منذ أن كان في الـ12 من عمره بدأ أبو بكر الباني بن سعادة رحلته مع الطين، وهي رحلة امتدت لأكثر من سبعة عقود، وانتهت عام 2008، بعدما صار اسمه مرتبطاً بفن العمارة الطينية في مناطق واسعة من محافظة شبوة، وبعض المحافظات المجاورة.
في شبوة، حيث تتكئ البيوت الطينية الشاهقة على خبرة متوارثة أكثر مما تتكئ على المخططات الهندسية الحديثة، كان البناء معرفة تتناقلها الأيدي، وذاكرة تحفظها الجدران، وفناً يتعلمه الصبي من أبيه قبل أن يصبح معلماً لغيره.
هنا يظهر اسم المعماري الشعبي أبو بكر الباني بن سعادة، الذي ولد عام 1925 في بلدة الصعيد، حاضرة مشيخة العوالق العليا، وبدأ العمل في سن مبكرة، حين كان في الـ12 من عمره، إلى جوار والده.
بحسب نجله محمد أبو بكر الباني بن سعادة الذي تحدث إلى "اندبندنت عربية"، فإن والده لم يختر المهنة من فراغ، بل ورثها "كابراً عن كابر" وانتقلت في العائلة من الأجداد إلى الأبناء، ثم الأحفاد، حتى أصبحت جزءاً من تاريخ الأسرة وهويتها.
الصبي الذي تعلم من الجدار
كانت البداية من التفاصيل الداخلية للمنازل، الجدران التي تحتاج إلى يد تعرف كيف تتعامل مع الطين وتدرك مقدار تماسكه وسمكه واستقامته.
يقول محمد إن والده بدأ تعلم البناء مع أبيه، وتحديداً في بناء الجدران الداخلية، قبل أن يتدرج في المهنة ويتقن فنون العمارة الطينية، ويصبح واحداً من أبرز البنائين الشعبيين الذين اشتغلوا بهذا الفن في شبوة.
لم تكن أمامه في ذلك الوقت أدوات القياس الحديثة، ولا برامج التصميم، ولا المخططات التي يراجعها المهندس قبل أن تبدأ أولى طبقات البناء، كانت هناك العين والخبرة والذراع والقدم، ومعرفة متوارثة بمقدار ما يستطيع الساس أن يحمله.
واستمرت رحلة أبو بكر الباني مع الطين لعقود طويلة، حتى توقف عن العمل عام 2008.
عمارة تنبت من الأرض
العمارة الطينية في شبوة ليست مجرد استخدام للطين مادة للبناء، إنها منظومة متكاملة من المعرفة المحلية التي تعاملت مع البيئة والمناخ والمواد المتاحة حولها.
فالطين، الذي يبدو للوهلة الأولى مادة بسيطة، يتحول بين أيدي البناء المتمرس إلى جدران شاهقة وبيوت وقصور وحصون قادرة على الصمود سنوات طويلة، ويبدأ ذلك من إعداد المادة نفسها، إذ يترك الطين ليتخمر فترة تقارب 10 أيام، بحسب الطريقة التي وصفها نجل الباني، قبل أن يصبح صالحاً للعمل.
بعد ذلك يبدأ بناء الساس، أو ما يعرف بـ"الدكة"، والتي تستخدم فيها الأحجار كأساس يحمل البناء الطيني الذي يرتفع فوقها.
ولا توجد مدة واحدة لبناء البيت، فالأمر يرتبط بمساحته وحجم الدكة وعدد أدواره وطبيعة العمل، ويذكر محمد أن والده كان يبني أحياناً دورين، ثم يتوقف العمل فترة قبل استكمال الأدوار الأخرى.
كانت المهنة شاقة، لكن صاحبها لم يكن يعرف كثيراً من الراحة، يعمل ثم يرتاح يومين، قبل أن ينتقل إلى عمل آخر كان حصل على عربونه مسبقاً.
حتى في شهر رمضان، كان العمل مستمراً في بعض البيوت، يبدأ بعد صلاة الفجر وينتهي عند أذان الظهر، ويحتسب للعامل أجر يوم كامل.
هندسة بلا أوراق
حين لا تكون المخططات الهندسية متاحة، يصبح الساس هو أول خريطة للبناء.
كان أبو بكر الباني يحدد عدد الأدوار التي يستطيع البيت تحملها استناداً إلى قوة الأساس، فيما تحدد مساحة البيت والغرف بالذراع أو القدم، وفق نظام تقليدي يعرفه البناؤون جيداً.
وكانت البيوت تبنى وفق عدد محدد من "الأوضاع"، فقد يكون البيت من خمسة أو سبعة أو تسعة، بحسب مساحته وتصميمه.
أما الجدار نفسه فكان يقوم على "المدماك"، وهو طبقة البناء التي ترتفع تدريجاً، بينما تؤدي "القطب" دوراً أساساً في البناء، بوصفها جدران الدرج والعناصر التي يرتكز عليها البيت.
ولتحقيق التوازن بين الطوابق، كانت هناك حسابات دقيقة وإن لم تكن مكتوبة على ورق هندسي، فالدور الأول، وفق الطريقة التي يصفها محمد، يبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار، ثم يقل ارتفاع الأدوار اللاحقة بنحو 20 سنتيمتراً.
هكذا كانت العمارة الشعبية تمتلك هندستها الخاصة، هندسة لم تكن في حاجة إلى أجهزة حديثة كي تكون دقيقة، لأنها استندت إلى تراكم التجربة وذاكرة البناء.
سر الصمود في وجه الزمن
ربما يكون السؤال الأهم في العمارة الطينية: كيف استطاعت هذه المباني أن تصمد كل هذه السنوات؟
بالنسبة إلى الابن محمد، يكمن جزء من الإجابة في تفاصيل قد لا يلاحظها من يرى البيت بعد اكتماله.
من هذه التفاصيل ربط الجدران بالأعواد الخشبية، بين طبقات البناء، إضافة إلى كثافة الدق في الطين، واستخدام ما يعرف بطين "الخبش"، وفق التسمية المحلية التي يوردها.
وكانت عملية البناء تتطلب عناية متواصلة، خصوصاً في الزوايا والأركان، وكلما ارتفع البناء فوق الدور الثاني، كانت الأركان تضم تدريجاً، وهو ما يساعد، بحسب خبرة البنائين، على تحقيق التوازن ومنح المبنى قدرته على الصمود.
إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى البناء كانت الفارق بين جدار يعيش طويلاً وآخر يتعرض للشروخ والانهيار.
من الصعيد إلى أنحاء شبوة
لم يحصر أبو بكر الباني عمله في مكان واحد، امتدت أعماله إلى مناطق واسعة من محافظة شبوة، مثل الصعيد ومقبلة والمصينعة، إلى مناطق وادي يشبم وبلاد خليفة وعتق وخمر وقرى آل مهدي والجابية والكريبة وباسويدان والشبيكة ونوخان وماس والصحيفة وقوبان.
وعمل في نصاب وكورة باهدى وخبر لقموش وحبان ولهية وهينون والحميراء والوجاء وبلاد آل بابكر، إضافة إلى مناطق سميت لاحقاً، في الذاكرة المحلية، بـ"باني بلاد خليفة وبلاد سعد".
وتشمل القائمة كذلك لماطر وغرير وحوطة الفقيه علي والروضة وعماقين وريمة باحاج وشعاب بن لكسر، إلى جانب مناطق أخرى يقول نجله إن الذاكرة لم تسعفه في استحضار جميع أسمائها.
كل بيت من هذه البيوت يمثل، بالنسبة إلى أسرته، جزءاً من أرشيف مفتوح في الجغرافيا، ولذلك لم يكن السؤال في بعض الأحيان: من بنى هذا البيت؟ بل كان يكفي أن يقال "هذا بناه أبو بكر بن سعادة".
حين يتحول الاسم إلى علامة
يتحدث محمد عن شعور خاص ينتاب الأسرة حين يسمعون أحدهم يسأل عن بيت ما، ثم يقول إن "أبو بكر بن سعادة" هو الذي بناه. ذلك، بالنسبة إلى الابن، إحدى صور الإرث الذي تركه والده. فالإنسان يغادر، لكن أثره يبقى في المكان.
وفي حال البناء، لا يبقى الأثر في صورة أو شهادة مكتوبة فحسب، وإنما في جدار يقف أمام الناس، وفي بيت يسكنه آخرون، وفي تفاصيل معمارية تستمر في إخبار المارة عن اليد التي صنعتها.
ذاكرة من الطين
في شبوة، تحمل العمارة الطينية أكثر من وظيفة السكن، إنها جزء من المشهد الثقافي والاجتماعي للمكان، وذاكرة مادية لمجتمع طور عبر أجيال، طرقه الخاصة في البناء والتعامل مع المناخ والمواد المحلية.
ومن أهم ما يميز هذا النوع من العمارة سماكة الجدران، والقدرة النسبية للطين على عزل الحرارة، إلى جانب الاعتماد على مواد متوافرة محلياً، فضلاً عن المهارة العالية في تشكيل الواجهات والأركان والأسقف والزخارف.
لكن هذه العمارة لا تعيش بالطين وحده، إنها تحتاج إلى معرفة دقيقة بطرق صيانته وحمايته من المياه والرطوبة، وإلى استمرار الحرفيين الذين يعرفون أسرار المادة ومراحل البناء التقليدية.
وهنا تكمن قيمة تجربة رجال مثل "أبو بكر الباني بن سعادة"، فقد كان واحداً من جيل لم يتعلم العمارة في مدرسة هندسية، لكنه تعلمها من الأرض ومن أبيه ومن الجدار، ومن الخطأ والتجربة، ومن سنوات طويلة قضاها وهو يرى البيت يرتفع طبقة بعد أخرى أمام عينيه.
إرث لا يزال واقفاً
لم يعد أبو بكر الباني موجوداً ليضع يده على الطين أو يقيس الجدار بعينه، لكن بعضاً من حياته ما زال قائماً في البيوت التي شيدها. وفي كل مرة يقف فيها أبناؤه أمام أحد تلك المباني، لا يرون مجرد جدار طيني قديم. يرون يد أبيهم، وصوته، وسنوات العمل الطويلة التي قضاها بين الساس والمداميك والأخشاب والأسقف.
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للعمارة حين تتجاوز وظيفة البناء: أن يتحول البيت إلى ذاكرة، وأن يصبح اسم البناء جزءاً من تاريخ المكان.
لقد غادر أبو بكر الباني بن سعادة الدنيا في الـ22 من مارس/ آذار 2021، لكنه ترك وراءه أثراً لا يحتاج إلى شاهد قبر كي يدل عليه، يكفي أن تقف أمام بيت طيني في شبوة، وأن تسأل: من بناه؟
فقد تأتيك الإجابة من الجدار نفسه: أبو بكر بن سعادة.
(جمال شنيتر)