16 يناير 2026
16 يناير 2026
يمن فريدم-فخر العزب


في بلد أنهكته الحرب، تبدو عودة قائد عسكري مخضرم، تشكّلت تجربته بين المؤسسة والحرب والأسر، محاولة لإعادة إدخال منطق الدولة إلى قلب سلطة تتنازعها المصالح والولاءات.

وأعاد قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني تعيين الفريق الركن محمود سالم الصبيحي عضواً في مجلس القيادة أحد أبرز الوجوه العسكرية اليمنية إلى واجهة المشهد السياسي، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد الشخصي، لتلامس تعقيدات المرحلة التي تمر بها البلاد، وحاجة السلطة الشرعية إلى شخصيات تحظى بقبول واسع، وتملك رصيداً مهنياً وعسكرياً قادراً على الإسهام في إعادة ضبط بوصلة المؤسسة العسكرية، وتعزيز التوازن داخل أعلى هيئة قيادية في الدولة.

يبرز الصبيحي اليوم واحداً من أشهر القادة العسكريين اليمنيين حضوراً في تاريخ المؤسسة العسكرية الحديثة، وأكثرهم إثارة للاهتمام من حيث المسار المهني الطويل، والتحولات التي مر بها، من ضابط ميداني، إلى قائد منطقة، فوزير دفاع، ثم أسير حرب، قبل أن يعود اليوم إلى موقع القرار السياسي في مرحلة تتسم بأعلى درجات التعقيد، وتتطلب الصفات التي يمتلكها الصبيحي بالدرجة الأولى، ونعني هنا: الخبرة العسكرية والتوافق.

يمتلك الصبيحي مسيرة عسكرية طويلة بين الميدان والمؤسسة، فهو ينتمي إلى جيل الضباط الذين تدرجوا في المؤسسة العسكرية اليمنية عبر مسار مهني تقليدي، بعيداً عن الطفرات السياسية السريعة.

وُلد محمود سالم الصبيحي في محافظة لحج، جنوب غربي اليمن، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، في بيئة ريفية تنتمي إلى الحزام الجغرافي الذي شكّل تاريخياً خزّاناً بشرياً للمؤسسة العسكرية في جنوب اليمن.

وقد انعكست نشأته المبكرة في بيئة محافظة ومنضبطة على شخصيته العسكرية اللاحقة، التي اتسمت بالصرامة المهنية، والانضباط المؤسسي، والبعد النسبي عن المناكفات السياسية.

مبكراً، التحق الصبيحي بالسلك العسكري، ودرس في الكليات والمعاهد العسكرية في جنوب اليمن قبل الوحدة، ثم واصل تأهيله بعد قيام الجمهورية اليمنية الموحدة عام 1990، حيث خضع لدورات تخصصية في القيادة والأركان، شملت مجالات التخطيط العسكري، وإدارة العمليات، وقيادة الوحدات القتالية.

ويُعد الصبيحي من الضباط الذين راكموا خبرتهم عبر التدرج النظامي داخل المؤسسة بعيداً عن القفزات السياسية، ما منحه معرفة دقيقة ببنية الجيش اليمني، وتعقيداته المناطقية والولاءات المتداخلة داخله.

وعلى امتداد مسيرته، شغل الصبيحي عدداً من المناصب العسكرية الميدانية والإدارية، من بينها: قيادة وحدات عسكرية ميدانية في الجنوب، مناصب قيادية في المناطق العسكرية بعد الوحدة، قائد المنطقة العسكرية الرابعة التي تشمل محافظات عدن، لحج، أبين، والضالع، وهي من أكثر المناطق حساسية من الناحية العسكرية والسياسية.

وخلال قيادته المنطقة الرابعة، اكتسب سمعة القائد الحازم، لكنه في الوقت نفسه القادر على إدارة التوازنات المحلية المعقدة، خصوصاً في بيئة جنوبية تشهد تداخلاً بين العسكري والسياسي والقبلي. وشارك الصبيحي في عدد من المحطات العسكرية المفصلية، أبرزها:

حرب صيف 1994 التي مثّلت لحظة فاصلة في تاريخ الجيش اليمني، وأسهمت في إعادة تشكيل بنيته.

المواجهات الأمنية والعسكرية مع الجماعات المسلحة وتنظيم القاعدة في جنوب البلاد خلال العقد الأول من الألفية.

المواجهة المباشرة مع جماعة الحوثيين عقب تمددها العسكري في 2014–2015، حين كان يشغل مناصب قيادية عليا.

في عام 2014، عُيّن محمود الصبيحي وزيراً للدفاع في حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، في مرحلة كانت الدولة اليمنية تشهد فيها تآكلاً غير مسبوق في مؤسساتها العسكرية والأمنية، مع صعود جماعة الحوثيين وسيطرتها التدريجية على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد. وخلال تلك الفترة، حاول الصبيحي الحفاظ على ما تبقى من تماسك المؤسسة العسكرية في ظل انقسامات حادة، وتدخلات سياسية وإقليمية، وانهيار منظومة القرار المركزي.

في مارس/آذار 2015، وأثناء اجتياح الحوثيين وحلفائهم جنوب اليمن، رفض الصبيحي مغادرة موقعه في محافظة لحج، قبل أن يقع في الأسر، ويقضي نحو ثماني سنوات محتجزاً لدى جماعة الحوثيين.

شكّلت سنوات أسره واحدة من أكثر المراحل تأثيراً في صورته العامة، حيث تحوّل إلى رمز للصمود العسكري، خصوصاً مع تداول معلومات عن رفضه تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية مقابل الإفراج عنه، وهو ما عزز مكانته لدى قطاعات واسعة من اليمنيين بوصفه شخصية عسكرية وطنية دفعت ثمناً باهظاً لخياراتها من دون أن تنخرط في خطاب الكراهية أو الثأر.

أُفرج عن الصبيحي في إطار صفقة تبادل أسرى في إبريل/نيسان 2023، ليعود إلى المشهد العام محاطاً بتقدير واسع، وإن ظل لفترة بعيداً عن مواقع القرار المباشر، قبل أن يُعاد إدماجه اليوم في أعلى هيئة قيادية في الدولة.

يحمل تعيين الصبيحي في مجلس القيادة الرئاسي دلالات سياسية متعددة، في مقدمتها سعي المجلس إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية مكوّناً مهنياً ووطنياً، في مقابل هيمنة التمثيلات السياسية والمناطقية التي طبعت تشكيل المجلس منذ إنشائه.

كما يُقرأ التعيين بوصفه محاولة لتعزيز منسوب التوافق داخل المجلس، عبر شخصية لا تُحسب بشكل صدامي على أي من مراكز النفوذ الإقليمية أو المحلية، وتحظى بقبول نسبي لدى أطراف متباينة، بما في ذلك قوى شمالية وجنوبية، وقيادات عسكرية تقليدية، وحتى أطراف دولية ترى فيه نموذجاً للضابط المحترف.

تعيين الصبيحي وتوحيد القرار العسكري في مجلس القيادة

من الناحية العملية، يُتوقع أن يسهم الصبيحي في إعادة طرح ملف توحيد القرار العسكري والأمني داخل مجلس القيادة، مستنداً إلى خبرته الطويلة في إدارة الوحدات العسكرية، ومعرفته الدقيقة بتعقيدات المؤسسة التي تضررت بشدة بفعل الانقسام والحرب.

كما يُنظر إليه أحدَ الأسماء القادرة على لعب دور وسيط داخل المجلس، في ظل التباينات الحادة بين أعضائه حول قضايا جوهرية، أبرزها مستقبل الجنوب، وإدارة الملف العسكري، والعلاقة مع القوى المحلية المسلحة.

ويعزز من هذه القدرة طابع شخصيته الهادئة، وخطابه غير الاستفزازي، وابتعاده النسبي عن الصراعات الإعلامية، وهي سمات باتت نادرة في المشهد السياسي اليمني.

لا يقل البعد الجغرافي أهمية في قراءة تعيين الصبيحي، إذ ينتمي إلى محافظة لحج التي تُعد واحدة من المحافظات الجنوبية ذات الثقل التاريخي والعسكري، لكنها غالباً ما ظلت أقل تمثيلاً في مراكز القرار العليا مقارنة بمحافظات أخرى.

ويمنح هذا الانتماء تعيينه بعداً رمزياً، في سياق إعادة توزيع التمثيل داخل مجلس القيادة، ومحاولة تطمين قطاعات جنوبية لا تجد نفسها ممثلة بشكل كافٍ، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة حول قضية الجنوب ومستقبله السياسي.

ورغم ما يحمله تعيين الصبيحي من دلالات إيجابية، إلا أن نجاحه في لعب دور فاعل داخل مجلس القيادة سيظل مرهوناً بمدى قدرته على التحرك ضمن بنية سياسية شديدة التعقيد، ومجلس يعاني من تضارب الصلاحيات، وتعدد مراكز القرار، إضافة إلى استمرار الحرب، وتعثر المسار السياسي.

مع ذلك، فإن عودته إلى موقع القرار تمثل، بالنسبة لكثيرين، محاولة لإعادة إدخال منطق الدولة والمؤسسة إلى قلب السلطة، في لحظة يبدو فيها اليمن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تملك الخبرة، والهدوء، والقدرة على العمل في المساحات الرمادية.

(العربي الجديد)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI