15 فبراير 2026
14 فبراير 2026
يمن فريدم-إسماعيل محمد علي
فرانس برس


خلال وقت يشهد إقليم كردفان تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية ضمن جبهات القتال كافة، خصوصاً من جانب الجيش السوداني الذي يشن هجوماً برياً وجوياً بواسطة المسيرات ضد قوات "الدعم السريع"، مما مكنه أخيراً من فك الحصار على مدينتي الدلنج وكادوقلي كبرى مدن جنوب كردفان الذي امتد لأكثر من عام، فضلاً عن تقدمه في محاور أخرى، بات واضحاً أن هناك تراجعاً عسكرياً لـ"الدعم السريع" في المعارك الدائرة داخل هذا الإقليم المشتعل.

هذا التراجع أثار ثمة تساؤلات عن مدى ارتباطه بما يجري من ضغوط دولية وإقليمية للحد من الدعم الخارجي الذي تقدمه الإمارات التي تتهمها الحكومة السودانية بدعم قوات "الدعم السريع" بكل أنواع الأسلحة والعتاد العسكري والمؤن الغذائية وغيرها.

سيطرة جوية

يقول الباحث في المجال العسكري والأمني اللواء أشرف محمد محمود "صحيح أن جبهات القتال وبخاصة في إقليم كردفان تشهد تحولاً لافتاً في ميزان القوة، يتمثل في تراجع واضح لقوات "الدعم السريع"، ليس كنتيجة لعملية عسكرية واحدة حاسمة، بل كمحصلة لتراكم عوامل ميدانية ولوجيستية وبشرية، تفاعلت معاً وأنتجت واقعاً جديداً على الأرض، لكن هذا التراجع لا يمكن اختزاله في عامل منفرد، بل يجب قراءته ضمن سلسلة مترابطة من المتغيرات من أهمها التفوق الجوي المتصاعد للجيش، وتضييق الخناق على خطوط الإمداد التي تدفع بها الإمارات لساحات القتال، والضغوط الدولية المتزايدة على شبكات الدعم الخارجي، والأهم من ذلك التفكك الداخلي للميليشيات نفسها".

وبين أن "الوقائع الميدانية في مسرح كردفان تشير إلى فقدان هذه الميليشيات مواقع استراتيجية ريفية كانت تشكل عمقاً لوجيستياً ونقاط انطلاق للهجمات، وتراجع الهجوم المنظم لمصلحة الدفاع المتحرك والمكامن المحدودة، إضافة إلى انسحابات غير منسقة وترك آليات مدمرة أو معطلة وهو مؤشر يدل على وجود ضغط يفوق القدرة على التعويض، فكل هذه المؤشرات تعكس تآكل القدرة العملياتية أكثر مما تعكس إعادة تموضع تكتيكي مخطط".

ولفت محمود إلى أن العامل الأكثر حسماً في مسرح كردفان هو السيطرة الجوية المتزايدة للجيش، والتي لم تستخدم كأداة قصف تقليدية، بل كوسيلة استهداف منهجي للبنية اللوجيستية لقوات "الدعم السريع"، وبخاصة أن الضربات ركزت على مسارات الإمداد ونقاط التخزين والتجميع ومنافذ إدخال الوقود والذخيرة، مما أدى إلى نقص الذخائر الثقيلة وشح الوقود وتعقيد عمليات التعويض السريع للخسائر.

وتابع "اعتمدت الدعم السريع في مراحل سابقة على دعم خارجي مركب شمل تسليحاً خفيفاً ومتوسطًا، ومركبات قتالية ملائمة للبيئة الصحراوية، وتمويلاً ساعد على التجنيد السريع وشراء الولاءات وشراء المرتزقة من دول غرب إفريقيا وجنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وكولومبيا، مما مكنها من الانتشار السريع وشن هجمات واسعة وفرض وقائع ميدانية موقتة، لكن مع فشل الحسم السريع وارتفاع كلفة الاستمرار وتصاعد الضغوط السياسية والإعلامية الدولية بدأ هذا الدعم يفقد زخمه واستمراريته، لكن لا توجد دلائل على توقفه كاملاً، بيد أن المؤشرات العملية توحي بإعادة ضبط انخفاض الكميات وصعوبة الإيصال وارتفاع الأخطار السياسية، وهو ما انعكس مباشرة على الأداء العسكري".

وأشار إلى أن إحدى نقاط الضعف البنيوية لقوات "الدعم السريع" تكمن في طبيعة المقاتل نفسه، فهو مقاتل غير مرتبط بالأرض التي يقاتل فيها، وأن دافعه الأساس كان النهب السريع والعودة إلى أهله ومناطقه، ويفتقر للدافع العقائدي أو الوطني اللازم للصمود في حرب طويلة، فهذا النموذج قد ينجح في الهجوم الخاطف، لكنه ينهار في معارك الاستنزاف التي تتطلب بقاءً وانضباطاً وتحملاً للخسائر دون مقابل فوري.

وواصل محمود "في بدايات الحرب، امتلكت قوات ’الدعم السريع‘ نواة قتالية ذات خبرة، لكن مع توسع القتال جرى تجنيد عشوائي واسع، إذ دخلت عناصر غير مدربة، وشارك مقاتلون صغار السن غير مؤهلين نفسياً ولا عسكرياً، علاوة على عدم الاهتمام بالجرحى ومصابي العمليات الذين أصبحت أعدادهم كبيرة جداً، مما أدى إلى ضعف القدرة على الثبات تحت القصف الجوي، وارتفاع معدلات الانهيار والهرب، وتحول الكثافة العددية إلى عبء لوجيستي".

فراغ قيادي

استطرد الباحث في المجال العسكري والأمني "أحدث غياب قائد ’الدعم السريع‘ محمد حمدان دقلو عن المشهد الميداني فراغاً قيادياً ونفسياً داخل صفوف الميليشيات، باعتباره الرمز والضامن لمصالحها، ومعلوم أنه عندما يغيب القائد في التكوينات غير النظامية يضيع الهدف وتتقدم الحسابات الفردية ويتراجع الاستعداد للتضحية، ومع طول أمد الحرب وتراجع الموارد عادت الهويات القبلية تطفو داخل الميليشيات، من خلال التنافس على ما تبقى من موارد والشكوك المتبادلة بين القيادات، وتباين الولاءات داخل الميدان الواحد".

ونوه بأن طبيعة الدعم الإماراتي الذي استفادت منه قوات "الدعم السريع" لم يكن نمطياً أو مباشراً بالمعنى العسكري التقليدي، بل اتخذ شكلاً شبكياً مركباً شمل دعم لوجيستي غير مباشر من أسلحة خفيفة ومتوسطة وذخائر ملائمة لحرب الميليشيات، ومركبات دفع رباعي معدلة للاستخدام القتالي، ومعدات اتصال ومراقبة ميدانية ودعم مالي لتجنيد المقاتلين ودفع الرواتب، وتسهيل تجارة الذهب والموارد مقابل تمويل العمليات، وتمكين شراء السلاح من أسواق إقليمية مفتوحة واستخدام دول جوار كمناطق عبور، والاعتماد على مسارات حدودية رخوة ومطارات مدنية أو شبه مدنية، إلى جانب دعم سياسي عالمي.

وأكد محمود أن الحديث عن تراجع الإمارات عن دعم قوات "الدعم السريع" لا يُقاس بالتصريحات بل بإعادة التموضع، فالإمارات كغيرها من القوى الإقليمية تحكمها مصالح اقتصادية من موارد واستثمارات وطرق نفوذ، وهناك حسابات أمنية تتجاوز السودان وحده، فضلاً عن شبكات علاقات بُنيت على مدى أعوام، بالتالي فإن هذه الارتباطات لا تُفك بقرار سريع.

ورأى أن ما تغير فعلياً في ظل هذه الحرب الطويلة هو انكشاف الدور الإماراتي أمام المجتمع الدولي، وتصاعد التقارير والضغوط الإعلامية والسياسية، فضلاً عن فشل رهان الحسم السريع، مشدداً على أنه في مثل هذه الحالات لا يحدث انسحاب كامل، بل خفض مستوى الدعم ورفع كلفة الإيصال، والبحث عن مخارج سياسية تحفظ المصالح دون استمرار الاستنزاف، وتقليص الدعم لا قطعه وإدارته من الخلف لا من الواجهة، لكن مهما استمر الدعم الخارجي أصبح أقل فاعلية وأعلى كلفة.

وأوضح الباحث في المجال العسكري والأمني أن الجيش بات يرسخ تفوقاً استنزافياً عبر السيطرة الجوية والأرضية، في وقت بدأت قوات "الدعم السريع" تفقد تدريجاً القدرة على التمدد وكثافة النيران والعامل البشري المتماسك وعدم قدرتها على فرض نفسها كطرف قادر على الحسم، بالتالي فإن ما نشهده اليوم هو نقطة تحول بطيئة لكنها عميقة، فالدعم الخارجي الذي صنع قوة الميليشيات في البداية لم يعد قادراً على إنقاذها من التآكل الداخلي، وإن الحرب تتجه نحو مرحلة لا ينتصر فيها من يملك السلاح أكثر، بل من يستطيع الصمود أطول بأقل كلفة سياسية وبشرية، وعليه تبدو قوات "الدعم السريع" أقرب إلى الانهيار والتحول إلى مجموعات صغيرة قبلية كما كانت في السابق مع فقدان القدرة على فرض شروطها حتى وإن استمر القتال.

أبعاد وأطماع

ضمن السياق، أوضح المراقب العسكري اللواء عمران يونس أن "التراجع العملياتي لـ’الدعم السريع‘ في جبهات القتال المختلفة ليس مربوطاً بالعمليات الداخلية فقط، بل إن الدول التي يتأثر أمنها بأمن السودان بدأت تتضح لها الرؤية بأن هذه الحرب لها أبعاد وأطماع خارجية، بالتالي أي تهاون في هذا الجانب يؤثر في أمنها الداخلي ولا بد من وجود دور كبير لإيقاف هذا المهدد الأمني".

وأضاف "معلوم أن السودان يتميز بموقع استراتيجي مهم على مستوى القارة الأفريقية، وبخاصة أنه يملك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 700 كيلومتر، يمتد من الحدود المصرية شمالاً إلى الحدود الإريترية جنوباً، وهو محل الأطماع، مما جعل الدول المجاورة والإقليمية تتحرك للالتفات لأمنها.

وزاد يونس "في تقديري أنه لا توجد قوة خارجية مهما كان مصدرها وإمكاناتها يمكن أن تهزم الشعوب، لكن هناك قناعة تامة وأدلة دامغة بدعم الإمارات عسكرياً ومادياً لـ’الدعم السريع‘ وإنكارها لهذا الدعم محاولة للخروج من هذه الورطة، إلا أنه مهما فعلت لا تستطيع الاستمرار في هذا الدعم إلى النهاية، وبخاصة أن الحرب في نهايتها".

ولفت إلى أن "الإمارات تراهن على دعم قوات ’الدعم السريع‘ من أجل حماية مصالحها في السودان والاستفادة من موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر ونهر النيل، والوصول إلى احتياطات الذهب الهائلة، إضافة إلى مصالحها الأخرى المتمثلة في الأراضي الزراعية الشاسعة"، مؤكداً أن الحديث عن دور الإمارات في تسليح "الدعم السريع" لم يعد مزايدة بل أضحى واقعاً قائماً على تحقيقات حقوقية موثقة بالأدلة والبراهين، وعلى قرائن تتبع السلاح ومسارات الإمداد.

ونوه المراقب العسكري إلى أن صمود "الدعم السريع" لأكثر من عامين في ظل حرب مفتوحة لا يمكن أن يكون لو لا وجود دعم كبير ومستمر من دولة غنية كالإمارات، التي ظل اسمها مرتبطاً بدعم "الدعم السريع" ليس من قبل السودان بل في كل سياق دولي يتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها حرباً مغذاة من الخارج.

حسابات استراتيجية

من جانبه، أفاد المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ"الجامعات السودانية" راشد محمد علي بأن "سبب التراجع العسكري لميليشيات ’الدعم السريع‘ في جبهتي دارفور وكردفان يعود إلى تعامل المسار العسكري في المعارك، مع وجود رابط سياسي هو تقليص الدعم الوارد من قبل الإمارات لهذه الميليشيات من طريق طيران الجيش، بتدميره شحنات الأسلحة والمؤن والعتاد وغيرها في مختلف الاتجاهات والحدود المفتوحة، بالتالي أصبحت القوة الحقيقية في يد الجيش وإمكانية تحركه داخل المساحات الافتراضية، وهذا في حد ذاته زاد من كثافة الضغوط السياسية على الإمارات".

وتابع "صحيح حدث انحسار من ناحية الإمداد الإماراتي لـ’الدعم السريع‘، لكن هذا لا يعني أن الإمارات قللت من مستوى دعمها بل ظل مستمراً مع تكالب دول أخرى في أتون هذا الصراع، فالانحسار تم بتدمير الطيران الحربي للإمدادات العسكرية القادمة للميليشيات عبر المنافذ والمعابر الحدودية".

واستطرد علي "شكل الدعم الذي تقدمه الإمارات واضح جداً، يتمثل في منظومة من الأسلحة المتطورة ومضادات الطيران وأنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى المتحركات والمصفحات والعتاد العسكري المتقدم، ويصل هذا العتاد من طريق دول فيها نوع من السيولة الأمنية والنفوذ الإماراتي".

ولفت إلى أنه "واضح أن الجيش كان لديه حسابات استراتيجية بالنسبة إلى المعارك العسكرية من ناحية تقليل الخسائر، وذلك بتقديم قيمة الأرض مقابل الحفاظ على قوته، وهذا نوع من الاستراتيجيات العسكرية المتقدمة".

وقال إن "الخسائر السياسية التي واجهتها الإمارات في بعض المنابر الدولية والإقليمية، إلى جانب الانتقادات الموجهة لسياساتها الإقليمية، قد تدفعها إلى إعادة النظر في مستوى دعمها لبعض الأطراف المسلحة، والبحث عن مقاربة أقرب إلى مسار التسوية السياسية".

ومضى المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في القول "من المؤكد أن المسائل الإقليمية بالنسبة إلى الصراع في السودان أثرت بصورة كبيرة على مواقف الدول، وأصبحت هناك تشكيلة تضم مجموعة من الدول تسعى لإنهاء حالة الحرب، والوصول إلى تفاهمات في المسار السياسي باتجاه تحقيق المصالح، وأيضاً ربط هذه المصالح بتعاملات استراتيجية توقف التهديدات في المنطقة".

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI