يستعد الاتحاد الأوروبي لمواجهة تحديات الطائرات المسيّرة بفعالية أكبر، ولهذا الغرض قدّم مفوضو السيادة التكنولوجية والنقل والشؤون الداخلية، استراتيجية جديدة يوم الأربعاء 11 فبراير/ شباط في ستراسبورغ، بهدف تعزيز القدرة على الصمود والتعاون بين الدول الأعضاء.
وبات الوضع أكثر إلحاحاً بعد سلسلة اختراقات نفذتها طائرات مسيّرة وبالونات أجنبية في أنحاء عدة من الاتحاد الأوروبي عام 2025. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، دخلت موجة غير مسبوقة من الطائرات المسيّرة الروسية المجال الجوي البولندي، ما استدعى تدخل الجيش لإسقاطها. وفي الدنمارك، أُغلقت المطارات مؤقتًا بعد رصد طائرات مسيّرة مجهولة الهوية في سماءها.
استراتيجية جديدة
تسعى المفوضية الأوروبية من خلال الخطة الجديدة، إلى تعزيز قدرة أوروبا على منع أنشطة الطائرات المسيّرة الخبيثة وكشفها والتصدي لها. وتركز الخطة على تعزيز التنسيق بين دول الاتحاد الأوروبي، وأنظمة كشف الطائرات المسيّرة، وتشديد القواعد المتعلقة بالطائرات المسيّرة المدنية.
ومن بين المقترحات إنشاء مركز امتياز لمكافحة الطائرات المسيّرة وتطوير أدوات أفضل للتتبع وتقييم المخاطر والشراء المشترك لتكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة.
يهدف المخطط أيضًا إلى دفع صناعة الطائرات المسيّرة في أوروبا نحو زيادة الإنتاج والابتكار التكنولوجي. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز التنسيق بين الجهات المدنية والعسكرية لحماية البنية التحتية الحيوية والحدود بشكل أفضل.
وفي تصريح لها لـ DW قالت هينا فيركونين، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون السيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية: "غالبًا ما تحدث التهديدات الهجينة من الطائرات المسيّرة في محيط البنية التحتية المدنية، مثل المطارات والموانئ وكذلك البنية التحتية للطاقة".
وتضيف فيركونين: "لهذا السبب من المهم أن نوفق الآن بين مختلف الإجراءات وأن يعمل القطاع الخاص وسلطاتنا المدنية والجيش معًا. بهذه الطريقة نستطيع تحديد الطائرات المسيّرة ورصدها والقضاء عليها عند الضرورة".
انخراط في المجال الأمني
تستند استراتيجية الاتحاد الأوروبي الجديدة إلى جوانب عديدة، وهي تشير أيضاً إلى تركيز أكبر على السياسة الأمنية، كما يقول كريس كريميداس-كورتني، الباحث الزائر الأول في مركز السياسات الأوروبية، ويضيف: "إنها خطة جادة، وهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي ينخرط بشكل أكبر في مجالي الدفاع والأمن".
يشير كريميداس-كورتني إلى أن خطة إنشاء قدرة قيادة وسيطرة أوروبية سيادية لتتبع الطائرات المسيّرة والتصدي لها في أوروبا تمثل مستوى طموحا لم يسبق له مثيل.
في الوقت نفسه، يحذر خبير الأمن من أن جزءا كبيرا من وثيقة الاستراتيجية لا يزال ذا طابع تنظيمي أكثر منه عملي. ويفي هذا السياق يضيف كريميداس-كورتني أن الأمر: "يتعلق بالكثير من المصطلحات وبتقييمات المخاطر وأنظمة الاعتماد"، مما يوحي بأن الاتحاد الأوروبي لا يزال يعمل إلى حد كبير ضمن نطاق صلاحياته التنظيمية.
تهديدات هجينة
بالنسبة لكريميداس-كورتني، فإن اختراقات المجال الجوي التي شُوهدت في عام 2025 قد سرّعت الزخم السياسي، كما ان "رؤية الطائرات المسيّرة تحلق حول مطارات الاتحاد الأوروبي قد زادت من إلحاح مسألة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة".
ومع ذلك، فهم يرون أن أوروبا كانت ستتجه نحو هذا المسار في نهاية المطاف على أي حال، حيث تلعب حرب الطائرات المسيّرة والتكتيكات الهجينة دورا محوريا في التهديدات الأمنية الحديثة.
مشهد مجزأ
لا يزال الدفاع ضد الطائرات المسيّرة في جميع أنحاء أوروبا غير مكتمل. وفي هذا السياق يقول كريميداس-كورتني: "أن فرنسا وألمانيا وبولندا والسويد تمتلك قدرات جيدة جدا، وكذلك اليونان التي تمتلك أيضًا قدرات جيدة جدًا للدفاع ضد الطائرات المسيّرة في مواقع محددة".
"لكن معظم دولنا الأعضاء لا تملك ما يكفي من أجهزة الاستشعار. كما أننا لا نملك ما يكفي من القوات المسلحة" لإسقاط الطائرات المسيّرة المعادية.
تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى سدّ بعض هذه الثغرات، رغم أن العديد من التدابير ستعتمد على مشاركة طوعية من جانب الدول الأعضاء.
وبالتالي بات تحسين تبادل المعلومات بات أمرا أساسيا. في هذا الإطار يقول فيركونين: "علينا أن نكون قادرين على تبادل المعلومات، في حال وقوع مثل هذه الحوادث". وتتضمن الخطة مناورة أمنية أوروبية سنوية للطائرات المسيّرة من اجل اختبار عملي للتنسيق عبر الحدود.
ضغوط للتحرك بشكل أسرع
تأتي هذه الاستراتيجية في الوقت الذي يُكثّف فيه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي جهودهما الدفاعية على نطاق أوسع. يُمارس عدم الاستقرار العالمي المتزايد وتغيّر التحالفات ضغوطًا على أوروبا للتحرك بشكل أسرع في مجال الدفاع، وهو أمر لا يُعرف عن التكتل بالضرورة.
ويحذر كريميداس-كورتني قائلاً: "إذا لم نتحرك بالسرعة الكافية، فسوف نجد نفسنا في غضون عامين أو ثلاثة في موقف نتمنى فيه لو كنا قد تحركنا بشكل أسرع بكثير".
وفي هذا السياق آقر ماغنوس برونر، مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية، بذلك خلال عرضه التقديمي، وقال برونر: "كنا في كثير من الأحيان بطيئين للغاية، ومتفاجئين بالطائرات المسيّرة كتهديد. أعتقد أن علينا العمل معا لاستخدام الطائرات المسيّرة كميزة استراتيجية، لأننا نمتلك التكنولوجيا والموارد اللازمة لذلك".
في الوقت نفسه، تأمل المفوضية أن تُعطي الخطة الجديدة دفعة لمصنّعي الطائرات المسيّرة الأوروبيين، حيث تُشجّع الدول الأعضاء على زيادة إنتاج الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها.
ياتي ذلك في عامٍ اتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتجدد التساؤلات حول الاعتماد على الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث بات يُنظر بشكل متزايد إلى تعزيز قدرات أوروبا في مجال الطائرات المسيّرة كجزء من دفعة أوسع لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي.
أجرت المقابلة مع مفوضة الاتحاد الأوروبي هينا فيركونين: كريستين مهوندوا
(DW عربية)