أثارت تقارير تتحدث عن إطلاق ميليشيات الحوثيين المدعومة من إيران، حملات قسرية للتبرع بالدم تساؤلات حول دلالات ذلك، وما إذا كان حجم الخسائر في الجبهات المشتعلة هو الذي يدفع نحو استنفار طبي في مناطق سيطرة الحوثيين.
وتتحدث قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن تكبيد الحوثيين خسائر فادحة في عديد من الجبهات مثل تعز وباب المندب، فيما قال سكان في صنعاء، التي استولت عليها الميليشيات منذ أعوام، إن الجماعة تستخدم عربات وشاحنات تتبع "المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه" لإرغام المواطنين على التبرع بالدم لفائدة عناصرها الجرحى.
ولا يقتصر هذا الأمر على صنعاء، حيث تشير التقارير إلى أن محافظات إب وذمار والحديدة تشهد استنفاراً طبياً في محاولة لتحصيل كميات كبيرة من الدم في ظل الاستنزاف الحوثي على الجبهات مع توسيع التحالف بقيادة السعودية غاراته على مواقع الميليشيات، وأيضاً تقدم القوات الحكومية ميدانياً.
تحوط أم خسائر
ومنذ إطلاق رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي عملية "فجر اليمن" التي تهدف إلى استعادة السيطرة على جميع أنحاء البلاد وإنهاء الانقلاب الذي شنه الحوثيون، تتكتم الميليشيات بصورة كبيرة على خسائرها في الجبهات.
وعدت أستاذة العلوم السياسية أريج جبر أنه "لا يمكن النظر إلى تقارير حملات التبرع القسري بالدم في مناطق سيطرة الحوثيين، باعتبارها مجرد حملات صحية اعتيادية، فالمسألة تتجاوز الاحتياج الطبي لتطرح تساؤلات جدية حول واقع الميدان، وحجم الخسائر المحتملة في صفوف المقاتلين، ومدى الضغط الذي تواجهه الجماعة في تأمين الإسناد الطبي، بالتوازي مع احتمال سعيها إلى بناء مخزون استراتيجي من الدم تحسباً لاستمرار العمليات العسكرية أو اتساع نطاقها، بمعنى أن هناك طرحاً قابلاً للنفاذ باتباع استراتيجية الاستنزاف والإنهاك واستدامة العمليات".
وقالت جبر في حديث مع "اندبندنت عربية"، "هل تعكس هذه الحملات ارتفاعاً في الإصابات والخسائر البشرية نتيجة العمليات العسكرية التي تستهدف مناطق انتشار الحوثيين أم أنها تأتي في إطار تحوط استباقي لتجنب أي نقص في الإمدادات الطبية مع استمرار المواجهات؟ لا يمكن الجزم بأحد الاحتمالين من دون معطيات ميدانية إضافية، لكن تكثيف الحملات يضع احتمال الضغط الطبي والعسكري على طاولة التحليل، من دون أن يشكل وحده دليلاً على استنزاف حاسم أو تراجع القدرة القتالية".
وشددت على أن "الأكثر خطورة هو أن كلفة الحرب لم تعد تقتصر على الجبهات، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فإرغام المواطنين والموظفين على التبرع بالدم يعني تحميلهم مسؤولية إضافية في توفير حاجات المقاتلين الطبية، وتحويل المجتمع إلى جزء من منظومة التعبئة العسكرية.
ويكتسب ذلك دلالة أكثر قسوة في بلد يعاني الجوع والفقر وتدهور الخدمات الصحية ونقص الإمدادات الطبية، إذ يصبح المواطن أمام كلفة مضاعفة للحرب، يدفعها من أمنه ومعيشته وصحته".
وأبرزت جبر أن "هذه التطورات تستحق القراءة بالتوازي مع التقارير السابقة عن التجنيد القسري للأطفال واستقطاب الأفارقة.
فتقاطع هذه المؤشرات، إذا ثبتت صحتها، قد يعكس ضغوطاً على الموارد البشرية والعسكرية، ومحاولات لتعويض النقص المحتمل في المقاتلين. غير أن تأكيد وجود فجوة في القوة البشرية يتطلب التحقق من حجم الخسائر وحركة التعزيزات ومعدلات التجنيد".
فتور
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه قوات الشرعية اليمنية المسنودة بغطاء جوي من التحالف إلى تثبيت مكاسبها الميدانية، لا سيما في باب المندب تمهيداً للانطلاق صوب العاصمة صنعاء والحديدة، فيما يحشد الحوثي من أجل منع هذا التقدم.
ويعتقد الباحث السياسي اليمني ياسين التميمي أن "المعارك الأخيرة تسببت في خسائر هائلة وغير مسبوقة في صفوفها ما بين قتيل وجريح، بسبب انخراط أعداد كبيرة ضمن وقود تصعيدها الأخير".
وأضاف التميمي في تصريح خاص، أن "الأسلحة المستخدمة في المعركة الأخيرة، وفي مقدمها الطائرات المسيرة إلى جانب أن المعركة تشهد تدخلاً مكثفاً للطيران الحربي، كل ذلك أسهم في ارتفاع خسائر الميليشيات الإرهابية".
وأردف المتحدث ذاته أن "من الواضح أن استجابة الناس لدعاوى التبرع بالدم تشهد فتوراً بسبب شعورهم بأن الحرب لا تخدم هدفاً وطنياً مشتركاً بقدر ما تندرج في إطار مغامرة هذه الميليشيات التي تدور حول فرض نمط سياسي لا وطني على الشعب اليمني".
استياء صامت
أما أريج جبر فقالت إنه "شعبياً، الاستجابة لهذه الحملات لا تعني بالضرورة وجود تأييد سياسي، فقد تكون مدفوعة بدوافع إنسانية أو مفروضة تحت الضغط، فيما قد يؤدي الإكراه إلى تعميق الاستياء الصامت".
واستنتجت أن "عليه، فإن المؤشر الأهم ليس حملة التبرع وحدها، بل ما ستكشف عنه التطورات اللاحقة عن أعداد الجرحى والقتلى، وحركة التعزيزات، وقدرة الحوثيين على تعويض خسائرهم واستدامة عملياتهم.
فهذه الحملات قد تعكس ضغطاً عسكرياً وطبياً متزايداً، أو تحوطاً استراتيجياً لتأمين الحاجات المقبلة، أو كليهما معاً، لكنها لا تثبت وحدها انهياراً عسكرياً. ويبقى السؤال: إلى أي مدى تستطيع الجماعة مواصلة القتال من دون أن تتفاقم كلفته على بنيتها العسكرية والمجتمع الخاضع لسيطرتها؟".
(صغير الحيدري)