شكلت عودة الحكومة المركزية إلى العاصمة السودانية حدثاً استثنائياً، إذ استأنفت 11 وزارة عملها بصورة كاملة من مقارها الجديدة بمجمع الوزارات في برج المعادن بالخرطوم بعد نحو ثلاثة أعوام من انتقالها إلى بورتسودان بسبب تداعيات الحرب، ويترقب سكان العاصمة الرازحين تحت الضغط المعيشي والفقر استعادة خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وكذلك بدء مرحلة جديدة تنهي المعاناة التي خلفها الصراع المسلح والأزمات المتلاحقة.
كانت الخرطوم مهد شرارة الحرب أولى الولايات التي تعرضت للتدمير والتخريب وعمليات السلب والنهب، إضافة إلى حركة نزوح جماعية، لكنها ومنذ تسعة أشهر بدأت تتلمس من جديد نبض الحياة في شرايينها وتصارع للنهوض من وسط الركام والخراب، ويأمل ملايين السودانيين النازحين داخل البلاد واللاجئين بدول الجوار في أن تسهم عودة الحكومة في تطبيع الحياة وتوفير الخدمات واستعادة الأمن والاستقرار حتى يتمكنوا من العودة إلى منازلهم في مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم.
دلالات مهمة
في السياق، رأى المواطن معاذ صالح الذي يقطن ضاحية الصحافة في الخرطوم أن "العودة تشكل دلالات مهمة على سعي الحكومة لاستعادة الاستقرار وإعادة الخدمات والحياة للعاصمة، فضلاً عن تسريع وتيرة عمليات إعادة الإعمار بخاصة بعد الدمار والتخريب الذي عطل معظم مرافق الحياة الخدمية الحيوية".
وأضاف أن "السكان العالقين والعائدين في حاجة لتأمين البيئة الملائمة، إلى جانب إعادة خدمات المياه والكهرباء وتوفير الأمن، إضافة إلى تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، وتكون الأولوية للمؤسسات الخدماتية".
وأوضح صالح أن "العودة الواسعة المتوقعة خلال الفترة المقبلة إلى مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم ستشكل تحدياً صعباً يؤدي إلى مزيد من التعقيدات لأن القدر المتاح من الخدمات حالياً على رغم الجهود الحكومية لا يكاد يفي بمطلوبات الموجودين".
أولويات وحلول
من ناحيته، أشار المواطن السوداني محمد الخاتم الذي يسكن منطقة الحلفايا في الخرطوم بحري إلى أن "أولويات الحكومة المركزية يجب أن تتصدرها مسألة استعادة ضبط الأمن المتدهور ووقف الانفلاتات والسرقات والسطو المسلح، وذلك بسرعة انتشار الأجهزة الأمنية والمنظومة العدلية كمدخل لعودة أي نشاط آخر لأجهزة الدولة".
ولفت إلى أن "السكان الموجودين حالياً في الخرطوم لا يجدون الكهرباء والمياه والصحة، فكيف يكون الوضع إذا عاد أكثر من 6 ملايين دفعة واحدة إلى العاصمة، مما يحتم مضاعفة الجهود وابتكار حلول عاجلة لتعويض المرافق الخدماتية التي دمرت أثناء الحرب".
وشدد الخاتم على ضرورة توفير الخدمات الصحية العلاجية العاجلة بفتح المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات، وإعادة التيار الكهربائي وشبكات الاتصالات والإنترنت المرتبطة بكثير من الأنشطة الخدماتية، وتأمين إمدادات المياه الصالحة للشرب ومعالجة مسألة مصادر الطاقة بأسرع ما يكون، إلى جانب أهمية سرعة تمكين طلاب المدارس والجامعات من استئناف الدراسة بمختلف المراحل".
تعهدات حكومية
إلى ذلك، قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إن "عودة الحكومة تمثل بداية مرحلة جديدة لإعادة تفعيل العمل التنفيذي والخدمي من داخل العاصمة".
وأضاف "نعدكم بمزيد من الخدمات الصحية وإعادة إعمار المستشفيات والمراكز الصحية، ونعدكم بتحسين الخدمات التعليمية والمدارس والجامعات، كذلك نعدكم بتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي".
وتوقع إدريس أن تحقق موازنة العام الحالي انخفاضاً في التضخم بنسبة 70%، ومعدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10%، إضافة إلى ضبط سعر الصرف، وخلو الموازنة من أية أعباء ضريبية جديدة على المواطن.
وأعلن أن عام 2026، سيكون عام السلام، وأعرب عن أمله في أن يقود ذلك إلى استدامة التنمية وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في أنحاء البلاد كافة.
ودعا رئيس الوزراء السوداني إلى التكاتف الوطني وتوحيد الجهود من أجل تجاوز المرحلة الراهنة، مشدداً على أن عودة الحكومة إلى الخرطوم تعكس إصرار الدولة على استعادة الاستقرار ووضع السودان على مسار التعافي".
تدفقات وترتيبات
على الصعيد نفسه، توقع المتخصص في التنمية الحضرية حسام فائز أن تكون هناك تدفقات كبيرة لعودة المواطنين إلى منازلهم بعد مباشرة الحكومة مهامها من العاصمة والشروع في إعادة الخدمات، مما يستدعي ترتيبات عاجلة لا تحتمل التأخير أو التأجيل تتعلق بتوفير الحد الأدنى الممكن من حزمة الخدمات الضرورية لاستيعاب مطلوبات الأعداد الكبيرة العائدة إلى الديار، وبما يسمح لهم بالوصول والدخول إلى بيوتهم".
وأشار إلى الأهمية القصوى والبالغة لمسألة الأمن والتأمين، باعتبار أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتعقيدات الأمنية، نظراً إلى وجود عصابات متفلتة تروع المواطنين وتسطو وتنهب باستخدام السلاح".
ولفت فائز إلى أن "الخدمات البيئية تمثل التحدي الأهم في هذه المرحلة، مما يستوجب بصورة عاجلة توفير آليات للنظافة ونقل آلاف أطنان النفايات والقمامة ومخلفات وأنقاض الحرب ونفاياتها العسكرية والحربية الشديدة الخطورة، لتفادي مضاعفاتها الخطرة في ظل انهيار النظام الصحي".
خطط إسعافية
في إطار المعالجات الإسعافية الجارية بالخرطوم، قال مدير عام هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه بالولاية مختار صابر، إن البنية التحتية بالعاصمة تعرضت لتخريب متعمد يعرقل عودة المواطنين ويعطل الحياة العامة، مؤكداً أن الهيئة أعدت خططاً إسعافية عاجلة لإنعاش البنية التحتية بالولاية تشمل صيانة الجسور والكباري المتأثرة".
في حين شرعت الجهات المختصة في حصر وجمع نحو 15 ألف سيارة مدمرة ومهملة في شوارع الولاية، وتحريزها في ميادين مخصصة إلى حين تسليمها إلى أصحابها.
بدورها، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم عن قرارات عاجلة تتعلق بالمنازل المهجورة في العاصمة، بعدما حذرت السلطات الصحية من خطورتها كمصدر رئيس لتوالد البعوض الناقل لحمى الضنك.
ودعا اجتماع موسع للجنة العليا للطوارئ بالولاية، إلى مضاعفة الجهود الوقائية وتكثيف الحملات التفتيشية والتوعوية داخل الأحياء، وإلزام الجهات المختصة باتخاذ إجراءات صارمة تجاه المنازل غير المسكونة.
مؤشر إيجابي
في المنحي ذاته، أوضح المتخصص في الشأن الاقتصادي كمال بركة أن "عودة آلاف المواطنين إلى ولاية الخرطوم مؤشر إيجابي يسهم في النهوض بصورة تدريجية من جديد خصوصاً حال تمكنت الدولة من توفير الخدمات الأساسية بصورة عاجلة".
ونوه بركة بأن "وجود الحكومة المركزية بالعاصمة سيسهم في زيادة تأمين ولاية الخرطوم ويسهل عودة المؤسسات العامة ويدفع بعودة العمال والموظفين إلى القطاع الصناعي المدمر بنسبة 75%، فضلاً عن الأعمال اليومية في الأسواق".
ويتابع "وجود الوزارات الخدمية مثل الصحة والتعليم داخل ولاية الخرطوم يرفع عن كاهل المواطنين مشقة السفر إلى المدن التي تتوافر فيها خدمات بخاصة بورتسودان وكسلا والقضارف".
خطوات عملية
استأنفت 11 من وزارات الحكومة المركزية عملها بصورة كاملة من مقارها الجديدة بمجمع الوزارات في برج المعادن بالعاصمة الخرطوم بعد نحو ثلاثة أعوام من انتقالها إلى بورتسودان.
وفي منتصف يوليو/ تموز الماضي شكل رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان لجنة برئاسة عضو المجلس إبراهيم جابر للإعداد وتهيئة الظروف الملائمة لعودة المواطنين والوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، أصبحت مدينة بورتسودان شرق السودان مستقراً لوزراء الحكومة السودانية والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية كعاصمة إدارية بديلة للخرطوم.
وكان متخصصون ومسؤولون في منظمات دولية ومحلية أشاروا إلى أن الدمار الناجم عن القصف الجوي والأرضي وعمليات النهب الواسعة ترك أكثر من 60% من مناطق البلاد بلا خدمات صحية أو تعليمية.
وإضافة إلى شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية والتعليمية، طاول الدمار أكثر من أربعة جسور و200 مبنى عام وتاريخي ومئات الآلاف من المنازل، معظمها بولاية الخرطوم.
(اندبندنت عربية)