"لقد عبرت سفينتنا المضيق بسلام". كانت هذه الكلمات آخر رسالة أرسلها هيرامب كارماركار إلى عائلته بعدما غادرت سفينته مضيق هرمز.
ولم يكن المهندس البحري البالغ من العمر 30 سنة يعلم أن تلك ستكون آخر رسالة نصية يبعث بها في حياته.
فبعد ساعات قُتل في هجوم إيراني استهدف سفينته "جي أف أس غالاكسي" التي ترفع علم قبرص، أثناء مرورها قبالة السواحل العمانية الأحد الماضي.
وظل كارماركار في عداد المفقودين أياماً عدة قبل أن تتلقى عائلته في الهند، الأربعاء الماضي، الخبر الذي كانت تخشاه.
وقال حموه فيفيك تاندون لصحيفة "ذا ناشيونال": "تلقينا رسالة تعزية من الشركة تبلغنا أن هيرامب لم يعد على قيد الحياة. الجميع يعيش حال صدمة، وكل ما نريده الآن هو استعادة جثمانه لإتمام مراسم دفنه".
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن السفينة، وهي ناقلة حاويات كانت متجهة إلى دبي وعلى متنها 24 فرداً من الطاقم، أصابها مقذوف مجهول خلال عبورها مضيق هرمز.
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران في فبراير/ شباط الماضي، تتعرض السفن لهجمات متكررة في إطار مساعي طهران لاستخدام المضيق ورقة ضغط لتعطيل إمدادات النفط وإرباك الاقتصاد العالمي.
ولم يكن كارماركار البحار الوحيد الذي لقي حتفه أثناء عبور المضيق، إذ قُتل ما لا يقل عن 16 بحاراً آخرين منذ اندلاع الحرب، معظمهم من الهنود.
وقُتل روهان كومار، البالغ من العمر 31 سنة، بعدما تعرضت ناقلتا النفط الإماراتيتان "مومباسا بي" و"الباهية" لهجوم الثلاثاء الماضي. وقال شقيقه مانيش كومار لصحيفة "هندوستان تايمز" إن روهان كان "يعمل بلا كلل في البحر" لإعالة أسرته، مضيفاً "تبددت تلك الأحلام الآن".
وعلى إثر ذلك، حظرت الهند على بحارتها العمل في مضيق هرمز حتى إشعار آخر.
ووفقاً للمنظمة البحرية الدولية، يوجد أكثر من 20 ألف عامل من جنسيات مختلفة في المنطقة، مع خطط لإجلاء ما لا يقل عن 6 آلاف منهم ما زالوا عالقين.
أولئك الذين لا يلقون حتفهم أو يصابون جراء الهجمات الإيرانية يواجهون أوضاعاً مروعة على متن السفن، إذ تؤكد نقابات عمالية لـ"اندبندنت" أن الأزمة تفاقمت لتتحول إلى كارثة إنسانية.
فعلى مدى أسابيع، بل وأشهر أحياناً، ترك البحارة من دون غذاء أو وقود لتشغيل الخدمات الأساس، بما في ذلك أجهزة التكييف، وسط درجات حرارة صيفية خانقة، فضلاً عن افتقارهم إلى الأدوية.
ويتحدر معظم هؤلاء البحارة من بلدان الجنوب العالمي، وتعتمد عائلاتهم كلياً على دخلهم. إلا أن كثراً منهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر، بحسب النقابات.
وخلف العناوين المتعلقة بتباطؤ الاقتصاد العالمي ونقص الوقود وتقلب أسعار النفط، تتوارى كلفة إنسانية باهظة.
ويقول منسق شبكة الاتحاد الدولي لعمال النقل في العالم العربي وإيران محمد الرشيدي: "هذا إفلات من العقاب. إنه صورة من صور العبودية الحديثة والاستغلال الممنهج. خصوصاً عندما يحرم الناس من الطعام والماء. هذه حقوق إنسان أساس".
ويؤكد الاتحاد الدولي لعمال النقل أنه تلقى منذ فبراير الماضي أكثر من 3 آلاف طلب استغاثة من بحارة عالقين.
ويوضح الرشيدي "هذا الرقم لا يمثل عدد الأفراد، فهو أعلى بكثير. كل اتصال يأتينا من شخص يمثل طاقمه، وقد يضم خمسة أشخاص أو 20 شخصاً".
عالقون في منطقة قانونية رمادية
وتتعلق معظم الطلبات بأجور غير مدفوعة أو الرغبة في العودة إلى الوطن، في حين ترتبط نحو 10% منها بمخاوف تتعلق بنقص الإمدادات والوقود.
ويقول الرشيدي إن العمال يعيشون في حال خوف دائم، في وقت تُركوا عملياً على متن السفن من دون حماية قانونية.
وبموجب الاتفاق البحرية لعام 2006، يعد أفراد الطاقم "متروكين قانونياً" إذا حرموا من الغذاء والماء والوقود والرعاية الطبية مدة شهرين في الأقل.
إلا أن تطبيق الاتفاق يواجه صعوبات كبيرة، إذ تتحول المياه الدولية في كثير من الأحيان إلى منطقة رمادية قانونياً.
وقد يضم طاقم السفينة جنسيات متعددة، فيما ترفع السفينة علم دولة لا تربطها صلة بميناء الوصول أو الشركة المشغلة، التي قد تكون بدورها مسجلة في دولة أخرى.
ويجعل هذا التشابك تحديد المسؤوليات عملية طويلة ومعقدة قد تمتد أشهراً قبل التوصل إلى حل.
وفي هذه الأثناء، يقول الرشيدي إن كثيراً من البحارة بلغوا حافة اليأس.
ويوضح "أخبرني أحدهم بأنه سينهي حياته إذا لم يجد حلاً. وهذه ليست الحالة الوحيدة التي وصلتنا منذ بدء الحرب، فالإنسان له حدود".
ويعاني آخرون أمراضاً مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، وقد بقوا أشهراً من دون دواء. ويحتاج أحدهم إلى مراجعة طبيب لاحتمال إصابته بمشكلة في البروستاتا بعدما بدأ يلاحظ وجود دم في بوله.
وتتفاوت استجابة شركات الشحن لهذه الحالات. فبعضها يطالب البحارة بدفع كلف تذاكر عودتهم إلى بلدانهم، والتي قد تتجاوز ألف دولار. وبالنسبة إلى بحار لا يتجاوز راتبه 200 دولار شهرياً، تبدو هذه المبالغ باهظة ومستحيلة التحمل.
ويروي الرشيدي حالة أحد العمال الذي طالب بإعادته إلى بلده، فبادرت الشركة إلى إبعاده من العمل وحصره داخل مقصورته.
ويعمل الاتحاد الدولي لعمال النقل ونقابات أخرى على تطوير آليات تفاوض جماعية تمنح البحارة حق رفض المرور عبر مضيق هرمز.
لكن آلاف العمال غير المنضوين في نقابات ما زالوا محرومين من الحماية، ويعملون بعقود هشة ولا يملكون معرفة كافية بحقوقهم. ويقدر عدد السفن العاملة خارج المظلة النقابية بنحو 15 ألف سفينة.
وتطالب النقابات بتعويضات للعاملين الذين تعرضت حياتهم للخطر أثناء أداء عملهم.
بحارة يلجأون إلى القضاء
وفي قضية وصفت بأنها سابقة من نوعها، رفع ثلاثة بحارة تايلانديين كانوا على متن السفينة "مايوري ناري"، التي تعرضت لمقذوف شمال سلطنة عمان في الـ11 من مارس/ آذار الماضي، دعوى قضائية ضد الشركة المشغلة للسفينة بتهم تتعلق بانتهاك حقوق العمال والفصل التعسفي.
وكان الهجوم قد أودى بحياة ثلاثة أشخاص، بينما جرى إنقاذ 20 آخرين.
وتستند الدعوى، التي رفعت مطلع هذا الشهر، إلى أن المدعين خاطروا بحياتهم عبر الإبحار في المضيق على رغم الأخطار الأمنية المعروفة، وفقاً لمحاميهم كونبات سينغاثونغ.
وبعد ذلك فُصلوا من العمل قبل انتهاء مدة عقودهم البالغة تسعة أشهر، وحصلوا على تعويض يعادل راتب شهرين فحسب، وهو ما يعدونه غير كافٍ.
وقال محاميهم كونبات سينغاثونغ قبل رفع الدعوى أمام المحكمة العمالية المركزية في بانكوك: "حاولنا التوصل إلى تسوية مع الشركة، لكنها رفضت تحمل أي مسؤولية، لذلك لم يعد أمامنا سوى القضاء".
وأضاف: "البحارة يعانون ضغوطاً نفسية هائلة وتأثراً عميقاً"، مشيراً إلى مقاطع مصورة التقطها العمال تظهر سفناً تحترق وتنفجر على مرأى منهم.
"سأموت هنا"
يقول الرشيدي إن أحد البحارة أصبح مهووساً بالخطر المحدق به، وكان يراسله كل ساعة أو ساعتين لمعرفة ما إذا طرأ أي تقدم على طلب إعادته إلى وطنه.
ويضيف أن آخرين بعثوا برسائل مختصرة ومؤلمة: "سأموت هنا".
وكثر أكدوا أنهم "لن يعودوا أبداً" إلى هذه المهنة التي يعاني العالم أصلاً نقصاً في العاملين بها، على رغم ازدياد الطلب عليها. ووفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يجري نقل أكثر من 80% من التجارة العالمية بحراً.
وقال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أنطونيو دومينغيز إن البحارة يشعرون بخيبة أمل، لأن الاهتمام الدولي بمضيق هرمز ينحصر في تداعياته على إمدادات النفط، لا في مصير العاملين العالقين في مياهه.
وأضاف في حديثه إلى "اندبندنت": "يشعرون بأن الإعلام يركز على الاقتصاد العالمي، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة، أكثر مما يركز على صحة وسلامة الأبرياء الذين يعملون على متن السفن لنقل هذه السلع الأساس".
ويشير دومينغيز إلى أن قطاع النقل البحري حافظ على استمرار الاقتصاد العالمي خلال جائحة كورونا، مستحضراً شعاراً رفعه العاملون آنذاك: "بدون شحن بحري... لن يكون هناك تسوق".
ويتابع: "الجميع يحب التسوق. لا نلتفت إلى البحارة إلا عندما نتأثر بالأزمة. هذا الصراع ينعكس علينا جميعاً، من خلال ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساس أو السلع التي نرغب في الحصول عليها".
ويشدد على أنه لا ينبغي استخدام النقل البحري "ورقة ضغط" في الصراعات الجيوسياسية.
ويقول: "ينبغي لنا جميعاً أن نرفع صوتنا للتأكيد أن الشحن البحري يجب ألا يتحول إلى أداة في النزاعات الدولية، لأن أثر ذلك لا يقتصر على أطراف الصراع وحدها، بل يطاولنا جميعاً".
ويدعو دومينغيز الناس إلى التفكير في البحارة العالقين كما لو كانوا أحد أفراد عائلاتهم.
ويضيف "كيف سيكون شعورك لو أن قريباً لك يمر بظروف كهذه؟ ستظل تفكر فيه طوال الوقت. هذا ما أتمناه من الجميع".
ويبدو الحل بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، بعدما تبادلت طهران وواشنطن الضربات حول مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن اتفاق السلام المرحلي الذي توصل إليه الشهر الماضي أصبح عملياً في حكم المنتهي.
وفي المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للتخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز، الذي يمثل أهم أوراقها التفاوضية.
ويرى دومينغيز أن استئناف الحوار بين واشنطن وطهران هو السبيل الوحيد لإنقاذ الاتفاق.
ويختم قائلاً: "يمكن للطرفين البناء على ما تحقق، ومعالجة أي نقاط تحتاج إلى توضيح. هذا هو جوهر العمل متعدد الأطراف. لكن الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة وإيران، فثمة أطراف أخرى يمكنها المساهمة في الحل، لأن تداعيات الأزمة تطاول الجميع".
(The Independent)