8 أكتوبر 2026
8 أكتوبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


قبل أكثر من أربعة عقود، عام 1980، وجد الباحث والمحلل الاستراتيجي الدكتور علي صالح الخلاقي نفسه في واحدة من أكثر الرحلات التي تركت أثراً في ذاكرته، عندما توجه ضمن وفد عسكري يمني إلى جزيرة ميون الواقعة في قلب باب المندب.

انطلقت الرحلة من عدن على متن طائرة مروحية، ومع الاقتراب من الجزيرة بدأت الصورة تتغير. من الأعلى كان البحر يبدو مفتوحاً، لكن الموقع الجغرافي لميون كان يكشف بوضوح عن أنها ليست جزيرة عادية، بل نقطة تقع في قلب واحد من أهم الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.

كانت الرحلة بالنسبة إلى الخلاقي فرصة لمشاهدة المكان من قرب، بعدما كان يعرف أهميته من الخرائط والحديث عن الجغرافيا العسكرية. وعلى الأرض، شاهد الحامية العسكرية الموجودة في الجزيرة، والتقى البحارة والعسكريين، واطلع على جوانب من حياتهم وتدريباتهم في موقع لا يشبه كثيراً المواقع العسكرية التقليدية.

فالجزيرة الصغيرة كانت في ذلك الوقت تؤدي وظيفة تتجاوز مساحتها المحدودة، إذ إن موقعها يجعلها نقطة مراقبة طبيعية للممر البحري، ويمنح من يسيطر عليها قدرة على متابعة حركة السفن في منطقة شديدة الحساسية.

ولم تكُن الحياة في ميون عسكرية بالكامل، إذ كانت هناك تجمعات سكانية، من بينها ما عُرف باسم ميون الثورة وميون الشعب، فضلاً عن مظاهر الحياة المحلية التي ارتبطت بالبحر والعمل والصيد.

ومن بين أكثر ما لفت انتباه الخلاقي المنارة الموجودة في الجزيرة، وهي من المنشآت التي تعود لفترة الاحتلال البريطاني. فالمنارة لم تكُن مجرد مبنى يساعد السفن في الاهتداء إلى الطريق، بل كانت شاهداً على أن القوى التي أدركت أهمية عدن ومضيق باب المندب لم تنظر إلى المنطقة على أنها مساحة جغرافية هامشية.

وبعد عقود من تلك الزيارة، تبدو ملاحظات الخلاقي القديمة أكثر دلالة. فالمكان الذي شاهده عام 1980 باعتباره موقعاً عسكرياً وجغرافياً مهماً، أصبح اليوم جزءاً من معادلة أمنية دولية تتداخل فيها الحرب اليمنية والتجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة السفن.

تاريخ أقدم من الصراع الحديث

لم تبدأ أهمية باب المندب مع الصراعات السياسية والعسكرية الحديثة، فمنذ العصور القديمة كانت المنطقة جزءاً من شبكة تجارية تربط جنوب الجزيرة العربية بشرق أفريقيا والمناطق المطلة على المحيط الهندي.

ومع ازدهار الممالك اليمنية القديمة مثل أوسان وقتبان وغيرهما، أصبحت طرق التجارة البحرية والبرية عنصراً مهماً في قوة المنطقة الاقتصادية والسياسية.

وخلال العصور اللاحقة، احتفظ المضيق بموقعه المهم مع تغير القوى المسيطرة على طرق التجارة. ثم اكتسب أهمية مضاعفة في العصر الحديث مع صعود عدن كميناء استراتيجي وسيطرة بريطانيا عليها، قبل أن تتعاظم أهمية الطريق بعد افتتاح قناة السويس عام 1869.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الطريق بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس أحد أهم الممرات التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.

وهكذا تتصل المنارة القديمة في ميون التي شاهدها الخلاقي عام 1980 بتاريخ أطول بكثير من عمر الحروب الحالية، تاريخ كانت فيه الملاحة والتجارة والموانئ والجزر أدوات للنفوذ بقدر ما كانت وسائل للنقل.

باب المندب.. حيث يصير البحر ذاكرة

ثمة أماكن لا تكفي الجغرافيا وحدها لشرح معناها، وباب المندب واحد منها، مضيق ضيق في ظاهره، لكنه يحمل وراء حدوده المائية تاريخاً طويلاً من الرحلات والعبور والتجارة والتواصل بين ضفتين تبدوان متباعدتين على الخريطة، بينما جمعهما البحر على امتداد قرون.

يقع باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر بين الساحل الغربي لليمن وسواحل القرن الأفريقي، ويفتح الطريق نحو خليج عدن والمحيط الهندي، وفي محيطه تقع جزيرة ميون التي تتوسط الممر البحري وتمنحه ملامحه الجغرافية المميزة.

ومن هذا الموقع نشأت أهمية المكان، فباب المندب ليس نهاية بحر ولا بدايته، وإنما عتبة بين مساحات مائية واسعة، ومن ثم بين عوالم بشرية متعددة.

ولليمن، بحكم موقعه، علاقة قديمة بالبحر تتجاوز فكرة الساحل، إذ كان البحر طريقاً للحركة والاتصال، وكانت السفن تحمل من جنوب الجزيرة العربية سلعاً مطلوبة في أسواق بعيدة، وتعود محملة بمنتجات وأخبار وتجارب من جهات أخرى. وفي هذا السياق اكتسبت سواحل اليمن أهمية خاصة، فارتبطت بشبكة من الطرق التجارية التي وصلت الجزيرة العربية بشرق أفريقيا والمناطق المطلة على المحيط الهندي.

ومن الصعب أن تتخيل تاريخ باب المندب من دون أن تستحضر تجارة العطور واللبان والمر والتوابل وغيرها من السلع التي جعلت جنوب الجزيرة العربية جزءاً من عالم تجاري واسع، غير أن البضائع لم تكُن وحدها التي تعبر البحر، إذ كان التجار والبحارة والمسافرون ينقلون معهم لغاتهم وعاداتهم وطرائقهم في الحياة، فتتمازج المجتمعات الساحلية ببطء، وتترك الرحلات أثرها حتى في الأماكن التي لا تسجلها كتب التاريخ.

ولهذا يحمل باب المندب قيمة ثقافية لا تقل عن قيمته الجغرافية. فالساحل اليمني، شأنه شأن السواحل القديمة، نشأ على إيقاع البحر، الصيد والمراكب والمرافئ وانتظار الرياح ومراقبة الأفق. وفي مثل هذه البيئات تتكون علاقة خاصة بالمكان، فيصبح البحر مصدراً للرزق وطريقاً للسفر وذاكرة تختزن قصص الغائبين والعائدين.

كما أن الموقع الجغرافي لباب المندب يضعه ضمن واحدة من أقدم مناطق التواصل البشري بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، فالبحر الأحمر لم يكُن حاجزاً مطلقاً بين القارتين، بل كان في فترات مختلفة من التاريخ مجالاً للحركة والانتقال.

رحالة عرب وأجانب

زار عدد من الرحالة العرب والأجانب باب المندب والبحار المجاورة وكتبوا عنها. ففي كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، أظهر الشريف الإدريسي خلال القرن الـ12 معرفة واضحة بالبحر الأحمر وموانئه ومسارات الملاحة فيه، ويذكر أن السفن المتجهة من مصر نحو اليمن كان عليها المرور بباب المندب، مما يعكس أن المضيق كان معروفاً ضمن شبكة الملاحة والتجارة في البحر الأحمر أثناء العصر الوسيط.

وشارك الرحالة الأوروبي كارستن نيبور خلال القرن الـ18 الميلادي في بعثة علمية إلى المنطقة، وزار اليمن وموانئ البحر الأحمر، ثم غادر اليمن عبر مضيق باب المندب متجهاً إلى بومباي، وتضمنت أعماله خرائط وملاحظات جغرافية دقيقة عن البحر الأحمر والسواحل اليمنية.

وجيمس بروس من أشهر الرحالة الأوروبيين الذين ارتبط اسمهم بباب المندب، إذ ذكر في رحلاته أنه أبحر من اللحية باتجاه باب المندب، ووصف جزيرة ميون وصفاً تفصيلياً، متحدثاً عن طبيعتها الصخرية ومينائها وموقعها في المضيق، وتظهر في روايته ملاحظات فلكية وجغرافية عن المنطقة.

جزيرة صغيرة في قلب طريق عالمي

تكمن أهمية ميون في موقعها داخل باب المندب الذي يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن خلاله تمر السفن الآتية من المحيط الهندي وخليج عدن باتجاه البحر الأحمر وقناة السويس، ومنها إلى البحر المتوسط وأوروبا.

وهذا الموقع يجعل أي اضطراب في المضيق ذا آثار تتجاوز اليمن والمنطقة، فتعطل الملاحة أو ارتفاع مستوى الأخطار الأمنية يدفع شركات النقل إلى إعادة حساب مساراتها، ومن الممكن أن تضطر بعض السفن إلى سلوك طريق أطول حول رأس الرجاء الصالح، مما يرفع زمن الرحلة وكلفتها واستهلاك الوقود والتأمين.

ولا تقتصر أهمية باب المندب على حركة البضائع، إذ ظل الطريق البحري المرتبط به مهماً في نقل موارد الطاقة والمواد الخام والسلع بين الشرق والغرب.

ومن هنا، ارتبط أمن المضيق على مدى عقود بأمن البحر الأحمر وميناء عدن والموانئ الواقعة على جانبيه، وبالتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة.

جغرافيا صغيرة.. تأثير عالمي

تختصر ميون وباب المندب مفارقة جغرافية لافتة، مساحة محدودة وتأثير يتجاوز حدودها بكثير.

فالجزيرة التي بدت للخلاقي قبل أكثر من 40 عاماً موقعاً عسكرياً بعيداً في البحر، أصبحت اليوم جزءاً من مشهد تتقاطع فيه مصالح اليمن ودول المنطقة والقوى الدولية وشركات النقل البحري.

ولذلك، فإن فهم باب المندب لا يبدأ من الحرب وحدها، ولا ينتهي عند حركة السفن. إنه يبدأ من الجغرافيا التي جعلت من هذا المضيق بوابة بين بحرين ومحيط، ومن التاريخ الذي حوّله إلى طريق للتجارة، ومن السكان الذين عاشوا على شواطئه قبل أن يصبح اسم المضيق عنواناً دائماً في نشرات الأخبار.

سكان يعيشون إلى جوار شريان دولي

على رغم أن باب المندب يحظى باهتمام القوى الدولية وشركات الملاحة والجيوش، فإن المجتمعات المحلية المحيطة به تعيش واقعاً مختلفاً.

وتتبع مديرية ذو باب محافظة تعز، وتضم مناطق ساحلية وجزيرة ميون، فيما يعتمد السكان بدرجات متفاوتة على الصيد وتربية المواشي والرعي وبعض الأنشطة المرتبطة بالبيئة الساحلية.

ويعيش هؤلاء السكان قرب طريق تمر عبره سفن ضخمة تحمل بضائع وطاقة إلى أسواق بعيدة، في مفارقة واضحة بين القيمة الاقتصادية العالمية للمكان ومستوى النشاط الاقتصادي المحلي.

أما ميون، فتظل محدودة الموارد مقارنة بأهميتها الجغرافية. فطبيعة الجزيرة ومناخها ومحدودية مصادر المياه والخدمات جعلت الحياة فيها مرتبطة بظروف قاسية، بينما بقي البحر المورد الأهم للسكان.

وربما لهذا تبدو رحلة الخلاقي إلى ميون عام 1980 أكثر من مجرد ذكرى قديمة، فهي تقدم صورة لمكان كان يدرك أهميته قبل أن تعيده الأحداث لواجهة الاهتمام العالمي.

(جمال شنيتر)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI