شهدت محافظة حضرموت، شرقي اليمن، تحولات ميدانية متسارعة في الساعات الماضية، حيث استعادت القوات الحكومية، بدعم من الطيران السعودي، السيطرة على مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وذلك بعد ساعات من سيطرة القوات الحكومية بشكل كامل على وادي حضرموت، فيما أعلن حلف قبائل حضرموت السيطرة على المنطقة العسكرية الثانية في ساحل حضرموت، وطرد ما وصفه بـ"مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي"، وذلك وسط تحركات دبلوماسية سعودية لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي عبر بوابة مؤتمر للحوار بين المكونات الجنوبية بناء على طلب من الحكومة اليمنية.
صمت المجلس الانتقالي الجنوبي
وبينما توالت المواقف المرحبة بالدعوة للحوار من الموالين للشرعية اليمنية، لم يصدر أي موقف من المجلس الانتقالي الجنوبي الذي بدا الإرباك واضحاً عليه في ظل غياب معظم قياداته اليوم عن السمع، وذلك بعد يوم من إعلان رئيسه عيدروس الزبيدي عما سمّاه "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، متضمناً مرحلة انتقالية مدتها عامان، داعياً "المجتمع الدولي لرعاية الحوار بين الأطراف المعنية جنوباً وشمالاً حول مسار وآليات تضمن حق شعب الجنوب وفق الإطار الزمني المحدد، يصاحبها إجراء استفتاء شعبي ينظم ممارسة حق تقرير المصير لشعب الجنوب"، في خطوة قوبلت بتجاهل واسع وانتقادات.
ومن دون الإشارة إلى الدعوة إلى مؤتمر الحوار بين المكونات الجنوبية، اعتبرت الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، في بيان اليوم السبت، أن "أهلنا في حضرموت المسالمة يتعرضون لتصعيد عسكري خطير تقوده جماعة الإخوان الشمالية، بدعم عسكري مباشر واستخدام الطيران، مستهدفاً المدنيين والمرافق الحيوية، وفي مقدمتها مطار سيئون، وذلك على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية كافة".
وأضاف أن الإجراءات في سيئون و"الصادرة عن دولة كانت في صدارة التحالف العربي الذي أُعلن هدفه استعادة الشرعية ومواجهة الانقلاب الحوثي، تتجاهل بصورة مؤلمة ما قدمته القوات الجنوبية من تضحيات جسيمة على مدى 10 سنوات، واجهت خلالها الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وأسهمت بفاعلية في تأمين المنطقة وحماية الأمن الإقليمي والدولي، بما يجعلها شريكاً موثوقاً لا يجوز استهدافه أو تقويضه".
وطالب بـ"الوقف الفوري والشامل للعدوان العسكري، وحماية المدنيين من القصف والاستهداف، وتجنيب المرافق الحيوية والبنية التحتية أي أعمال عسكرية، و الالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي الإنساني، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تكفل حماية المدنيين وممتلكاتهم، ورفض استخدام القوة كخيار وحيد، واعتماد الحوار والاعتراف بإرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، والتعاطي الإيجابي والمسؤول مع الإعلانين السياسي والدستوري الصادرين عن المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتبارهما إطاراً انتقالياً واقعياً يهدف إلى معالجة الأوضاع المتأزمة، وتهيئة مسار سياسي عادل وشامل لحل مختلف القضايا، وفي مقدمتها قضية شعب الجنوب العربي، بما يضمن حقه الكامل في أرضه وثرواته وقراره السياسي، بعيداً عن سياسات النهب والإقصاء والتهميش". ودعا إلى "الاعتراف بحق الشعب الجنوبي المشروع في الدفاع عن نفسه، وفي تقرير مستقبله السياسي، وفقاً للمواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة، وبما يحقق السلام العادل والدائم في المنطقة".
وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قد أكد أمس الجمعة التزام المجلس التعامل المسؤول مع القضية الجنوبية بوصفها محوراً رئيسياً في أي تسوية سياسية قادمة، مشدداً على أن الحل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توافق وطني واسع، وبرعاية إقليمية ودولية تضمن مشاركة جميع الأطراف دون استثناء.
وبحسب بيان نشرته وكالة الأنباء اليمنية سبأ بنسختها التي تديرها الشرعية اليمنية، تقدم العليمي إلى السعودية بطلب استضافة ورعاية مؤتمر للحوار في مدينة الرياض، "امتداداً لدور المملكة المحوري في دعم اليمن وشعبه، ورعاية كافة مسارات التوافق، وبما يوفر بيئة مناسبة لحوار جاد ومسؤول يفضي إلى نتائج عملية قابلة للاستدامة".
وجاءت دعوة العليمي عقب بيان صدر عن عدد من المكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية أعلنت فيه رفضها القاطع لما وصفته بـ"الإجراءات الأحادية" التي أقدم عليها الزبيدي، معتبرة أنها تمس جوهر القضية الجنوبية، وتقصي مكونات وشخصيات فاعلة، وتخدم أجندات خارجية ألحقت ضرراً بوحدة الصف الجنوبي.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يقوده الزبيدي، قد نشر، أمس الجمعة، ما سمّاه "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، متضمناً تصوراً كاملاً لشكل الدولة والنظام السياسي والاقتصادي وهيئات الحكم خلال مرحلة انتقالية مدتها عامان، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً في اليمن. ونصّت المادة الأولى من الإعلان على أن "دولة الجنوب العربي دولة مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها عدن"، وأن حدودها هي "الحدود الدولية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقاً". وحدّد الإعلان مرحلة انتقالية مدتها سنتان، قابلة للتمديد لمرة واحدة بقرار من الهيئة التشريعية الانتقالية، بهدف "تهيئة الظروف لبناء دولة مدنية ديمقراطية".
كما نصّ على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة رئيس الدولة، تتولى إدارة شؤون البلاد وتوفير الخدمات وحماية حقوق المواطنين خلال المرحلة الانتقالية. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي دان، في بيان أمس الجمعة، ما وصفه بـ"العدوان السعودي" والحرب العسكرية الخطيرة التي يتعرض لها الجنوب.
وعقب دعوة العليمي، رحبت السعودية بطلب عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، يجمع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية على طاولة حوار واحدة، بهدف التوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية ضمن إطار الحل السياسي الشامل في اليمن. ويُنظر إلى الدعوة السعودية إلى عقد المؤتمر على أنها محاولة لفتح مسار سياسي موازٍ للتطورات العسكرية.
وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، إن المؤتمر يأتي استجابة لطلب رسمي تقدم به العليمي، و"انطلاقاً من قناعة الرياض بأن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية"، مؤكدة أن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجتها في سياق تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية. ودعت جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمر من أجل بلورة تصور شامل للحلول، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة".
انتحار سياسي
وقال المحلل السياسي ورئيس مؤسسة بران الإعلامية محمد الصالحي، لـ"العربي الجديد"، إن "إقدام المجلس الانتقالي الجنوبي وعيدروس الزبيدي على هذه الخطوة (الإعلان الدستوري) انتحار سياسي، لأن الجميع يدرك أن إنجاز ما أعلن عنه الزبيدي لا يمكن تحقيقه". واعتبر أن "الجميع يدرك أن اجتياح حضرموت عبارة عن مغامرة، والجميع يعرف أن المجلس الانتقالي وعيدروس الزبيدي ليسوا أصحاب القرار، بل إن الإمارات هي من دعمت ووجهت الزبيدي للتحرك إلى حضرموت.
وكان هناك قراءة خاطئة لموقف السعودية بأنها قد تقبل الأمر الواقع، جراء التطمينات الإماراتية المتكررة، وإثارة المخاوف من الأطراف الأخرى، لكن الموقف السعودي أدرك جيداً ما يُخطَط له، خصوصاً أن ما تم في حضرموت حينها لم يكن بمنأى عن المخططات الموجودة في المنطقة، والسعودية تدرك أن هناك مخططات ترسم بعناية لأجل تطويقها، بكثير من الحركات الانفصالية، وكذلك في مصر وعدد من الدول العربية.
واعتبر أن "ردة الفعل القوية من السعودية وبيان العليمي بضرورة خروج القوات الإماراتية من اليمن، بالإضافة إلى البيانات الأخرى من دول في التحالف العربي وغيرها صدمت الإمارات، التي تخلت بشكل كبير عن المجلس الانتقالي، لأنها تدرك جيداً التبعات القانونية في حال استمرارها في التدخل بشؤون اليمن. لذلك اضطر المجلس الانتقالي، الذي هزم في حضرموت للقيام بهذه الخطوة (الإعلان الدستوري)، التي لا تمثل شيئاً على أرض الواقع".
وتابع: "الحكومة اليمنية كانت ذكية في التعامل مع الموضوع، حيث وجهت دعوة للمكونات الجنوبية، للاجتماع في الرياض، والسعودية التقطت الإشارة ورحبت بها، وقبلت باستضافة الحوار، لأن الأساس منذ اليوم الأول هل المجلس الانتقالي هو الممثل الشرعي والوحيد للقضية الجنوبية. وكانت الإجابة واضحة جداً بأنه ليس الممثل الوحيد للقضية الجنوبية".
وأضاف: "قد يكون الممثل الأقوى بحكم الدعم اللامحدود من قبل الإمارات، لكنه ليس الوحيد. هناك اختلافات في الشارع الجنوبي، وأكثر من مكون يحمل هذه القضية الجنوبية، لذلك أعتقد أن فرض الأمر الواقع، من خلال تقدم الجيش اليمني، وسيطرته على الكثير من المناطق من المجلس الانتقالي سيرجح كفة الحكومة الشرعية، وسيضع المجلس الانتقالي في موقف محرج، سواء على الأرض أو سياسياً".
(العربي الجديد)