عملية نقل جوي جماعي لما يقارب 49 ألف يهودي يمني إلى إسرائيل، نُظمت بتنسيق إسرائيلي مع السلطات البريطانية في عدن، عبر حوالي 450 رحلة جوية، في الفترة الواقعة ما بين ديسمبر/كانون الأول 1948 وسبتمبر/أيلول 1950.
أُطلق على العملية اسم "على أجنحة النسور " نسبة لما ورد في سفر الخروج (19: 4): "أنتم رأيتم ما صنعتُ بالمصريين. وكيف حملتُكم على أجنحة النسور وجئتُ بكم إليّ " فيما اشتهرت في المصادر الإنجليزية باسم "البساط السحري " (Magic Carpet). ووصفتها سجلات اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة (JDC) بأنها "أكبر عملية نقل جوي للبشر في التاريخ ".
تولت اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة تنظيم العملية وتمويلها بالتعاون مع الوكالة اليهودية، وبلغت تكلفتها حوالي 3.5 ملايين دولار، وفق دراسة نشرتها مجلة "دورت " (Dorot) التابعة للجمعية اليهودية لعلم الأنساب.
المرحلة الأولى
جاء تهجير يهود اليمن ضمن ما أطلقت عليه إسرائيل عمليات تصفية الشتات أو القضاء على الشتات، وهي سياسة شملت الجماعات اليهودية في اليمن والعراق وليبيا، ونُقل معظم أفرادها في السنوات الأولى من قيام دولة إسرائيل. وكانت اليمن تضم آنذاك جالية يهودية كبيرة، قُدر عددها بنحو 50 ألف شخص، ويعود وجود اليهود فيها إلى آلاف السنين.
وبدأ التحضير لنقل يهود اليمن قبل قيام دولة إسرائيل في مايو/أيار 1948 بسنوات. فمنذ النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، بدأ يهود يمنيون بمغادرة قراهم ومناطق سكنهم والتوجه إلى مخيم عبور أنشأته السلطات البريطانية استعدادًا لنقلهم إلى إسرائيل. وكانت بريطانيا تحكم في ذلك الوقت مستعمرة عدن، وتبسط نفوذها على مناطق واسعة من جنوب اليمن وسلطناته.
وأقيم المخيم في منطقة صحراوية تبعد نحو 12 ميلًا عن مدينة عدن، وأطلق عليه اسم حاشد، أو غيئولا بالعبرية، ويعني الخلاص. ووفق دراسة نشرتها مجلة دورت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تولت اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة إدارة المخيم رسميًا منذ عام 1946.
وفي منتصف ديسمبر/كانون الأول 1948، بدأت المرحلة الأولى من عملية بساط الريح، وأطلق عليها اسم هجرة الأيتام، لأن الرحلات شملت عشرات الأيتام، إلى جانب نساء وأطفال ومسنين. وفي هذه المرحلة، نُقل أكثر من 5200 يهودي إلى إسرائيل عبر 67 رحلة جوية.
وبعد مغادرة الموجودين في المخيم، أغلقت السلطات البريطانية المكان. وتشير مئير-غليتسنشتاين إلى أن البريطانيين كانوا يريدون وقف تدفق اليهود الراغبين في الهجرة إلى عدن، ومنع استمرار بقائهم فيها بوصفهم لاجئين معدمين.
استئناف العملية
بعد عدة أشهر، استؤنفت هجرة يهود اليمن إلى إسرائيل بالتنسيق بين السلطات البريطانية وإمام المملكة المتوكلية اليمنية أحمد بن يحيى، وفق ما تذكره المؤرخة إستر مئير-غليتسنشتاين، أستاذة التاريخ في جامعة بن غوريون، في دراستها حول الهجرة الجماعية لليهود من الدول الإسلامية في منتصف القرن العشرين.
وفي أواخر أبريل/نيسان 1949، سمح أحمد بن يحيى لليهود بمغادرة اليمن، لكنه اشترط عليهم بيع ممتلكاتهم قبل الرحيل. وبعد نحو أسبوعين، بدأ الراغبون في الهجرة ببيع ممتلكاتهم والتوجه إلى مخيم "حاشد ب " الذي أقامته بريطانيا في مستعمرة عدن، تمهيدًا لنقلهم إلى إسرائيل.
ولتجنب تكرار ما حدث في مخيم حاشد السابق، حيث بقي المهاجرون في عدن بوصفهم لاجئين، نسقت السلطات البريطانية مع إسرائيل واللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة لنقل اليهود القادمين مباشرة إلى المخيم الجديد دون المرور بمدينة عدن.
وفي هذه المرحلة، استعانت الوكالة اليهودية ببعض التجار اليهود والمسلمين، من خلال الجمعية اليهودية في عدن، للتواصل مع اليهود في مختلف مناطق اليمن وتشجيع الراغبين في الهجرة على مغادرة البلاد. كما ساعد هؤلاء في تصفية أعمالهم وبيع ممتلكاتهم وترتيب انتقالهم إلى عدن، فيما تكفلت الوكالة اليهودية بنفقات تجميع اليهود ونقلهم.
لكن الوصول إلى المخيم لم يكن سهلًا. فقد اضطر المهاجرون إلى قطع مسافات طويلة عبر الصحراء والجبال ومناطق خطرة، وسار كثير منهم على الأقدام للوصول إلى جنوب اليمن ثم إلى المناطق الخاضعة للنفوذ البريطاني في عدن. وخلال هذه الرحلة، توفي عدد من المهاجرين، خاصة مع انتشار أمراض خطيرة مثل الملاريا، كما تعرض بعضهم لهجمات قطاع الطرق.
وتقول مئير-غليتسنشتاين إن معظم المهاجرين وصلوا إلى المخيم وهم مفلسون، بعد دفع ضرائب ورسوم باهظة أثناء تنقلهم بين المناطق، ولا سيما في المحميات البريطانية.
لكن رواية أخرى قدمها أحمد القريطي، أحد التجار اليمنيين الذين استعانت بهم الجمعية اليهودية في نقل نحو 12 ألف يهودي، إذ قال في مقابلة مع صحيفة "الراية " القطرية إنه كان يحتفظ بأموال اليهود وممتلكاتهم الثمينة حتى وصولهم إلى عدن. وأضاف أنه كان يخبر مسؤولي الجمعية والوكالة اليهودية، بناءً على طلبهم، بأن المهاجرين فقراء ومعدمون، خشية مصادرة أموالهم أو تحميلهم تكاليف السفر.
كارثة "مخيم حاشد "
اتسم تنظيم عملية نقل يهود اليمن إلى إسرائيل بتعقيد كبير، فقد كانت اللجنة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة تتولى إدارة مخيم العبور، ولم تكن تتوفر لديها تقديرات دقيقة عن أعداد المهاجرين. ومع تدفق الآلاف إلى المخيم في غضون أسابيع، تجاوز عدد المقيمين فيه قدرته الاستيعابية، وتفاقمت أوضاعه مع شح المواد الغذائية وضعف الرعاية الصحية، مما أدى إلى وفاة مئات المهاجرين.
وفي أواخر سبتمبر/أيلول 1948، أغلقت السلطات البريطانية المعابر الحدودية، ومنعت دخول مزيد من اليهود إلى عدن إلى أن يغادر آلاف المهاجرين الذين كانوا لا يزالون ينتظرون في المخيم.
وأدت هذه الإجراءات إلى بقاء نحو عشرة آلاف مهاجر عالقين لأسابيع في المنطقة الصحراوية جنوب اليمن دون إمدادات كافية من الماء والغذاء والدواء، فلقي مئات منهم حتفهم، فيما عانى كثيرون من المرض والإعاقة.
المراحل اللاحقة
وأمام هذا الوضع، اضطرت إسرائيل إلى إطلاق عملية نقل عاجلة لليهود في اليمن، دون إخضاعهم لفحوص طبية مسبقة، رغم انتشار الأمراض المعدية بينهم، وصُنفوا ضمن ما أسمته إسرائيل "هجرة الإنقاذ "، وهو تصنيف يشمل المهاجرين الذين استدعت ظروفهم الخاصة استقبالهم بصورة جماعية، ويعفيهم من نظام الحصص ومن الخضوع لمعايير الانتقاء المرتبطة بالحالة الصحية والعمر.
وفي إطار هذا التصنيف، بدأت المرحلة الثانية من عملية بساط الريح في مارس/آذار 1949، وامتدت حتى أبريل/نيسان من العام نفسه، وعُرفت باسم "هجرة يهود عدن " إذ ركزت على اليهود الأصليين في عدن، وشملت أيضا عائلات يمنية وُلد أفرادها في عدن، كما أتاحت لمّ شمل عدد من الأسر اليمنية. وضمت هذه المرحلة فئات كانت تُعتبر سابقا غير مؤهلة للهجرة، من بينها رجال يمنيون في سن القتال.
وبحلول صيف عام 1949، تزايد تدفق الوافدين إلى المخيم بشكل هائل حتى تجاوز قدرته الاستيعابية. وتذكر الرواية الرسمية الإسرائيلية أن الطاقم الطبي في المخيم حذر من كارثة صحية وشيكة، مما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ديفيد بن غوريون، إلى إصدار تعليمات بتسريع وتيرة الهجرة من اليمن.
وبناء على هذه التعليمات، انطلقت المرحلة الثالثة من عملية بساط الريح في يوليو/تموز 1949، وامتدت إلى سبتمبر/أيلول 1950، وخلالها هاجرت الغالبية العظمى من يهود اليمن، إذ نُقل أكثر من 40 ألف يهودي بحسب أرشيف اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة.
سرية العملية
أُحيطت عملية بساط الريح بدرجة عالية من السرية، حماية للمهاجرين ولتجنب إثارة مشكلات مع السلطات المحلية والدول العربية، فاستخدمت في عمليات النقل طائرات تابعة لشركات أجنبية، من بينها شركة "ألاسكا إيرلاينز " الأمريكية، التي تولت معظم عمليات النقل الجوي، كما شاركت شركات أخرى في بعض الرحلات، مثل شركة الطيران الكوبية "إنتركونتيننتال إيريا دي كوبا ".
وكانت ظروف النقل شاقة، ولم تكن قدرات الطائرات كافية لاستيعاب أعداد المهاجرين، فاستبدلت المقاعد الفردية في بعض الطائرات بمقاعد طويلة، مما أتاح استيعاب عدد أكبر من الركاب، وفي بعض الرحلات ضاعف السعة المعتادة تقريبا.
ووفق أرشيف اللجنة الأمريكية اليهودية المشتركة، استمرت عملية بساط الريح من ديسمبر/كانون الأول 1948 وحتى سبتمبر/أيلول 1950، وشملت نحو 450 رحلة جوية، نُقل خلالها حوالي 49 ألف يهودي يمني.
وبحسب روبين أهروني في كتابه "هجرة اليهود من اليمن (1951-1998) بساط بلا سحر "، بقي في اليمن بعد انتهاء هذه العملية ما بين 1000 و3000 يهودي، أبدى معظمهم ترددا أو عزوفا عن الهجرة. ورغم الاهتمام الذي أبدته العديد من الحكومات الغربية والمنظمات الإنسانية بتهجيرهم، لم ينتقل إلى إسرائيل حتى عام 1962 إلا نحو 400 يهودي.
اختفاء أطفال المهاجرين
مع وصولهم إلى إسرائيل، واجه المهاجرون الجدد ظروفا إنسانية وصحية قاسية، إذ عُزلوا داخل مخيمات مسيجة، وخضعوا لفحوص طبية وتلقوا الرعاية في مرافق صحية متواضعة، تفتقر إلى التجهيزات الكافية.
وفي ظل تفشي الأمراض في مخيمات الاستقبال، عُزل العديد من الأطفال والرضع في مرافق منفصلة عن أسرهم. وتروي أسر يمنية أن أبناءها اختفوا بعد عزلهم، وأنها أُبلغت لاحقا بوفاتهم دون توضيح ظروف الوفاة أو تمكينهم من رؤية الجثامين أو المشاركة في مراسم الدفن.
وخلال العقود اللاحقة، تحولت القضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وأعيد فتحها بعد الإفراج عن وثائق إسرائيلية كانت سرية، إلى جانب فحوص مخبرية اعتمدت على البصمة الوراثية، أثبتت وقوع عمليات سلب قسري لأطفال يمنيين نُقلوا خلال عملية بساط الريح.
واضطرت الحكومة الإسرائيلية في عام 2021 إلى إقرار تعويضات لأسر الأطفال المشمولين بملفات لجان التحقيق تتراوح بين 150 و200 ألف شيكل، وهو الأمر الذي قوبل بالرفض، باعتباره محاولة لإغلاق الملف.
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بث برنامج "المتحري " في قناة الجزيرة تحقيقا استقصائيا حول القضية، واستنادا إلى شهادات بعض الأسر ووثائق من الأرشيف الإسرائيلي ومقابلات مع باحثين، قدّر عدد الأطفال اليمنيين الذين اختفوا في مخيمات الاستقبال الإسرائيلية بما لا يقل عن ألفي طفل، ورجح أن بعضهم قد تم تسليمهم إلى أُسر أُخرى.
جدل دوافع الهجرة
جاءت عملية بساط الريح في إطار الموجة الأولى الكبرى لهجرة اليهود من الدول الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الفترة بين عامي 1948 و1951، وذلك ضمن مشروع الاحتلال الإسرائيلي لتعزيز تجمع يهود العالم في دولته الناشئة.
وقدمت إسرائيل العملية في روايتها الرسمية بوصفها "عملا بطوليا يجسد التزام الدولة بحماية اليهود في أنحاء العالم، ويعكس شجاعة الإسرائيليين في إنقاذ إخوتهم البعيدين من حياة الاضطهاد والبؤس".
وربطت هذه الرواية هجرة يهود اليمن أيضًا بفكرة عودة "العبرانيين القدامى " إلى صهيون، وما ارتبط بها من رؤى أخروية لدى أنبياء إسرائيل.
وبناءً على هذه الرواية، شكلت معاناة المنفى والاضطهاد أحد أبرز دوافع هجرة يهود اليمن إلى إسرائيل، إلى جانب دوافع أيديولوجية ودينية، مثل المسيانية وفكرة الخلاص والعودة إلى أرض إسرائيل.
غير أن هذه الرواية بدأت تواجه، منذ تسعينيات القرن العشرين، انتقادات حادة من أكاديميين ومثقفين في إسرائيل والدول الغربية، كان من بينهم العديد من المهاجرين من الجيل الثاني من الدول الإسلامية.
فقد اتهم بعض هؤلاء الصهيونية بالتسبب في تدمير مجتمعات يهودية عريقة في تلك البلدان من خلال الخداع والتحريض، بينما رأى نقاد آخرون أن الرواية السائدة أسقطت على تاريخ يهود الدول الإسلامية نموذجًا مشابهًا للرواية التي تشكلت حول اضطهاد اليهود في أوروبا.
وفي ظل هذا الجدل، تشير المصادر إلى أن هجرة يهود اليمن لم تكن مرتبطة بعامل واحد، إذ لعبت الدعاية الإسرائيلية والدوافع الدينية دورًا في تعزيزها، إلى جانب عوامل سياسية وأمنية أخرى.
وكان من أبرز هذه العوامل قيام دولة إسرائيل وتصاعد الصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى زيادة التوتر المحيط باليهود في اليمن وعدن، ووقوع بعض أعمال العنف، وهو ما عزز رغبة العديد من اليهود في الهجرة.
كما ارتبطت الهجرة بظروف اقتصادية وبيئية صعبة عاشها اليمن في تلك الفترة. فقد شهدت البلاد جفافًا في أربعينيات القرن العشرين، رافقته مجاعة وانتشار للأوبئة، إلى جانب ظروف اقتصادية صعبة.
وفي الوقت نفسه، اعتقد كثير من اليهود أن الهجرة إلى إسرائيل يمكن أن توفر لهم ولأبنائهم مستقبلًا أفضل وأكثر أمنًا.
وفي هذا السياق، ترى المؤرخة الإسرائيلية إستر مئير-غليتسنشتاين أن هجرة يهود اليمن ارتبطت بدرجة كبيرة بالمبادرة الإسرائيلية والتنظيم الصهيوني، لكنها تؤكد في الوقت نفسه وجود دوافع أخرى أسهمت في اتخاذ قرار الهجرة، مما يجعل تفسير هذه الهجرة مرتبطًا بتداخل عوامل سياسية ودينية، واقتصادية، وأمنية، وبيئية.
(د. لمياء أحمد)