أطلقت لجنة سودانية الأحد مبادرة لتهيئة الظروف أمام حوار سوداني شامل يضم القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، بهدف الإسهام في وقف الحرب وفتح مسار يقود إلى توافق وطني في شأن مستقبل البلاد، وجاء الإعلان خلال المؤتمر الصحافي الأول للجنة تهيئة الحوار السوداني، التي تضم 19 شخصية سودانية برئاسة رئيس جامعة الأحفاد قاسم بدري، إذ قدمت اللجنة مبادرتها باعتبارها آلية وطنية مستقلة تعمل على تهيئة المناخ للحوار، وأكدت انفتاحها على مختلف القوى والفعاليات السودانية.
وتحظى المبادرة بدعم رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، الذي قال إن مجموعة من أبناء وبنات السودان بادرت إلى طرحها انطلاقاً من قناعة بأن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوار سوداني خالص، يستوعب القوى السياسية والمجتمعية كافة، ويضع معاناة المواطنين وحقهم في السلام ضمن أولوياته.
وأوضح البرهان أن المجموعة قدمت رؤيتها بوصفها آلية مستقلة لتهيئة حوار شامل، مشيراً إلى موافقة الدولة على توفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة لانعقاده ومشاركة أطرافه، مع تأكيده أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته ومخرجاته.
ويأتي الإعلان بعد تصريحات لوزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، في الـ19 من أغسطس/ آب، قال فيها إن بلاده ستعلن قريباً بدء الحوار السوداني. وقبل ذلك، أعلن البرهان بدء حوار مع القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة ووحدتها ومؤسساتها، بهدف إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، بما فيها تكوين المجلس التشريعي، الذي وصفه بأنه استحقاق دستوري، وذلك في وقت تستمر فيه الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل/ نيسان 2023. وتطرح اللجنة هذه الخطوة في ظل استمرار القتال وتفاقم الأزمة الإنسانية والنزوح، وسط دعوات متزايدة إلى إنهاء الحرب وتهيئة مسار سياسي يضم السودانيين بمختلف مكوناتهم واتجاهاتهم السياسية.
ضمانات مطلوبة
تتصل أبرز الترتيبات المعلنة لمبادرة الحوار بالضمانات القانونية والسياسية للمشاركين، إذ أصدر رئيس مجلس السيادة القرار رقم 363 لعام 2026، الذي يقضي بشطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة السودانيين داخل البلاد أو المقيمين خارجها، متى كانت مرتبطة بأفعال أو أقوال صدرت باعتبارها آراء أو مواقف سياسية، مع إسقاط التهم الناشئة عنها.
وأكد وزير العدل عبدالله درف أن القرار يمثل استجابة مباشرة لمطالب مبادرة الحوار، وأن الجهات العدلية والشرطية والأمنية وسائر الجهات ذات الصلة ملزمة باتخاذ ما يلزم لتنفيذه.
وأوضح درف، خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم، أن الضمانات لا تقتصر على شطب البلاغات، وإنما تشمل منح المشاركين في المشاورات والحوار حصانة إجرائية موقتة، تبدأ من دخولهم البلاد وتمتد حتى مغادرتهم عقب انتهاء مشاركتهم، بما يحول دون تحريك إجراءات جنائية في حقهم خلال هذه الفترة.
كما تشمل الحماية الآراء والمواقف التي تطرح في إطار المشاورات والحوار، بحيث لا تكون سبباً لاتخاذ إجراءات جنائية بسبب ما يرد فيها من مواقف أو مقترحات مرتبطة بموضوع الحوار. وأكد الوزير أن المقاتلين الذين يسلمون أنفسهم طوعاً لا يشملهم هذا الإجراء، وإنما تسري عليهم ترتيبات العفو السابقة.
وكان البرهان قد أوضح في وقت سابق أن تعليق الإجراءات الجنائية لا يعني عفواً نهائياً أو إسقاطاً لحقوق أصحاب الشكاوى، وإنما يمثل ضمانة موقتة تتيح للمشاركين العودة والمشاركة من دون أن تحول الملاحقات القانونية دون حضورهم. كما أكد أن الدولة ستوفر الحماية والتسهيلات والضمانات القانونية والسياسية والأمنية، مع عدم تدخلها في اختيار المشاركين أو تحديد أجندة الحوار أو مخرجاته.
من جهتها، كانت لجنة التهيئة قد طلبت ضمانات "واضحة ومكتوبة وقابلة للتحقق"، تشمل وقف البلاغات ذات الصلة بالمواقف السياسية، وتوفير الحماية للمشاركين، وتهيئة مناخ عام يسمح بالتعبير عن الآراء، وحماية مقار الحوار ومنع التأثير في مخرجاته. وقال عضو اللجنة سليمان الأمين إن دور اللجنة يتمثل في الاستماع إلى مخاوف القوى المختلفة ومقترحاتها وتقريب وجهات النظر، وصولاً إلى بلورة تصور مشترك بشأن شروط الحوار ومنهجه وضماناته وأجندته، من دون فرض مسار مسبق.
مواقف متباينة
تتوزع مواقف القوى السياسية والمدنية السودانية من دعوة الحوار بين ترحيب حذر ورفض مشروط، فقد رحبت الكتلة الديمقراطية بالمبادرة، فيما أبدى الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل انفتاحاً على حوار سوداني - سوداني، وشارك مستشار رئيس الحزب حاتم السر في المشاورات التمهيدية. في المقابل، رفض التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) المشاركة في حوار يعقد داخل مناطق سيطرة الجيش، معتبراً أن ذلك قد يمنح شرعية سياسية لما وصفه بـ"سلطة الأمر الواقع".
وانضم إلى هذا الموقف التجمع الاتحادي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، إلى جانب حزب الأمة - الإصلاح والتجديد بقيادة مبارك الفاضل المهدي وقوى مدنية ونسوية وشبابية أخرى.
وقال الناشط السياسي أنور عثمان إن هذا التحفظ لا يعني إغلاق الباب أمام الحوار، وإنما رفض تحويله إلى مسار منفصل عن الحرب. وأوضح أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب إطار سياسي متوازن يستطيع إنتاج توافق وطني، خصوصاً مع غياب البرلمان والمؤسسات الانتقالية، وتوزع السيطرة العسكرية على الجغرافيا السودانية.
وأضاف أن الضمانات القانونية والأمنية مهمة لطمأنة المشاركين، لكنها لا تجيب عن السؤال السياسي الذي يدور حول من يحدد قواعد الحوار، ومن يضمن استقلاله، وكيف تنفذ مخرجاته؟ ويرى أن عقد العملية في منطقة يسيطر عليها أحد طرفي النزاع يخلق اختلالاً في ميزان التفاوض، حتى لو توفرت الحماية والحصانات.
وقال عثمان إن وقف الحرب ينبغي أن يكون جزءاً من هندسة العملية السياسية، لا وعداً مؤجلاً في نهايتها، لأن استمرار القتال يعيد تشكيل موازين القوة ويجعل الحوار تابعاً للوقائع العسكرية. وأكد أن التيار الرافض لا يعارض التفاوض، لكنه يريد حواراً مستقلاً، متوازن التمثيل، واضح الأجندة، ومسنوداً بترتيبات توقف الحرب، حتى لا تتحول التسوية السياسية إلى هدنة موقتة تعيد إنتاج الصراع.
تسوية مرتقبة
يرى عدد من المراقبين أن طرح الحوار يأتي في لحظة لا يمكن فصل السياسة فيها عن ميزان القوة في الميدان، فالجيش السوداني بعد مكاسب ميدانية في شمال كردفان وتزايد مؤشرات التصدع داخل قوات "الدعم السريع"، يدخل المرحلة السياسية من موقع أفضل نسبياً، بينما تظل الحرب مفتوحة وقابلة لتحولات ميدانية. لذلك لا تبدو المبادرة انتقالاً من الحرب إلى السياسة بقدر ما تبدو إدارة متزامنة للمسارين: ضغط عسكري لتحسين شروط التفاوض، ومسار سياسي لإعادة ترتيب المجال المدني قبل أن تستقر موازين الصراع نهائياً.
يقول الأستاذ في الجامعات السودانية أحمد خليفة إن "أهمية المبادرة لا تقاس بعدد المشاركين حول الطاولة، وإنما بقدرتها على إنتاج تسوية قابلة للحياة. فالحوار، لكي يتحول إلى أداة لإنهاء الحرب، يحتاج إلى تمييز واضح بين الدولة بوصفها إطاراً جامعاً وبين السلطة القائمة باعتبارها طرفاً له مصالح مباشرة في مخرجات العملية. وهذه هي نقطة الاختبار، خصوصاً أن قوى مدنية مناهضة للحرب رفضت الصيغة المطروحة وربطت أي مسار سياسي بتهيئة بيئة أكثر حياداً".
وأوضح أن "المعضلة الأعمق تكمن في انتقال منطق الميدان إلى قاعة الحوار، فالأطراف التي تقيس وزنها بما تملكه من قوة عسكرية ستتعامل مع التفاوض باعتباره امتداداً للصراع، لا بحثاً عن تسوية تاريخية. ومن ثم فإن ملفات القوات المشتركة المتحالفة مع للجيش، ومستقبل المؤسسة الأمنية، وترتيبات السلطة الانتقالية، ستظل أكثر القضايا حساسية، لأنها تمس جوهر توزيع القوة داخل الدولة".
وأضاف خليفة أن "الحوار قد ينجح في فتح قناة سياسية، لكنه لن يصبح مساراً لإنهاء الحرب ما لم يقترن بترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وضمانات متبادلة، وآلية تنفيذ مستقلة. فالرهان الحقيقي ليس جمع الخصوم، وإنما تحويل موازين القوة المتغيرة إلى تسوية لا تعيد إنتاج الحرب في صورة جديدة. وفي هذا المعنى، قد تكون المبادرة بداية لمسار سياسي، لكنها ليست بعد دليلاً على انتقال السودان من منطق الحرب إلى منطق التسوية".
مسار متدرج
يبدو أن مستقبل الحوار السوداني مرشح لأن يتحرك في مسار متدرج، فالبيئة الحالية تسمح ببدء اتصالات سياسية محدودة، لكنها لا توفر بعد شروط حل نهائي، إذ لا تزال العمليات العسكرية مستمرة، على رغم تحسن الموقع الميداني للجيش، خصوصاً في كردفان، مما يسمح بتحويل الضغط العسكري إلى أوراق تفاوضية.
وفي المقابل، لم تصل قوات "الدعم السريع" إلى مرحلة فقدان القدرة على المناورة، على رغم الضغوط والانشقاقات التي طاولت صفوفها.
يتوقع أن يتحول الحوار إلى مسار تمهيدي، واتصالات، وتوسيع قاعدة المشاركين، وبناء تفاهمات حول شكل السلطة والمرحلة الانتقالية، من دون معالجة فورية للملف العسكري، وهذا هو الاحتمال الأكثر واقعية على المدى القريب.
أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في اتساع الفجوة بين القوى المدنية الرافضة للمبادرة، وفي مقدمها "صمود" وحلفائها، وبين القوى التي ترى في الحوار فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة. عندها قد ينشأ مساران سياسيان متوازيان، بما يضعف القدرة على إنتاج مرجعية وطنية واحدة. وقد رفضت قوى مدنية واسعة بالفعل الصيغة الحالية، مطالبة بوقف إطلاق النار قبل العملية السياسية.
والاحتمال الثالث هو الأكثر أهمية استراتيجياً، أن تفرض تطورات الميدان إعادة تصميم الحوار نفسه. فإذا استمر الجيش في تحسين مواقعه وتراجعت قدرة "الدعم السريع" على الاحتفاظ بقوة متماسكة، فقد تنتقل المبادرة من حوار سياسي عام إلى تفاوض أكثر مباشرة حول ترتيبات ما بعد الحرب. أما إذا استقرت الجبهات، فسيصبح الحوار ضرورة لإدارة توازن طويل الأمد.
(منى عبدالفتاح)