4 إبريل 2025
2 إبريل 2025
يمن فريدم-اندبندنت عربية


عرفت الإنسانية عبر تاريخها الطويل أنواعاً مختلفة من التجسس البشري، كذلك استخدمت في كثير من الأحيان الطيور لا سيما الحمام الزاجل في نقل الرسائل، وتالياً في القرن الـ20، ومع بدايات زمن الاتصالات اللاسلكية، نشأت البرقيات المشفرة، التي كانت عملية فك شفراتها هي الهدف الرئيس لأجهزة الاستخبارات خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

على أنه ومنذ نهاية القرن الماضي، ومع حلول منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، تبدو البشرية على عتبات مرحلة أكثر إثارة من حروب الظل، أي أعمال الاستخبارات التي تستخدم فيها المعلومات عينها، لكن عبر وسائل نقل مختلفة كل الاختلاف عما جرت به المقادير سابقاً.

والشاهد أنه في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعات وأحجام غير مسبوقة، يقف مجتمع الاستخبارات عند مفترق طرق حاسم، فالذكاء الاصطناعي لا يعزز جمع المعلومات الاستخباراتية التقليدية فحسب، بل إنه يعيد هيكلة الطريقة التي تجري بها الدول عمليات التجسس ومعالجة المعلومات الاستخباراتية بصورة أساس، ويعكس هذا التحول القفزات التكنولوجية التاريخية في جمع المعلومات الاستخباراتية، ولكن مع آثار أوسع بكثير في الأمن العالمي والخصوصية.

هل يعني ذلك انتهاء أو انتفاء دور العنصر البشري من عمليات التجسس؟

المؤكد سيظل الإنسان هو الوحدة الرئيسة في أعمال التجسس والحروب، غير أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الاستخباراتية يمثل التحول الأكثر أهمية في التجسس منذ ظهور الاستطلاع عبر الأقمار الاصطناعية.

هنا يمكن القطع بأن وكالات الاستخبارات الحديثة تستفيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي لمعالجة كميات هائلة من البيانات من مصادر متعددة مثل صور الأقمار الاصطناعية واعتراض الاتصالات وموجزات وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير الاستخبارات البشرية، ذلك كله بسرعات لم يكن من الممكن تصورها قبل عقد من الزمان فحسب، ويمكن لهذه الأنظمة تحديد الأنماط والإشارة إلى ما هو خارج عنها وإنشاء تحليلات أولية كان لها أن تستغرق من فرق المحللين أسابيع أو أشهراً لإنتاجها.

هل دخلت البشرية عصر التجسس الجماعي؟ وكيف يمكن إعادة تصور التجسس في عصر الذكاء الاصطناعي؟ ثم ما مستقبل مجمع الاستخبارات في ضوء ما بعد هذا الذكاء، أي عند الانتقال من عالم الـAI إلى آفاق الـSAI أي الذكاء الاصطناعي الفائق، وصولاً إلى المرحلة المتقدمة جداً المعروفة باسم AGI أي الذكاء الاصطناعي العام، الذي يلف كل شؤون وشجون الحياة البشرية؟

من التجسس البشري إلى الإلكتروني

ما الهدف المطلوب من عمليات التجسس في كل الأزمنة، وعبر كل بقاع وأصقاع المسكونة؟

المؤكد وببساطة شديدة معرفة ما يكفي من معلومات عن الخصم، فالمعلومات هي وقود العمليات الاستخباراتية، سواء كانت لها قيمة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.

وبحسب لجنة "أسبن – براون" تلك التي أنشأها الكونغرس الأمريكي في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1994، أي على مقربة من انهيار الاتحاد السوفياتي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة قطبية بمقدرات العالم، عرفت عمل الاستخبارات بأنه الحصول على معلومات عن الدول والأشياء الأجنبية، عن الأماكن والأشخاص والأحداث، وكذلك المخترعات أو المكتشفات، وجميعها تحتاج إليها الحكومة الأميركية لأداء وظيفتها.

أما فكرة الذكاء فتشير إلى المعلومات المتعلقة بـ"الأشياء الأجنبية" التي تُجمع بوسائل سرية، والمعلومات المتاحة من خلال الوسائل التقليدية ووفقاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA فإن "العالم السيبراني" مصطلح يستخدم لوصف الأشياء الجديدة التي أصبحت ممكنة الآن نتيجة لانتشار أجهزة الكمبيوتر والأنظمة والأجهزة المترابطة. وهي تتعلق بمعالجة البيانات أو نقل البيانات أو المعلومات المخزنة في الأنظمة.

ويشمل التجسس الإلكتروني ما يلي:

-الوصول غير المصرح به إلى الأنظمة أو الأجهزة للحصول على المعلومات.

-الهندسة الاجتماعية للأشخاص الذين لديهم تصريح بالوصول إلى الأنظمة أو الأجهزة للحصول على المعلومات.

-شن الهجمات الإلكترونية للحصول على معلومات سياسية وتجارية وعسكرية.

ولا يقتصر التجسس عبر الذكاء الاصطناعي على المجالات العسكرية فحسب، بل يمتد كذلك إلى التجسس الاقتصادي والصناعي، مما يعد تهديداً كبيراً لازدهار أي دولة وأمنها وميزتها التنافسية.

ويعد التجسس الاقتصادي السيبراني أحدث الطرق لسرقة الأسرار التجارية، وللاستيلاء على الملكيات الفكرية، وعادة ما يكون هذا النوع من التجسس أكبر حجماً ونطاقاً، ويشكل استنزافاً كبيراً للميزة التنافسية وحصة السوق.

ويعد الفضاء الإلكتروني المجال التشغيلي المفضل لكثير من الجهات الفاعلة المهددة، بما في ذلك البلدان والجماعات التي ترعاها الدولة والجريمة المنظمة والأفراد، كذلك يقدم الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء نقاط ضعف جديدة.

وعادة ما تتم أنشطة التجسس الإلكترونية من قبل مهاجمين إلكترونيين ترعاهم الحكومات، بهدف توفير المعرفة للدول للحصول على مكاسب سياسية وتجارية وعسكرية.

والسؤال الآن: هل بات العالم على موعد مع عالم الحروب الهجينة؟ وإن كان ذلك كذلك فما أبعاد تلك الحروب؟

البشر والتكنولوجيا.. جيل التجسس الهجين

يبدو مفهوم التجسس الهجين، مفهوماً جديداً، إذ لم يكن موجوداً في زمن الحرب العالمية الثانية، إذ تمزج الحرب الهجينة بين الحرب التقليدية والتكتيكات غير النظامية والعمليات السيبرانية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

هنا يستغل هذا النهج الطيف الكامل من الأدوات العسكرية وغير العسكرية المتاحة للدولة، مستغلاً العتبات القانونية والمعرفية التي تحدد الحرب. ومن خلال العمل عبر هذه المجالات تسعى الدول المشاركة في الحرب الهجينة إلى تحقيق أهدافها في كثير من الأحيان من دون تجاوز العتبة التي من شأنها أن تؤدي إلى استجابة عسكرية كاملة النطاق من الخصوم.

ويشكل دمج التجسس السيبراني في الحرب الهجينة تحديات كبيرة للدول المستهدفة والمجتمع الدولي، فعلى سبيل المثال الطبيعة السرية للعمليات الإلكترونية تعقد عملية نسب الهجمات إلى جهات فاعلة محددة، وهو تحد رئيس في الاستجابة للتهديدات الهجينة وردعها.

كذلك تستغل الحرب الهجينة الفجوات في القانون الدولي والمعايير الدولية، وبخاصة في الفضاء الإلكتروني، حيث تظل المعايير القانونية الدولية الواضحة وآليات التنفيذ غير متطورة.

كما تتطلب الاستجابة الفعالة للتهديدات الهجينة التنسيق عبر مجالات متعددة عسكرية وسيبرانية واقتصادية وإعلامية، وبين هيئات وطنية ودولية مختلفة، وهو ما قد يكون صعباً من الناحيتين البيروقراطية والفنية.

لكن ماذا عن أهم مكونات حروب التجسس الهجينة الجديدة؟

تشكل عمليات التجسس السيبرانية عنصراً أساساً في استراتيجيات الحرب الهجينة، وهي تشمل مجموعة من الأنشطة تراوح ما بين التجسس السيبراني والهجمات السيبرانية المباشرة ضد البنية الأساس الحيوية، والهدف غالباً هو تعطيل أو إضعاف أو الوصول إلى أنظمة المعلومات المهمة، وخلق مزايا استراتيجية من دون مواجهة مادية.

كذلك تتضمن هذه الحرب الاستخدام الاستراتيجي للمعلومات للتأثير في العدو أو إرباكه أو إضعافه، وغالباً ما تتضمن نشر حملات الدعاية والتضليل، وتستغل وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من منصات الاتصال الرقمية للتلاعب بالإدراك العام وزرع الانقسام داخل مجتمع الخصم.

ومن بين أعمال التجسس السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي تأتي عمليات التخريب والإرهاب السيبراني، ويشير هذا المفهوم إلى الأنشطة التي تهدف إلى تعطيل أو تدمير الأداء الموثوق والخالي من الأخطاء لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الفضاء الإلكتروني، واعتماداً على نوع التخريب والهدف المهاجم، قد يكون لهذا أيضاً آثار مادية.

ولا تهدف أعمال التجسس السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي إلى التخريب فحسب، بل إلى الترهيب وإظهار القوة، بقصد زعزعة استقرار منظمة أو حتى مجتمع بأكمله.

هل استخدام الذكاء الاصطناعي جديد النشأة بالمرة، أم أنه كانت له بوادر وإرهاصات خلال الحرب الباردة، تلك التي استمرت زهاء أربعة عقود، بين حلف الناتو وحلف وارسو؟

الاستخبارات والذكاءات والحرب الباردة

في تقرير مطول صادر عن جامعة "بورتسموث" في بريطانيا بتاريخ مايو/ أيار 2023، يشير البروفيسور ديفيد تاونلي زميل التدريس في الأمن الدولي، إلى أن الدعاية الأخيرة حول برنامج الدردشة الآلي للذكاء الاصطناعي Chat GBT أثارت قدراً كبيراً من القلق العام في شأن نموه وإمكاناته، وقد حظرت بعض الدول الأوروبية أخيراً مثل إيطاليا الإصدار الأحدث، مشيرة إلى مخاوف في شأن الخصوصية بسبب قدرته على استخدام المعلومات من دون إذن.

غير أنه من الواضح أن هذا القلق، وبخاصة لدى الأوروبيين، مغالى فيه، ذلك لأن وكالات الاستخبارات الأمريكية، بما في ذلك الـCIA، أي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، المسؤولة عن الاستخبارات الخارجية للولايات المتحدة، ومنظمتها الشقيقة، وكالة الأمن القومي، كانت تستخدم أشكالاً سابقة من الذكاء الاصطناعي منذ بداية الحرب الباردة.

والثابت تاريخياً أنه مع نهاية الحرب الباردة، أُنشئت أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإعادة إنتاج عملية اتخاذ القرار التي يقوم بها الخبراء البشريون لتحليل الصور للمساعدة في تحديد الأهداف المحتملة للإرهابيين، من خلال تحليل المعلومات بمرور الوقت واستخدامها للتوصل إلى توقعات.

تالياً ومع بدايات الألفية الجديدة بدأت كل المنظمات العاملة في مجال الأمن الدولي في جميع أنحاء العالم في استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدتها في العثور على "طرق مبتكرة لاستغلال وإثبات الصلة وضمان صدق المعلومات التي تتعامل معها"، والعهدة هنا على الراوي مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي السابق، دان كوتس عام 2017.

ويضيف كوتس أن القيود على الموازنة والقيود البشرية ومستويات المعلومات المتزايدة تجعل من المستحيل على وكالات الاستخبارات إنتاج التحليلات بسرعة كافية لصناع القرار، ومن هنا تظهر الحاجة الماسة إلى الذكاءات الاصطناعية المتعددة.

عام 2019 أصدرت مديرية الاستخبارات الوطنية التي تشرف على عمليات الاستخبارات الأميركية مبادرة تعرف باسم AIM وهي استراتيجية مصممة لإضافة مزيد من الأنشطة الاستخباراتية باستخدام الآلات، مما يمكن وكالات الاستخبارات البشرية بالتعامل مع مهام أخرى.

لقد باتت الآلات تعمل بصورة أسرع من البشر، وربما يكون هذا أمراً جيداً لرجالات السياسة فوق قمة الهرم لأي حكومة حول العالم، وتحديداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

تتزايد الحاجة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم لا سيما في ظل ما يتعرض له الساسة من ضغوط متزايدة لاتخاذ قرارات أسرع من أسلافهم، والسبب هو أن المعلومات باتت متاحة بصورة أسرع من أي وقت مضى.

هنا تشير عالمة الاستخبارات إيمي زيغارت إلى أن جون كينيدي كان لديه 13 يوماً لاتخاذ قرار في شأن مسار العمل في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بينما كان لدى جورج دبليو بوش 13 ساعة لصياغة الرد على هجمات الـ11 من سبتمبر/ أيلول عام 2001، وقد يكون من الضروري لاحقاً اتخاذ قرار في غضون 13 دقيقة.

لقد باتت الذكاءات الاصطناعية بالفعل اليد اليمني لوكالات الاستخبارات في معالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات، من مجموعة واسعة من المصادر، وهي تفعل ذلك بصورة أسرع وأكثر كفاءة من البشر، لا سيما أنه يمكنها أن تحدد الأنماط في البيانات وكذلك اكتشاف أي خروج عن السياقات الطبيعية المألوفة، مما يصعب على ضباط الاستخبارات البشرية اكتشافه.

كذلك تستطيع وكالات الاستخبارات أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد أي تهديدات محتملة للتكنولوجيا المستخدمة للتواصل عبر الإنترنت، والرد على الهجمات الإلكترونية، وتحديد السلوكيات غير المعتادة على الشبكات، ويمكنه العمل ضد البرامج الضارة والمحتملة والمساهمة في بيئة رقمية أكثر أماناً.

هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يعيد بالفعل تصورات التجسس بجميع أبعادها في القرن الـ21؟

تكنولوجيات الذكاء والمعلومات الاستخباراتية

الجواب عن علامة الاستفهام المتقدمة، تقدمها لنا خبيرة الاستخبارات إيمي زيغارت الزميلة البارزة في معهد فريمان سيرجلي للدراسات الدولية ومؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة، فضلاً عن كونها رئيسة للجنة التوجيهية للأمن الدولي في معهد هوفر.

تتناول هوفر واقع حال عملية جمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الحاضر، إذ هناك قدر عظيم من البيانات التي يتعين عليها أن تنتقل إلى أيدي المحللين الاستخباريين، بأكثر من أي وقت مضى، فمن خلال بناء خوارزميات لتحليل صور الأقمار الاصطناعية، على سبيل المثال، قد يكون لدى البشر نطاق ترددي أكبر للقيام بالتفكير التحليلي على مستوى أعلى.

تقول زيغارت إنه في "عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن تستقبل وكالات الاستخبارات المعلومات من أي مكان، من الباحثين في معاهد الدراسات، من شركات التكنولوجيا الخاصة، من الأقمار الاصطناعية التجارية، من المواطنين العاديين الذين يبثون مباشرة من على فيسبوك".

كلمات زيغارت تقودنا إلى ما بات يسمى اليوم داخل مجتمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية باسم "الخمسة أشياء الأخرى".. ماذا عن هذا المصطلح؟

باختصار غير مخل، هناك خمسة أشياء تدفع في طريق تغيير صناعة الاستخبارات بطرق دراماتيكية.

العنصر الأول هو مزيد من التهديدات، ومزيد من أنواع الجهات الفاعلة الشريرة التي يمكنها التهديد عبر مسافات جغرافية شاسعة في الفضاء الإلكتروني. فمنذ فجر التاريخ وحتى اختراع الإنترنت في ستينيات القرن الـ20، كان هناك شيئان يوفران الأمن: القوة والجغرافيا، ولكن هذا لم يعد صحيحاً، ففي الفضاء الإلكتروني يستطيع أي شخص أن يهدد عبر الحدود من دون إطلاق رصاصة واحدة لأن الأحياء الطيبة والسيئة متصلة جميعها عبر الإنترنت.

العنصر الثاني هو البيانات، فبفضل التقنيات الحديثة تتضاعف كمية البيانات على الأرض كل 24 شهراً، وهي كمية مذهلة ومعظمها من مصادر مفتوحة متاحة للعامة، ففي الماضي كان لزاماً على وكالات الاستخبارات أن تبحث عن الأسرار، لكنها الآن تغرق في البيانات.

العنصر الثالث هو السرعة، فالمعلومات تنتقل بسرعات أكبر، واتخاذ القرارات بسرعة أكبر ييسر من مواجهة النوازل بصورة قاطعة.

العنصر الرابع يتعلق بالعدد المتزايد من صناع القرار الذين يحتاجون إلى المعلومات الاستخباراتية، ذلك أنه لم يعد رؤساء الوكالات الاستخباراتية وأصحاب التصاريح الأمنية من يحتاجون إلى المعلومات، بل قادة شركات التكنولوجيا، وملاك الأسهم في الكيانات المتعددة الجنسيات، ناهيك بكبار المرشحين لمناصب قيادية سياسية أو اقتصادية حول العالم.

العنصر الخامس موصول بـ"المنافسة"، ذلك أنه كلما توافرت المعلومات حول العالم ازدادت حدة المنافسة بين الأجهزة الاستخباراتية.

على سبيل المثال خلال الغارة التي قتل فيها أسامة بن لادن لم ير الجيش الباكستاني القوات الأمريكية قادمة، لكن أحد السكان المحليين سمع صوت المروحيات، وكان يبث تغريدات حية طوال وقت كانت تحدث فيه العملية... ماذا يعني ذلك؟

يعني أنه بإمكان أي شخص أن يصبح جامعاً أو محللاً للمعلومات الاستخباراتية اليوم، سواء أدرك ذلك أم لا.

على أن أحد الأسئلة المتقدمة والمثيرة للقلق حول العالم: هل ستتمكن الأجهزة الاستخباراتية من تسخير الذكاء الاصطناعي لسبر أغوار وتحليل المشاعر البشرية، مما يعني التداخل بين ما هو عام وخاص، نفسي وجسمي، وبصورة غير مسبوقة يتهدد الحريات الشخصية ومساحات الخصوصية الإنسانية؟

وكالات الاستخبارات وتحليل المشاعر

في أواخر العام الماضي أصدر المدير التنفيذي لشركة Vrata Tech Solution إحدى شركات مجموعة Arvind Mafatlal رائد أعمال في مجال التكنولوجيا، وقائد التحول الرقمي والأعمال التجارية، البروفيسور فيفك باندي، دراسة حول الدور المتقدم لوسائل الذكاء الاصطناعي في قادم الأيام.

الورقة البحثية أوسع من أن نناقش تشابكاتها وتقاطعاتها في هذه القراءة، لكننا نختار منها على وجه التحديد، جزئية تحليل المشاعر.

يمكن تحليل المشاعر عبر الذكاءات الاصطناعية من تقييم النغمة العاطفية وراء البيانات النصية، ومن خلال الاستفادة من خوارزميات التعلم الآلي المتقدمة، يساعد تحليل المشاعر وكالات التجسس على استخلاص رؤى من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني والمنتديات العامة، وغيرها من صور الاتصال النصي.

هنا تبدو القدرة على اكتشاف المشاعر الكامنة، مثل الغضب أو الدعم أو الخوف، تسمح لمنظمات الاستخبارات بقياس الرأي العام، وتحديد التهديدات المحتملة، وتتبع التحولات في المشاعر المجتمعية، التي قد تشير إلى الاضطرابات أو عدم الاستقرار.

على الصعيد العالمي، تستخدم وكالات استخباراتية أخرى مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وجهاز الاستخبارات البريطاني MI6 تحليل المشاعر لمراقبة الاتصالات والمنصات الرقمية بحثاً عن علامات تشير إلى نشاط متطرف أو استياء عام.

على سبيل المثال تستخدم وكالة الاستخبارات المركزية تحليل المشاعر لتتبع المناقشات عبر الإنترنت حول الأحداث الجيوسياسية، مما يوفر فهماً في الوقت الحالي لكيفية نظر المجموعات المختلفة إلى الصراعات المحتملة أو التحولات السياسية، وهذا يسمح لها بفهم أفضل للديناميكيات التي قد تؤدي إلى تهديدات أمنية أوسع نطاقاً، تراوح ما بين الإرهاب والاضطرابات المدنية.

هنا تبدو عملية تحليل المشاعر قادرة على تعزيز قدرة وكالات التجسس على تقييم فعالية عملياتها ورواياتها الموجهة إلى الجمهور. فمن خلال تحليل كيفية تلقي رسائلها تستطيع وكالات مثل وكالات الاستخبارات والأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني تعديل استراتيجياتها الاتصالية إما لتهدئة المخاوف العامة أو تعزيز الدعم للمبادرات الوطنية، وهذا النهج القائم على البيانات يمكن وكالات الاستخبارات من أن تكون أكثر استباقية في تشكيل التصورات المحلية والدولية، وضمان أن تتماشى أفعالها مع الأهداف الاستراتيجية الأوسع.

وعلى رغم إمكاناتها الهائلة تواجه تحليلات المشاعر تحديات مثل اكتشاف السخرية وفهم السياق والفروق الدقيقة في اللغة. ويتعين على وكالات الاستخبارات أن تعمل باستمرار على تحسين خوارزمياتها لضمان دقة المشاعر التي تُكتشف في سياقات لغوية وثقافية متنوعة، ومع ذلك ومع نضوج التكنولوجيا ستظل تحليلات المشاعر أداة قيمة لوكالات الاستخبارات، إذ تساعدها على اكتساب فهم أعمق للمشاعر العامة العالمية والبقاء في طليعة التهديدات الناشئة.

هل يقودنا مفهوم تحليل المشاعر إلى إشكالية أكبر تتعلق بالتجسس الحر الكامل والشامل على البشر؟

الكارثة الكبرى أنه اليوم يقوم البشر بأعمال التجسس، لكن ماذا عن الغد؟ هل ستقوم برامج الذكاء الاصطناعي بدورها بالتجسس على البشر لصالحها مما يجعل الإنسان عبداً في نهاية المطاف لمخترعات يديه؟

انتبه.. الذكاء الاصطناعي يعد أنفاسك

المؤكد أن الحديث هنا يتمحور حول دور الذكاء الاصطناعي في أعمال أجهزة التجسس الخاصة بالوكالات الاستخباراتية الدولية، غير أنه ومن دون أدنى شك، فإن هذه النوعية من الذكاءات تتقاطع طولا وعرضاً، شكلا وموضوعاً، مع الحياة الخاصة للبشرية.

لم يعد تجسس الذكاء الاصطناعي حكرا على الـCIA أو الـMI6، فحسب، ذلك أنه من وقت قيامك بطلب توصيات معينة على شبكة "نتفليكس"، مروراً بـ"تشات جي بي تي" وصولاً إلى "أوبن أي آي"، هناك من يراقبك ويستمع إليك ويعلم اختياراتك، ويقيم مواقفك، واليوم تجده يقترح عليك من تلقاء نفسه بعضاً مما تفكر فيه، أما في الغد فحكماً سيفكر هو عوضاً عنك.

هاتفك الذكي على سبيل المثال يعرف كثيراً جداً عنك، وربما يعرف عبر مصفوفات بعينها من الخوارزميات ما هو أكثر مما تفكر فيه، وقبل أن تكتب في محركات البحث.

هذه ليست مصادفة، إنه في الواقع الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بسحره ويحكم على تحركاتك.

ولعل ما لا تعرفه هو أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تُحلل عاداتك الرقمية عبر مجموعة واسعة من الهواتف والنماذج.

إنك تعتقد بصورة عامة أن الهواتف الذكية لا تستجيب للمحادثات بصورة نشطة من دون الحصول على إذن صريح منك، إلا أنها ببساطة لا تحتاج إلى القيام بذلك.

تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحليل كل ما تفعله على هاتفك الذكي، بدءاً مما تكتبه في محرك البحث، وحتى التطبيقات ومواقع الويب التي تفتحها، تتعرف أنظمة الذكاء الاصطناعي المخيفة في هاتفك على مزيد عنك مع كل نقرة أو تمريرة.

هل أتاك يوماً حديث "النص التنبئي السيئ السمعة"؟

إذا شعرت بالدهشة من الطريقة التي يقترح بها هاتفك ما ستقوله بالضبط، فهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يضبط فهمه لأنماط الاتصال الخاصة بك، ولكن ماذا لو ذهبت هذه التكنولوجيا إلى أبعد من ذلك؟ لأنها تستخدم بالفعل اليوم لتتبع حياتك العاطفية، والتنبؤ بتفضيلاتك، وحتى توقع كيفية تصرفك في المستقبل. الأمر أشبه بوجود مساعد شخصي حاصل على شهادة في علم النفس، لكنه مساعد لا ينام أبداً.

هل حرياتنا في خطر؟

عادة ما تطلب أكثر من بضعة تطبيقات، وتثبتها على جهازك، وهناك أذونات نسيتها منذ فترة طويلة، ولكن هذه التطبيقات يمكنها الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والموقع حتى عندما لا تستخدمها. نعم يمكن للذكاء الاصطناعي جمع البيانات في الخفية من مثل هذه التطبيقات، مما يؤدي إلى تكوين صورة جيدة لحياتك.

على سبيل المثال تطبيق الطقس غير الضار هذا قد يتمتع بأكثر من مجرد توقعات الطقس، وحتى عندما تعمل هذه الأجهزة بصورة صحيحة، فإنها تخزن معلومات حول تفضيلاتك وروتينك، تفاعلاتك ومشاعرك، فهي تتعلم متى تكون في المنزل، ومتى تغادر، ما تطلبه منها عادة، وبمرور الوقت تبني هذه الأجهزة خريطة تفصيلية لعاداتك، وعلى رغم أن هذا قد يكون مفيداً، فإنه يشكل أيضاً سبباً خطراً للقلق في شأن الخصوصية.

عن عصر التجسس الجماعي

في مقال افتتاحي في مجلة "سلات"Slate نشر في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2023، حذر الباحث الأمني الشهير بروس شناير من أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تمكن من عصر جديد من التجسس الجماعي، مما يسمح للشركات والحكومات بأتمتة عملية تحليل وتلخيص كميات كبيرة من بيانات المحادثة، مما يخفض بصورة أساس الحواجز أمام أنشطة التجسس التي تتطلب حالياً العمالة البشرية.

وفي المقال عينه يلاحظ شناير أن المشهد الحالي للمراقبة الإلكترونية قد غير بالفعل العصر الحديث، وأصبح نموذج الأعمال للإنترنت، حيث تُتتبع بصماتنا الرقمية وتُحلل باستمرار لأسباب تجارية، وعلى النقيض من ذلك، يمكن للتجسس أن يأخذ هذا النوع من المراقبة المستوحاة من الاقتصاد إلى مستوى جديد تماماً.

ماذا يمكن للناس أن يفعلوا حيال ذلك؟

من المرجح أن يحتاج أي شخص يسعى إلى الحماية من هذا النوع من التجسس الجماعي إلى التطلع إلى التنظيم الحكومي للسيطرة عليه، لأن الضغوط التجارية غالباً ما تتفوق على السلامة والأخلاقيات التكنولوجية.
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI