29 سبتمبر 2026
29 سبتمبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


بدخول الحرب في شمال إثيوبيا يومها السادس، شهد ميدان القتال تطورات كبيرة بين "قوات التحالف من أجل البقاء" المعارض، والجيش الإثيوبي ومواليه من قوات الأقاليم الإثيوبية، إذ أفادت مصادر ميدانية بأن قوات دفاع تيغراي سيطرت، أول من أمس الأحد، على بلدة إريبتي في إقليم عفر قرب حدود تيغراي، ذلك بعد قتال دام بين الطرفين، وتتقدم باتجاه أفديرا على بعد 100 كيلومتر إلى الشرق.

في حين أشارت مصادر إعلامية إلى أن عدد النازحين في عفر تضاعف بصورة كبيرة، وقدّر مصدر لـ"رويترز" أن أعداد النازحين قد تصل إلى 150 ألفاً.

ويرى مراقبون أن أهمية جبهة عفر التي تشهد قتالاً عنيفاً تعود إلى كونها الممر الرئيس للإمداد، إذ يمر عبرها الطريق الدولي الرابط بين ميناء جيبوتي والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

ميدانياً، استهدفت طائرة مسيّرة مبنى وزارة الإعلام التيغراوية، وأحدثت أضراراً جسيمة تسببت في توقف البث في عاصمة الإقليم مقلي.

اتهامات بتورط إريتريا

من جهته، اتهم رئيس إقليم عفر، أول عربا، إريتريا بالمشاركة في الهجوم الذي استهدف إقليمه.

وقال عربا في حوار تلفزيوني إن الحرب الجارية في إقليم عفر تفوق إمكانيات قوات الإقليم الفيدرالي، داعياً الحكومة المركزية في أديس أبابا الدفع بقوات إضافية لصد الهجوم، كذلك ناشد الاتحاد الأفريقي التدخل، زاعماً أن "الهجوم يؤشر إلى مخطط لتغيير الحدود الدولية بالقوة، بغرض إبعاد إثيوبيا عن مشروعها الطموح للوصول إلى البحر الأحمر"، وحذر عربا من أن السيطرة على الطريق الدولي الرابط بين جيبوتي والعاصمة الإثيوبية، ستتبعه تداعيات تؤثر في عموم منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وهذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها اتهام من طرف إثيوبي بمشاركة مباشرة للقوات الإريترية في هذا النزاع الذي اندلع، الأربعاء الماضي، في حين لم تؤكد الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا هذا الاتهام، ولم تؤكد صحة الاتهامات التي وجهها رئيس إقليم عفر من طرف مستقل.

حصار لاليبلا

من جهة أخرى، لا تزال المعارك مستمرة في جبهة إقليم أمهرا، إذ زعمت قوات "الفانو" سيطرتها على بلدات عدة في محيط مدينة لاليبلا التاريخية، مشيرة إلى أنها تطبق الحصار على قوات الجيش الإثيوبي داخل المدينة، موضحة أنها لا تسعى إلى تحريرها لجهة أنها منطقة مأهولة بالسكان، وأنها تريد توفير ممرات آمنة للمدنيين لمغادرة المدينة قبل شن هجوم واسع النطاق، فيما نفذت القوات الحكومية غارات جوية على أهداف عدة في إقليمي أمهرا وتيغراي.

بدورها قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن نحو 20 مواطناً إسرائيلياً محاصرون في بلدة لاليبلا جراء تجدد القتال في شمال إثيوبيا. ولم يتمكن المواطنون من مغادرة المنطقة بسبب تعليق النقل الجوي فيها لأجل غير مسمى، فضلاً عن المخاطر الجسيمة التي تكتنف السفر براً. ونظراً إلى نقص الغذاء والوقود والنقد في البلدة، أكدت الحكومة الإسرائيلية أنها تعمل مع السلطات المتخصصة لضمان إجلاء المواطنين بأمان.

من جهة أخرى، أفادت مواقع إخبارية موالية للجيش النظامي أنه تمكن من استعادة مدينة الاماطا في جنوب تيغراي، وأنه يواصل التقدم باتجاه ميخوني ومايتشو داخل الإقليم، وأن هذا الخط يقود إلى مقلي عاصمة الإقليم.

في سياق متصل، ذكرت مصادر تابعة لقوات التحالف المعارض، الأحد الماضي، أنها استهدفت مطاري دبرزيت وكومبولشا بطائرة مسيرة وتسببت في أضرار بمحيط المطارين، إلا أن هذه المعلومات لم يجرِ تأكيدها من أي طرف مستقل، في حين ذكرت مصادر مقربة مع الحكومة الإثيوبية عدم صحة المعلومات التي جرى تداولها في الأوساط المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي حول هذه الحادثة.

من جهتها قالت إذاعة "بي بي سي البريطانية" الناطقة باللغة الأمهرية، وفقاً لإفادة مصدرين، لم تسمهما، إن الرحلات الجوية إلى مطار كومبولشا قد جرى تعليقها، الأحد، إلى أجل غير مسمى، ولا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كان التعليق ذات صلة بالمعلومات المتداولة أم إنه يأتي في إطار الإجراءات الاحترازية لا سيما في ظل المعارك الضارية التي تدور في محور لاليبلا.

ويرى مراقبون أنه إذا صحت المعلومات حول استهداف المطارين فإن الحرب قد تدخل منعطفاً جديداً، بدخول عامل جديد في المعادلة يتمثل في الطائرات المسيرة، فالمؤكد حتى الآن أن الطرف الحكومي وحده من يملك هذا السلاح الاستراتيجي الذي قد يغير مسار المواجهات في حال توفره لدى القوى المعارضة.

استعادة زمام المبادرة

بدوره يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي والناشط في حزب "الازدهار" الحاكم تامانج هوريسا، أن الجيش الإثيوبي استعاد زمام المبادرة، وتجاوز الصدمة الأولى، وذلك من خلال تحرير مدينة الاماطا التي ظلت تحت إدارة حكومة تيغراي، ليفتح الباب واسعاً أمام إستراتيجية نقل المعارك نحو العمق التيغراوي، إذ تبعد المدينة عن عاصمة الإقليم نحو 180 كيلومتراً.

ويقرأ هوريسا هذا التطور على أنه تقدم كبير في خطوط المواجهة، خصوصاً أن تطورات هذه الجبهة ستؤدي حتماً إلى انكشاف ظهر قوات التيغراي، وستحد من اندفاعها في جبهة عفر.

ويبرر المحلل الإثيوبي ذلك بسببين رئيسين، الأول يتعلق بالتضاريس الجغرافية، إذ تقع الاماطا في هضبة عالية، فيما تقع مقلي في سهل ممتد على نحو 180 كليومتراً مما يمنح الجيش الإثيوبي امتيازات إستراتيجية لخوض المعركة بيسر، أما السبب الثاني فإن التقدم في جبهة الاماطا - مقلي، ينقل المعارك إلى مركز الإقليم، ومن ثم يدفع القوات التيغراوية المحدودة إلى التراجع عن خططها السابقة الرامية إلى التقدم في اتجاه قطع الطريق الاستراتيجي الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا.

الصبر الاستراتيجي

ويرى هوريسا أن الجيش الإثيوبي ينفذ خططه العسكرية بصبر إستراتيجي، إذ يحرص على عدم الدفع بقوات برية ضخمة، ويعتمد بصورة أساسية على تنفيذ غارات جوية عبر طائرات مسيرة لتمشيط الجبهات الأمامية قبل التقدم لتحرير المناطق التي تسيطر عليها الجبهة.

وأشار إلى أن القوات المتمردة لا تزال تواجه بإستراتيجيات قديمة تعود لأعوام الحرب الباردة، فيما تعتمد خطط الجيش النظامي على عامل التفوق التكنولوجي الذي يوفر الخسائر المادية والبشرية.

وفي رده على سؤال لـ"اندبندنت عربية" حول مزاعم ترك القوات العفرية وحدها في مواجهة قوات التحالف، يقول هوريسا إن "تضاريس إقليم العفر الممتد في صحاري سهلية تُصّعب المهمة أمام الجيش النظامي، ومن ثم فإن الخطط البديلة تعتمد على فتح جبهات موازية في تيغراي، أي نقل المعارك نحو مركز الإقليم في تيغراي، مما سيدفع بصورة أوتوماتيكية إلى انسحاب النواة الأساسية للقوات المهاجمة من عفر إلى قلب المواجهة في تيغراي، فيما تتكفل القوات الجوية بتطهير الجيوب من العناصر المتبقية في عفر".

دعم غير مباشر

وفي تعليقه على اتهامات رئيس إقليم عفر الإثيوبي، أول عربا، للقوات الإريترية بالمشاركة في الهجوم على الإقليم، يقول هوريسا، على رغم عدم التأكد من صحة المعلومات المتعلقة بمشاركة القوات الإريترية المباشرة، فإن أسمرة لا شك تدعم قوات المعارضة المسلحة من خلال توفير سلاسل الإمداد والمعلومات الاستخبارية إلى جانب الخطط العملياتية، خصوصاً وأن هذا التحالف العسكري شُكل بعد مشاركة معظم قادته في ما يسمى مسار "تسيمدو" مع إريتريا.

ومن ثم فإن الدعم الإريتري غير المباشر لهذه الكيانات المسلحة يظل وارداً وتحت التدقيق الرسمي من قبل الحكومة الإثيوبية، لكن ليس ثمة أدلة مادية تؤكد مشاركة مباشرة في المعارك حتى الآن.

ويضيف أن توغل القوات التيغراوية في إقليم عفر بهذا الشكل المندفع يحقق لإريتريا أهدافاً إستراتيجية، خصوصاً وأن الإقليم ذاته الذي تعتمد عليه إثيوبيا في سرديتها المتعلقة بالمنفذ البحري، إذ إنه في خطوط التماس مع إقليم دنكاليا الإريتري وميناء عصب الذي تسكنه قومية العفر الإريترية.

من جهته، يرى الإعلامي والناشط التيغراوي مصطفى حبشي أن شن "قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" هجماتها تجاه إقليم عفر، لم يعد تطوراً عسكرياً عابراً، أو تحركاً منفصلاً عن المشهد العام في شمال إثيوبيا، بل يبدو جزءاً من إعادة رسم ميدان المواجهة وفتح مسارات ضغط جديدة على القوات الحكومية.

ويضيف أن توسيع نطاق العمليات باتجاه عفر يحقق عدة أهداف عسكرية وسياسية في آن واحد، أبرزها تشتيت تركيز الجيش الإثيوبي من خلال فرض إستراتيجية التعاطي مع أكثر من جبهة في وقت واحد، حتى لا يدفع بكل ثقله العسكري على جبهة تيغراي، إضافة إلى أن الموقع الجغرافي لعفر يمنح المواجهة بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، نظراً لارتباط الإقليم بشبكة الطرق والمحاور التي تصل شمال إثيوبيا بالممرات المؤدية إلى جيبوتي والبحر الأحمر. لذلك فإن أي اضطراب أمني واسع في هذه المنطقة، قد ينعكس على حركة القوات والإمدادات والتجارة.

ويوضح حبشي أن مواجهات الأيام الماضية وضعت القوات الحكومية أمام معادلة أكثر تعقيداً، فكلما اتسعت رقعة المواجهة، أصبحت عملية نشر القوات وتأمين خطوط الإمداد والدفاع عن المواقع المتباعدة أكثر صعوبة وكلفة.

وحول تقدم القوات الحكومية في المحور الجنوبي لتيغراي وتمكنها من تحرير مدينة الاماطا، يرى الإعلامي التيغراوي إن الإعلان عن سيطرة القوات الحكومية وحلفائها على مدينة الاماطا يطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التطور يمثل بداية انتقال ثقل المواجهة إلى عمق تيغراي، مشيراً إلى أن توصيف الوضع الميداني يحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ، خصوصاً أن بعض التقارير شككت في أن دخول القوات النظامية إلى المدينة، لم يفض بعد إلى إحكام السيطرة عليها بالكامل وضمان استقرارها في ظل التململ الشعبي وحالتي الكر والفر في محيطها، مما يجعل هذا التقدم في الجبهة موضع تساؤل في الساعات الأولى للإعلان.

ويرى حبشي أن الاماطا تكتسب أهمية خاصة لجهة موقعها في الجزء الجنوبي من تيغراي وعلى أحد المحاور الرئيسة المؤدية شمالاً نحو عاصمة إقليم مقلي، فضلاً عن أهميتها اللوجستية للقوات لجهة توفير الإمدادات. ولذلك، فإن استمرار وجود القوات الحكومية فيها، إذا تأكد وترسخ، قد يمنحها موقعاً متقدماً يمكن أن تستخدمه للضغط باتجاه مناطق أعمق داخل تيغراي.

ويستطرد بالقول "من السابق لأوانه الآن عد دخول الاماطا تحولاً حاسماً في اتجاه الحرب. فالمواجهة لا تزال تدور على أكثر من محور، بما في ذلك عفر وأمهرا، وقد أظهرت الأيام الأخيرة قدرة القوات التيغراوية وحلفائها على التحرك في اتجاهات متعددة".

"ادعاءات غير صحيحة"

وينفي حبشي وجود أي قوات أجنبية تقاتل إلى جانب "قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، أو القوى الأخرى المنضوية تحت تحالف المعارضة، واصفاً التصريحات التي أدلى بها رئيس إقليم عفر أول عربا، بشأن تدخل القوات الإريترية بـ"ادعاءات عارية عن الصحة"، مضيفاً أن إريتريا لم تتدخل عسكرياً حتى اللحظة في الصراع الدائر بشمال إثيوبيا، على رغم وجود خلافات كبيرة بينها وبين نظام حزب "الازدهار" الحاكم في أديس أبابا.

ويرى حبشي أن "تكبد القوات الحكومية وقوات إقليم عفر الموالية لها، لخسائر فادحة خلال الأيام الماضية، بما في ذلك انسحابها من مناطق مهمة في عمق الإقليم العفري، قد دفع رئيس الإقليم اللجوء إلى إطلاق ادعاءات تتعلق بمشاركة جهات خارجية، لتبرير تلك الهزائم".

(محمود أبو بكر)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI