولة والنخوة والشهامة، ويربط بينه وبين المكانة الاجتماعية لحامله، كما يُعد إطلاق الرصاص من أسلحة متنوعة وسيلةً للتباهي والتفاخر بين أبناء القبائل الذين يحرصون على استعراض القوة خلال هذه المناسبات من دون أن يكترثوا بالعواقب الوخيمة التي قد تزهق أرواحاً بريئة.

واللافت أن انتشار السلاح المتفلت بكثافة والغياب شبه التام لمؤسسات الدولة منذ بدء انقلاب جماعة الحوثي وما تلاه من حرب لا تزال دائرة منذ عام 2015، فاقما الظاهرة وانتشارها بعبثية في ظل غياب قوانين رادعة تُجرّم إطلاق النار أو تفرض عقوبات صارمة على مرتكبيه.

وتكرر تحول حفلات زفاف إلى ساحة جريمة يصعب فك شيفرتها، إذ يجد ضحايا الرصاص الطائش أنفسهم أمام حواجز وموانع تحول دون وصولهم إلى الإنصاف أو الانتصار لقضاياهم.

وتُقيد القضايا غالباً ضد مجهول بسبب استحالة تحديد مصدر الرصاص القاتل وسط إطلاق نار عشوائي يشارك فيه عشرات المسلحين في وقت واحد، كما يفتقد الضحايا أي دليل جنائي يُدين الجناة الذين يتمتعون بحصانة اجتماعية واسعة.

ويرى الباحث الاجتماعي عارف الشميري، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "ظاهرة إطلاق الرصاص في المناسبات إحدى صور المفاهيم الخاطئة المتجذرة في المجتمع اليمني حول معاني الرجولة والشهامة والتعبير عن الفرح، بينما هي في الأصل امتداد للمظاهر السلبية للتباهي والتفاخر، إذ لا يمكن للإنسان السوي أن يعبّر عن فرحته بطريقة قد تتسبب في مآسٍ داخل بيوت آخرين".

يضيف: "تتنامى هذه الظاهرة، كما كل الممارسات السلبية، في ظل غياب الدولة ومؤسساتها. وإذا توفرت الأجهزة الأمنية والقضائية الرادعة التي تفعّل القوانين العقابية ضد المخالفين، وتزامنت مع تنفيذ حملات توعية مجتمعية، يمكن حينها القضاء على الظاهرة، أو على الأقل الحدّ منها إلى أدنى مستوى".

وفي ظل غياب أي دور رادع للجهات الحكومية، برزت في بعض مناطق تعز وإب ولحج ومحافظات أخرى مبادرات مجتمعية لمحاربة الظاهرة تمثلت في حملات توقيعات قادها وجهاء في قرى للالتزام بعدم إطلاق النار، والاكتفاء باستخدام الألعاب النارية.

وتضمنت هذه المبادرات عقوبات اجتماعية صارمة، منها إلزام العريس بدفع غرامة مالية في حال شهد عرسه إطلاق رصاص، واتخاذ موقف جماعي بامتناع الأهالي عن المشاركة في المناسبة.

وتتزامن هذه التحركات مع حملات توعية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد للتحذير من مخاطر إطلاق الرصاص في الأعراس، وما يترتب عليه من مآسٍ تطاول أرواح أبرياء، كما يقترن العجز القانوني بغياب تشريعات صارمة تُجرّم هذه الظاهرة، لم يسهم في تفشيها فحسب، بل عزز حالة التساهل المجتمعي تجاه هذا العبث القاتل.

في محافظة شبوة، أصدرت السلطات المحلية أخيراً قرارا يفرض غرامة 300 ألف ريال يمني على كل من يُطلق النار في الأجواء العامة أو المناسبات الاحتفالية، وذلك ضمن حزمة إجراءات أمنية مشددة تهدف إلى الحدّ من ظاهرة الرصاص الطائش.

وأوضحت أن حصيلة الغرامات المالية المُحصّلة ستُوجّه لغرضين إنسانيين وأمنيين، الأول تخصيص جزء منها لتغطية نفقات علاج مصابين تضرروا من الرصاص الطائش خلال الفترات الماضية، والثاني صرف حوافز مالية لأفراد الأمن تقديراً لجهودهم في حماية المواطنين خلال فترة العيد.

الرصاص الطائش في اليمن استهتار يمكن وقفه، ورغم أهمية المبادرات المجتمعية والقبلية فهي تظل عاجزة إذا لم تساندها إرادة أمنية حازمة تُفعّل القانون وتضع حداً للعبث، واستمرار تقييد الجرائم ضد مجهول يمنح الجناة الضوء الأخضر للاستمرار في وقت تظل دماء الضحايا تستصرخ ضمير الجميع لإنصافها وتناشد المجتمع ألّا يتسبب رصاص الأفراح بمآسٍ لآخرين.

(العربي الجديد)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI