23 يوليو 2026
23 يوليو 2026
يمن فريدم-محمد عرسان


بين برميل النفط ووقود المفاعل، تعيد السعودية رسم خريطة طاقتها، فالبلاد التي بنت ثقلها الاقتصادي على إحدى أكبر احتياطات النفط في العالم، تتجه إلى استثمار مورد آخر تختزنه أراضيها، وتطوير سلسلة وقود نووي، تدعم إنتاج الكهرباء وبناء صناعة نووية، تسهم في تحقيق خططها التنموية.

ويكتسب هذا التوجه دفعة جديدة مع موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية يمتد لـ 30 عاماً، ويفتح أمامها باب التكنولوجيا والخبرات الأمريكية، ويضع خيار تخصيب اليورانيوم محلياً ضمن دراسة مشتركة.

وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) أن حكومة المملكة العربية السعودية وقّعت وحكومة الولايات المتحدة "اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين البلدين"، وذلك استكمالاً لما تم الإعلان عنه خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في شأن اكتمال المفاوضات في هذا الشأن، "وتعزيزاً للتعاون الثنائي في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة".

وأضافت "واس" أن الاتفاقية التي وقعها وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، مع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، تهدف إلى "تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يسهم في تطوير التعاون المشترك وفق أعلى المعايير الدولية ذات العلاقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي، ويعكس الرؤية المشتركة للبلدين نحو توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتقنيات المستقبلية ودعم التنمية المستدامة".

وتأتي الموافقة بعد تسعة أعوام من إطلاق الرياض "المشروع الوطني للطاقة الذرية"، لتلتقي طموحاتها في بناء قطاع نووي متكامل، مع مساعي واشنطن إلى توسيع حضورها في السوق السعودية، لتضيف الموافقة مساراً جديداً إلى الشراكة بين البلدين، في الطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن السعودية "شريك استراتيجي مهم" للولايات المتحدة، معتبراً أن إبرام اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية معها "أمر منطقي".

وقال للصحافيين، على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في مانيلا، إن الولايات المتحدة تواصل البحث عن فرص لإبرام اتفاقات للتعاون النووي المدني، موضحاً أن جميع هذه الاتفاقات تعرض على الكونغرس الأمريكي.

وأضاف أن أي اتفاق نووي مدني تبرمه واشنطن سيشمل ضمانات تمنع تحويله إلى برنامج للأسلحة النووية، مؤكداً أن "السعودية تسعى إلى امتلاك برنامج نووي سلمي ومدني"، وأن اتفاق التعاون معها "لن يفضي إلا إلى برنامج نووي مدني وسلمي".

الاتفاق الجديد

تقدر قيمة المشاريع المرتبطة بالاتفاق بعشرات مليارات الدولارات، وفق ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية، فيما تُمنح الشركات الأمريكية دوراً رئيساً في تطوير البنية التحتية النووية، وبناء المفاعلات، وتوفير المعدات والخدمات الفنية، ومن المقرر أن تحمل وثيقة الاتفاق توقيعي وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، تتويجاً لمحادثات أجراها الوزيران خلال زيارة رايت إلى الرياض في أبريل/ نيسان 2025، بعد توقيع اتفاق مبدئي بين البلدين.

وأبلغ مصدران وكالة "رويترز" أن إدارة ترمب تستعد لإحالة الاتفاق إلى الكونغرس، ضمن الإجراءات القانونية المنظمة لنقل التكنولوجيا والمعدات النووية الأمريكية إلى الدول الأخرى، ليأتي الاتفاق بعد أعوام من المفاوضات حول شروط إتاحة التكنولوجيا الأمريكية، وضمانات الأمن وعدم الانتشار النووي، فيما تنتظر الوثيقة التوقيع الرسمي ومراجعة الكونغرس، قبل دخولها حيز التنفيذ.

بوابة المادة (123)

ويستند التعاون النووي بين السعودية والولايات المتحدة إلى ما يعرف بـ "اتفاق المادة 123"، المنصوص عليها في "قانون الطاقة الذرية الأمريكي" الصادر عام 1954، والتي تمثل الإطار القانوني المنظم لنقل التكنولوجيا والمعدات والخدمات النووية الأمريكية إلى الدول الأخرى، ويتيح هذا الإطار للشركات الأمريكية المشاركة في مشاريع الطاقة النووية المدنية للدول الشريكة، شرط الالتزام بمتطلبات الأمن النووي، وضمانات عدم الانتشار، على أن يخضع كل اتفاق لمراجعة الكونغرس قبل دخوله حيز التنفيذ.

ويمثل خيار تخصيب اليورانيوم داخل السعودية أكثر عناصر الاتفاق حساسية، إذ تشير المعلومات التي نقلتها الصحيفة إلى إجراء دراسة سعودية - أميركية مشتركة مدة عامين، لتقييم الجدوى التجارية لإنشاء منشأة تخصيب داخل السعودية، مقارنة باستيراد الوقود النووي، وإذا خلصت الدراسة إلى جدوى المشروع، فقد يُسند بناء المنشأة إلى شركات أمركية، وفق ترتيبات رقابية وتقنية خاصة، على أن يبقى التنفيذ مرتبطاً بموافقات وقرارات لاحقة بين البلدين.

ووفق مصدر تحدث إلى "رويترز"، فإن الاتفاق يوفر مساراً قانونياً للتعاون في دورة الوقود النووي، بما يشمل تخصيب اليورانيوم، من دون إلزام الولايات المتحدة بنقل القدرات أو التقنيات المرتبطة به إلى السعودية، وتعني هذه الصيغة أن الاتفاق يفتح الباب القانوني أمام درس التخصيب المحلي، فيما يرتبط إنشاء المنشأة ونقل التكنولوجيا بنتائج التقييم والموافقات اللاحقة.

اختبار الـ 90 يوماً

بعد توقيع الاتفاق وإحالته إلى الكونغرس، تبدأ فترة مراجعة تمتد لـ 90 يوماً من الانعقاد المتواصل، وإذا انقضت المدة من دون اعتراض تشريعي، فإن الاتفاق يدخل حيز التنفيذ، ويتطلب تعطيله إصدار قرار مشترك من مجلسي النواب والشيوخ، وفي حال استخدام الرئيس حق النقض، يحتاج الكونغرس إلى غالبية الثلثين لتجاوزه.

وانضمت السعودية عام 1988 إلى "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، وتلتزم بموجبها بعدم تطوير أسلحة نووية، وقبول عمليات التفتيش الدولية، لكن واشنطن سعت خلال المفاوضات إلى ضمانات تتجاوز الالتزامات الأساسية الواردة في المعاهدة، ويتوقع أن تتركز الاعتراضات على غياب "المعيار الذهبي" و"البروتوكول الإضافي"، إضافة إلى المسار الذي يتيحه الاتفاق لدرس إقامة منشأة تخصيب داخل السعودية.

ويقوم "المعيار الذهبي" على تعهد الدولة الشريكة بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، وإعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، بينما يمنح "البروتوكول الإضافي" الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات تفتيش أوسع، وقدرة أكبر على التحقق من عدم وجود أنشطة نووية غير معلنة، فيما يثير غياب هذين الشرطين تساؤلات حول اتساق السياسة الأمريكية تجاه تخصيب اليورانيوم في المنطقة، خصوصاً بعد الحرب مع إيران، التي كان برنامج طهران للتخصيب من أسبابها، وفق "رويترز"، وبينما قد يواجه الاتفاق معارضة من أعضاء في الكونغرس، فإن مؤيديه يرون أن مشاركة الشركات الأمريكية في البرنامج تمنح واشنطن قدرة أكبر على متابعة تطوره، ضمن إطار قانوني ورقابي طويل الأمد.

المشروع الوطني

تعود البنية الأساسية للطموح النووي السعودي لعام 2017، حين أُطلق "المشروع الوطني للطاقة الذرية"، بهدف بناء قطاع آمن وفعال للطاقة الذرية السلمية، وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء والمياه المحلاة، وتحقيق الاستدامة، وتشرف "مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة" على المشروع، الذي صُمم في أربعة مسارات مترابطة، بحسب "المنصة الرقمية للموسوعة السعودية" (سعوديبيديا).

ويتمثل المسار الأول في تطوير المفاعلات النووية الكبيرة المخصصة لدعم الحمل الأساس للشبكة الكهربائية، بقدرة تراوح ما بين 1200 و1600 ميغاوات للمفاعل الواحد، ويشمل تهيئة موقع أول محطة نووية، وتجهيز بنيتها التحتية، وإجراء الدراسات الهندسية والفنية، وتأسيس الشركة النووية القابضة، فيما يركز المسار الثاني على توطين تقنيات المفاعلات النووية الصغيرة المدمجة التي يمكن تشغيلها في المناطق البعيدة من الشبكة الكهربائية، وتشمل المفاعلات عالية الحرارة المبردة بالغاز، ومفاعلات "سمارت" الملائمة لتحلية المياه والصناعات البتروكيماوية، والتطبيقات الحرارية.

أما المسار الثالث فيغطي دورة الوقود النووي، ويشمل تدريب الكوادر السعودية على استكشاف اليورانيوم وتطويره، وتوطين تقنيات إنتاج أكسيد اليورانيوم، إضافة إلى التنقيب عن خامات اليورانيوم والثوريوم، بينما يختص المسار الرابع بالتنظيم والرقابة، وهو ما قاد إلى إنشاء "هيئة الرقابة النووية والإشعاعية" عام 2018، لتتولى تنظيم الأنشطة والمنشآت النووية، والتحقق من الالتزام بمتطلبات الأمن والسلامة، وحماية الإنسان والبيئة، والوفاء بالالتزامات الدولية.

أول مفاعل أبحاث نووي

في عام 2018 دشنّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع مفاعل الأبحاث النووي منخفض الطاقة، والذي يهدف إلى إنشاء أول مفاعل أبحاث نووي في السعودية، وفق منصة "رؤية السعودية 2030"، من خلال دعم تصميم صناعة المفاعلات النووية وتطويرها، وتأهيل الكفاءات الوطنية لتشغيل مفاعلات الطاقة ونقل تقنياتها، في إطار مستهدفات "رؤية السعودية 2030".

ووُضعت مواصفات المفاعل وتصاميمه على أيدي كوادر سعودية من "مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية"، بمشاركة "مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة"، وبيوت خبرة عالمية، وصُمم المفاعل للعمل بقدرة 100 كيلووات، وينتمي إلى فئة مفاعلات الحوض المفتوح منخفضة الطاقة، المخصصة للأغراض البحثية والتدريبية، ويعمل بضغط منخفض، ويعتمد على الدوران الطبيعي في التبريد، وقد شارك في تصميمه أكثر من 30 باحثاً ومهندساً سعودياً، ويضم مرافق متخصصة للبحث والتشعيع والتدريب والمحاكاة.

ويدعم المفاعل برامج البحث والتطوير والابتكار في مجالات الطاقة والطب والنظائر المشعة، ويسهم في توطين تقنيات صناعة المفاعلات وبناء البنية التحتية طويلة المدى، للمشروع الوطني للطاقة الذرية.

من باطن الأرض إلى دورة الوقود

ترتبط خطط السعودية للطاقة النووية بما تشير إليه التقديرات الرسمية، من وجود موارد كبيرة من اليورانيوم داخل أراضيها، بعدما كشفت أعمال الاستكشاف عن خامات في مناطق عدة، بينها جبل صايد في منطقة المدينة المنورة، وجبل قرية شمال السعودية، وفق تصريحات سابقة لوزير الطاقة، إذ تسعى الرياض إلى بناء سلسلة صناعية تبدأ بالتنقيب والاستخراج، وإنتاج أكسيد اليورانيوم، أو "الكعكة الصفراء"، وتمتد إلى إنتاج الوقود النووي للاستخدامات السلمية.

وفي يناير/ كانون الثاني 2025، أعلن وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن السعودية تخطط لاستثمار مواردها المعدنية، بما يشمل إنتاج "الكعكة الصفراء"، وتخصيب اليورانيوم وبيعه، وقد أكدت الرياض خلال مناسبات عدة حقها في الاستفادة من مواردها الطبيعية، وتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، مع الالتزام بترتيبات الرقابة والمتابعة، ومعايير السلامة والشفافية.

لماذا تحتاج السعودية إلى المفاعلات؟

على رغم امتلاك السعودية أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، فإن نمو الطلب على الكهرباء والمياه المحلاة، والتوسع العمراني والصناعي، يدفعانها إلى تنويع مصادر إنتاج الطاقة، وتوفر المفاعلات النووية كهرباء مستقرة على مدار الساعة، بما يدعم الحمل الأساس للشبكة الكهربائية، ويخدم المدن والمناطق الصناعية ومراكز البيانات، إضافة إلى التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ويمكن للطاقة النووية تلبية حاجات تحلية المياه، وتشغيل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مما يخفف الضغط على استهلاك النفط والغاز في توليد الكهرباء، ويتيح توجيه كميات أكبر منهما إلى التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة.

ويأتي التوسع في الطاقة النووية ضمن مزيج وطني أوسع يضم الطاقة المتجددة، إذ تستهدف السعودية الوصول بقدراتها المتجددة إلى 130 غيغاوات، مع الحفاظ على هامش احتياط للطاقة يبلغ 20%، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية السعودية 2030."

"ويستنغهاوس" في المقدمة

تبرز شركة "ويستنغهاوس إلكتريك"، إحدى أعرق الشركات الأمريكية في تقنيات الطاقة النووية السلمية، وتصميم المفاعلات، في صدارة المرشحين للاستفادة من الاتفاق، ويأتي مفاعلها من طراز(AP-1000) ضمن الخيارات المطروحة للبرنامج السعودي، إذ ينتج نحو1100 ميغاواط من الكهرباء، وهي قدرة تكفي لتلبية حاجات مدينة متوسطة الحجم، أو تشغيل منشآت صناعية ومراكز بيانات تتطلب إمدادات مستقرة، ويتوقع أن تشارك الشركات الأمريكية في توفير المفاعلات والتقنيات النووية، وبناء البنية التحتية وتقديم خدمات التشغيل والصيانة والتدريب، مما يفتح أمامها عقوداً وإيرادات طويلة الأجل في السوق السعودية، مع إمكان إسناد بعض الأعمال إلى شركات ومورّدين دوليين.

وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن الاتفاق يعتمد على أفضل التقنيات والخبرات الأمريكية، ويلتزم بأعلى معايير السلامة النووية، مؤكداً أنه سيحقق فوائد طويلة الأمد للشعبين السعودي والأمريكي، وبانتظار استكمال التوقيع والمراجعة التشريعية في الكونغرس، يرسم الاتفاق إطاراً طويل الأمد للتعاون النووي المدني بين الرياض وواشنطن، ويمنح الشركات الأميركية موقعاً متقدماً في مشروع يمتد طموحه من استكشاف اليورانيوم ودورة الوقود إلى تشغيل المفاعلات وإنتاج الكهرباء.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI