تتصاعد العملية الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران بسرعة لتصبح صراعاً ذا تأثير طويل الأمد على العالم أجمع. ولهذا السبب، لم تمر الأحداث الجارية مرور الكرام في أي منطقة، وعلى رأسها روسيا التي يحاول جنرالاتها وقادة الرأي فيها، استخلاص الدروس والعبر منها.
الحرب أصبحت اختباراً حقيقياً، كاشفةً عن جوانب عدة من مشكلات وتوجهات جيوسياسية لدول مختلفة. فقد أظهرت الهجمات على طهران أن روسيا وعلى رغم تأكيداتها المتكررة على الصداقة والتحالف مع طهران، غير مستعدة لاتخاذ خطوات حقيقية لحماية النظام الإيراني. بسبب انشغالها في حربها بأوكرانيا وضمانها غير المعلن لأمن إسرائيل.
الدعم اللفظي لإيران
رسمياً، اختارت موسكو لغة الشجب والتنديد. فاكتفى فلاديمير بوتين بتقديم التعازي باغتيال خامنئي وعائلته ببرقيةٍ وجّهها إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مشيراً إلى "انتهاكٍ صارخٍ لجميع معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي"، من دون أن يُسمّي الجاني تحديداً.
في المقابل، يؤكد معهد دراسات الحرب ((ISW الأمريكي، في تعليقه على تقاعس موسكو، عن دعم طهران التي تزودها بطائرات "شاهد" المسيّرة منذ سنوات، أن "التصريحات الروسية النمطية لا تزال تُبرز محدودية قدرتها على دعم إيران، وعدم التوازن في العلاقات الروسية - الإيرانية".
وأشار ألكسندر باونوف، الباحث البارز في مركز كارنيغي برلين، إلى أن بوتين وجد نفسه مجدداً "في موقف الرجل القوي الضعيف - فالزعيم الذي يتباهى بقوته، في الواقع لا يستطيع تحمل مهاجمة الرئيس الأمريكي الذي يُدمر حلفاءه حتى لفظياً".
دروس روسيا!
ما الدروس التي ينبغي أن تستخلصها روسيا من المواجهة بين إسرائيل وأمريكا وإيران؟ وما هي الاستنتاجات التي ينبغي استخلاصها في موسكو مما يحدث حالياً؟
من الواضح أن النخب الروسية منقسمة في مواقفها واستنتاجاتها بشأن الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فبينما تقف الخارجية الروسية ووزارة الدفاع في الجانب المؤيد والداعم لإيران، تتخذ النخب في الكرملين وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين مواقف أشد حيادية، وأكثر مراعاة لإسرائيل وإدارة ترمب.
يقول الخبير العسكري وعضو نادي إزبورسك، فلاديسلاف شوريغين "لقد اختُبرت قدرة إيران على الصمود مرات عدة خلال العام ونصف العام أو العامين الماضيين. وطوال هذه الفترة، تجنبت بحرص أي ردود فعل عنيفة، معتقدةً أن مثل هذا الصبر أو ضبط النفس سيُقابل بالترحاب. في نهاية المطاف، نرى أنه كما يقول المثل المحزن، عندما تختار بين العار أو الحرب، فإنك تحصل على كليهما. بالنسبة لنا، هذا درس عملي للغاية".
وعمّا إذا كان لروسيا أن تتحدث إلى الغرب فقط من موقع قوة؟ يجيب "نعم وبقوة مدمرة شاملة. وإذا بدأنا الهجوم، فعلينا أن نهاجم حتى النهاية. يجب القضاء على العدو. مهمتنا الحالية هي بناء جيشنا. من الواضح أن الصراع مع أوكرانيا سينتهي في المستقبل المنظور. وماذا سيحدث بعد ذلك؟".
ولدى سؤاله عمّا إذا تدمير كل ما لدى إيران للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الجوية يشكل درساً لموسكو أيضاً؟ يوضح الخبير الروسي "نحن وإيران كيانان مختلفان. لا تمتلك إيران حتى جزءاً من مئة من منظومة الدفاع الجوي التي نمتلكها. لقد أجبرتنا مبادرة الدفاع الجوي الأمريكية على إعادة النظر في مفهوم الدفاع الجوي وتقييمه. بات واضحاً للجميع اليوم ضرورة إعادة بناء الدفاع الجوي كفرع مستقل من القوات المسلحة، ودمجه مع الدفاع الفضائي. واليوم، وبالنظر إلى مبادرة الدفاع الجوي تحديداً، فإن قواتنا المسلحة على أتم الاستعداد. إذا قارنا عمل القوات الجوية الفضائية الإسرائيلية بعملنا، يتضح جلياً تفوقنا عليها تفوقاً كبيراً. ومن المستحيل ببساطة التعامل مع روسيا بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع إيران حالياً".
وهل كان هناك أي منها من قبل؟ يقول "دعوني أذكركم: قبل خمسة عشر سنة، بدأ الأمريكيون، بدءاً من بوش، ومن ثم كلينتون، ومن بعدهما، بتطوير ما يُسمى بعقيدة الضربة العالمية لنزع السلاح.
ووفقاً لهذه العقيدة، كان يفترض أن تنقض أكثر من 15 ألف طائرة هجومية فجأة على روسيا، لتدمير مراكز قيادتها الرئيسية، وأنظمة دفاعها الجوي، وأنظمة رادارها، مما يجبر موسكو على قبول الإنذار النهائي ويمنعها من مواصلة الحرب. وقد تم بالفعل إطلاق هذا النظام، وكان مصمماً خصيصاً لنا. واليوم، بات من الواضح تماماً أن هذا مستحيل".
ويشرح شوريغين أن "عدد الضربات يرتبط دائماً بعدد الأهداف. لا أحد يُهدر صاروخ كروز على مدفع منفصل. نحن نُفرِّق بين أنواع الأسلحة بشكل كبير. لدينا ترسانة ضخمة من أسلحة الهجوم الجوي. فحيثما دعت الحاجة إلى صاروخ لانسيت، سنستخدمه، وحين تدعو الحاجة إلى صاروخ كاليبر، سنستخدمه، وحين نرى حاجة إلى مدفع كينجال، سنطلقه".
في سياق متصل، يرى الصحافي العسكري، ألكسندر سلادكوف، أن على روسيا أن تستخلص العبر من الحرب في الشرق الأوسط، وأن تأخذ تجربة إيران في الاعتبار عند بناء المنشآت الاستراتيجية.
ويقول "يخفي الفرس كل شيء تحت الأرض، بينما نخزن ملايين الذخائر على اليابسة. وخطوط أنابيب النفط لدينا أشبه بسرة الأرض. نحن بحاجة إلى بناء مطارات ومعسكرات ومستودعات وخطوط أنابيب تحت الأرض. هذه هي الظروف. ونريد أيضاً طرقاً سريعة تحت الأرض (مجازياً). وكلما أسرعنا في البدء بذلك، كان ذلك أفضل لوطننا".
ويضيف سلادكوف "تحتاج روسيا الاتحادية ببساطة إلى إعادة إحياء قوات البناء. فحتى لو انتصرنا في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا غداً، فلن تنتهي الحرب بالنسبة لنا. فالانضمام إلى مشروع البناء الضخم تحت الأرض سيكون استمراراً حتمياً لها. إذا كان لدينا المال للحرب، فأتمنى بصدق أن نجد المال لمنع الحرب المقبلة".
ويعتقد أيضاً أن على روسيا بذل كل جهد ممكن لتوسيع شبكة أقمارها الاصطناعية. وخلص إلى القول "نحن روسيا العظيمة، ويجب أن تكون أعمالنا عظيمة واستراتيجية. لا سبيل آخر".
يذكر أن إيران احتفظت بقدرتها على مقاومة الهجمات بشكل جدي بفضل وجود بنية تحتية تحت الأرض لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
فحتى مع التفوق الجوي الكامل للولايات المتحدة وإسرائيل، لم تتمكنا من تدمير جميع منشآتها الصناعية الموجودة في أعماق الأرض.
ويقول الخبير العسكري "كل حرب تحمل في طياتها دروساً بطريقتها الخاصة، والحرب الأمريكية ضد إيران تُقدّم بالفعل دروساً للصراعات المستقبلية".
تكاليف الحرب وثمن الانتصار
الحرب هي أفضل وسيلة لاختبار قدرات التكنولوجيا العسكرية الجديدة. من بين أوائل الأسلحة التي دخلت ترسانة الجيش الأمريكي طائرة "لوكاس" الهجومية القتالية من دون طيار منخفضة التكلفة، والتي يمكن استخدامها كمسيّرة انتحارية، وصاروخ "برسم" الموجه بدقة بعيد المدى.
أما المقاتلة "أف-35"، التي تُعد أغلى منظومة تسليحية في التاريخ، فقد سجّلت أول انتصار قتالي لها ضد طائرة مأهولة، حين أسقطت طائرة إسرائيلية من هذا الطراز طائرة تدريب إيرانية الصنع روسية المنشأ.
ويقول الجنرال الروسي ألكسندر بيريوشين، إن الاسم الرسمي لطائرة "لوكاس" المسيّرة يتضمن عبارة "منخفضة التكلفة". إذ لا يتجاوز سعر الطائرة الواحدة 35 ألف دولار. هذا هو الجانب الإيجابي. أما الجانب السلبي فهو أنها نسخة من طائرة "شاهد-136" الإيرانية.
ويكشف الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية "لقد استولينا عليها، وفككناها، ونقلناها إلى أمريكا، ثم أضفنا إليها بعض المكونات الأمريكية، وأعدناها إلى هنا، ونحن الآن نطلقها على الإيرانيين".
في الحرب، ينصبّ الاهتمام كله على الأسلحة الجديدة. لكن لا يمكن تجاهل الأسلحة المجربة عبر الزمن. وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، أغرقت غواصة أمريكية سفينة معادية بطوربيد، في قاع البحر. كذلك شنت قاذفات "بي-52" الضخمة، التي تعود إلى عهد أيزنهاور، هجمات على أهداف إيرانية.
دروس الحملة على إيران
يوضح الجنرال بيريوشين أنه إذا تحدثنا عن دروس الحملة الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، فيمكننا استخلاص الدروس التالية:
1- المظلة النووية ضمانة للبقاء. لذلك إذا اتُهمت بصنع أسلحة دمار شامل، فهذه علامة أكيدة على ضرورة تطويرها بأسرع وقت ممكن. أما الادعاءات بعدم وجود مثل هذه الأسلحة، فضلاً عن انعدام أي دليل على العمل عليها، هو بمثابة دعوة لمهاجمتك ولو بذريعة التحقق من عدم امتلاكك برنامجاً لصنع قنبلة نووية وأسلحة دمار شامل، على غرار ما حصل أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
ويضيف "أكدت إيران مراراً أنها لا تمتلك أسلحة نووية، ومن جهة أخرى، ضخّمت موقفها وألمحت بقوة إلى إمكانية الرد. وفي نهاية المطاف، أصبحت طهران ضحية أخرى للهجوم الغربي الجماعي.
في غضون ذلك، استغلت كوريا الشمالية فرصة سانحة بنجاح، والآن بات احتمال حدوث تطور مماثل في كوريا الشمالية شبه معدوم".
كذلك أشارت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، إذا كانت الضربة الأمريكية - الإسرائيلية التي أودت بحياة المرشد الأعلى الإيراني تهدف إلى توجيه رسالة إلى العالم، فمن شبه المؤكد أن الدرس المستفاد على الأرجح لكل خصوم واشنطن هو عدم الطمأنينة والركون عند التفاوض مع الولايات المتحدة وعدم الوقوع في موقف مماثل.
ويشير الخبير سيرغي فيدوتوف إلى أن الولايات المتحدة قد تحقق أهدافها التكتيكية، لكنها تكبدت بالفعل ضرراً بالغاً بسمعتها. وتثار تساؤلات حول مدى إمكانية الوثوق بالمفاوضات والوعود والتطمينات الأمريكية.
ويعتقد محللون أمريكيون أن الوضع في إيران والشرق الأوسط لن يؤدي إلا إلى تفاقم انعدام الثقة هذا، لا سيما بالنسبة لروسيا وكوريا الشمالية، اللتين من غير المرجح أن تنظرا إلى الولايات المتحدة نظرة إيجابية.
2- يقول قسطنطين أسمولوف، الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ، والباحث الرئيسي في مركز الدراسات الكورية التابع لمعهد الصين وآسيا الحديثة في الأكاديمية الروسية للعلوم، إن الهجمات على إيران تُظهر بوضوح كيف تغيّر العالم، فإذا لم تمتلك القوة اللازمة للردع فأنت تحت التهديد، وعلى سبيل المثال كوريا الشمالية أثبتت أنها أكثر استعداداً لهذه التغييرات من غيرها.
وكما ورد في قرارات المؤتمر التاسع لحزب العمال الكوري "إن المبدأ القائم على سيادة القانون في الساحة الدولية، حيث يسود منطق "قانون الغاب"، هو أن القوة تحترم القوة، وأن التسلح بقوة هائلة كالأسلحة النووية هو السبيل الوحيد لوضع حد لأطماع الغزو الإمبريالية".
تربط روسيا اتفاقيات شراكة استراتيجية مع كل من بيونغ يانغ وطهران، ويُعدّ توقيع هذه الاتفاقيات ذا أهمية بالغة. إلا أن الاتفاقية مع كوريا الشمالية، على عكس الاتفاقية مع إيران، تتضمن بنداً يتعلق بالمساعدة العسكرية.
3- يتمثل بعدم الاستهانة بقدرات العدو. فاستناداً إلى تحليل تحركات إسرائيل والولايات المتحدة، يمكن القول إن أخطر تهديد هو "العدو الداخلي" للدولة.
ويعتبر الخبير العسكري أسمولوف "أن أسوأ خطأ في التقدير هو الإيمان الأعمى بالسلام. وأقسى حقيقة هي منطق التفوق الناري. وأشد المفارقات قسوة هي وهم النصر. وأكثر الدعم موثوقية هو الاكتفاء الذاتي".
وبحسب ما أفاد موقع "ستراتيجيك كلتشر"، قلّل الأمريكيون والإسرائيليون من شأن قوة إيران. وقد فشلت العملية بشكل رئيسي بسبب صمود إيران وتمكنها من التحكم بمضيق هرمز.
4- حرب الاستنزاف والتكتيكات الجديدة التي تركز على ديناميكيات الحرب. ويوضح أسمولوف "نشهد استهلاكاً مكثفاً للذخيرة، ما يميز الصراعات واسعة النطاق، حيث لا يدخر أي من الطرفين جهداً في استخدام القذائف والصواريخ. ومع ذلك، يبرز سؤال منطقي: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
لم تُسلّح الولايات المتحدة ولا إيران اقتصاداتهما بالكامل، لذا سيكون من المثير للاهتمام متابعة تطورات الوضع عندما تبدأ الاحتياطيات بالنفاد. وتشير وسائل الإعلام الصينية والكورية الجنوبية بالفعل إلى أنه "إذا طالت الحرب أكثر من المتوقع، فقد ينقل الجيش الأميركي أنظمة الدفاع الصاروخي التابعة له والمنتشرة في كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. ومن المرجح جداً أن تكون هذه التحركات قد بدأت بالفعل".
5- يعتبر المحلل رومان دريك أنه "على رغم كل مساوئ نظام الحكم المعقد والمطلق فإن له جدوى بعد قطع الرأس. إذ ظهرت في إيران مدى قدرة نظام يمكن وصفه بأنه نظام ثيوقراطي ديني ذو حكم استبدادي قوي، ويتبنى، على الأقل ظاهرياً، مستوى عالياً من التلقين الأيديولوجي للسكان، على الصمود أمام ضربة قطع الرأس الناجحة. وهذه الضربة هي تحديداً ما تقوم عليه الخطط العملياتية الأميركية ضد الخصوم عامة وكوريا الشمالية خاصة".
ويضيف "يبدو أن الأمريكيين نجحوا في القضاء على جزء كبير من القيادة الإيرانية. وسواء كانوا قد استعانوا بالخونة أم لا، فليس هذا هو المهم. تشير بعض النظريات إلى أن القادة الإيرانيين أظهروا ثقة مفرطة بالنفس وأهملوا الأمن، أو أن المرشد المسن قرر الموت شهيداً، معتقداً أن ذلك سيكون أفضل للبلاد. لكن وعلى أي حال، لم يسفر ذلك عن انهيار النظام ولا عن زعزعته".
حول أسباب الحرب
يقول فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة الدولية" إن "الحرب الإيرانية الراهنة تُمثل المرحلة الأخيرة من عملية تفكيك الشرق الأوسط كما ظهر في القرن العشرين، خلال فترة انحطاط الإمبراطوريات الاستعمارية وانهيارها.
ولعل نقطة انطلاق هذه المرحلة هي عملية عاصفة الصحراء قبل 35 سنة، وهي أول هجوم أمريكي على العراق لتحرير الكويت التي كانت تحت احتلال صدام حسين. وقد وقعت هذه الأحداث عند منعطف حاسم في العلاقات الدولية: نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وبزوغ فجر القطبية الأحادية - أي هيمنة الولايات المتحدة".
ويضيف "كل ما تلا ذلك – من قصف وتفكيك يوغوسلافيا والهجمات على نيويورك وواشنطن في سبتمبر/ أيلول 2001، والحرب العالمية على الإرهاب، والعملية الانتقامية في أفغانستان، وغزو العراق عام 2003، والربيع العربي، والتدخل في ليبيا، والتحريض على الحرب الأهلية في سوريا، وما إلى ذلك - كان بمثابة انزلاق في دوامة، وفقدان سريع للسيطرة على مجريات الأمور.
وأصبحت السياسة الأمريكية (وبالتالي سياسات الدول الأخرى) رد فعلٍ على المتغيرات المتسارعة، ووجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة بين ضرورة الخروج من فخ صنعته بنفسها، واستحالة القيام بذلك من دون المخاطرة بفقدان نفوذها، ليس فقط في الشرق الأوسط".
ويؤكد أن "تحليل نشأة السياسة الأمريكية خلال هذه الفترة يُعدّ موضوعاً مفيداً، وإن كان منفصلاً. ويكفي هنا الإشارة إلى أن دونالد ترمب - في كلتا فترتيه الأولى والثانية - قد رفع راية أولوية المصالح الأمريكية وضرورة إنهاء المغامرات بعيداً من الحدود الفيدرالية، لا سيما في الشرق الأوسط، لكنه فعل على أرض الواقع العكس تماماً".
الاختبار الأصعب لأمريكا!
يجمع خبراء روس على أن إيران تُعدّ أقوى دولة واجهتها الولايات المتحدة بشكل مباشر منذ الحرب العالمية الثانية. لا يتعلق الأمر بالقدرات العسكرية فحسب، بل بإمكاناتها الشاملة وحجمها وتاريخها. وأن محاولة زعزعة ركن آخر من أركان النسيج الإقليمي بعد مراكز تاريخية وثقافية كبغداد ودمشق، تنذر بعواقب وخيمة، بغض النظر عن كيفية انتهاء المرحلة الهجومية.
ويشير الخبراء إلى أنه "بحسب الرأي السائد في واشنطن، اتفق نتنياهو وترمب على شن حرب كبرى ضد إيران قبل حلول العام الجديد، وكان لرأي رئيس الوزراء الإسرائيلي دور حاسم في دفع ترمب للتخلي عن مبادئ عدم التدخل، ومن المرجح أن البيت الأبيض أخطأ في تقدير الوضع السياسي الإيراني، متوقعاً انهياراً فورياً. كانوا يعوّلون على تكرار سيناريو يونيو الماضي - ضربة جراحية مذهلة وإعلان النصر. عندما لم يحدث ذلك، واضطربت المنطقة بأكملها، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في الموقف الذي كانت تخشاه: عاجزة عن الانسحاب من اللعبة من دون المخاطرة بالظهور بمظهر الخاسر".
(اندبندنت عربية)