تواجه الأزمة اليمنيّة تحديًا جديدًا يضاف إلى تحديات وتعقيدات متراكمة، مع التصعيد العسكري في المنطقة، وبالتالي فاليمن علاوة على كونه جزءًا من المنطقة، يتمتع بخصوصية تزيد من تعقيد مشكلته مع التصعيد الدائر؛ فالحرب هناك لم تنطفئ جذوتها وتداعياتها ما تزال ناشبة أظفارها، وأطراف الصراع فوق كل ذلك، كلا واضع أصبعه على الزناد، مستعد لجولة جديدة من الحرب.
ولا يستبعد أن تؤثر تداعيات التصعيد الإقليمي على إمكانات انفراج الأزمة اليمنية لاحقًا.
يمر اليمن بأزمة سياسية يتجاوز عمرها العقد، وتسببت في وضع أكثر من 22 مليون شخص – من بينهم 10.95 مليون امرأة وفتاة – في دائرة المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية في جميع أنحاء اليمن.
ويشمل ذلك 5.2 مليون نازح داخلياً، و329 ألف مهاجر، و63 ألف لاجئ وطالب لجوء، وفق آخر بيانات الأمم المتحدة التي أشارت إلى أنه "لا يزال انعدام الأمن الغذائي الحاد مثيراً للقلق: إذ يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد".
وقالت إن اليمن في عام 2026 دخل في بيئة عمل تزداد تعقيدًا، تتأثر أيضًا بضغوط تمويلية شديدة وبرنامج إصلاح شامل.
ذلك يجعل من أي تعقيد جديد عاملًا يضاعف من معاناة اليمنيين، وقد يفتح الباب لجولة جديدة من الحرب، التي يرى اليمنيون أنهم قد اكتفوا منها، بعد أن التهمت منهم الكثير قتلًا وتهجيرًا وتجويعًا ومرضًا وعوزا.
وفي هذا لابد أن نسأل: هل الأزمة اليمنية في ورطة حاليًا جراء التصعيد العسكري في المنطقة، وكيف؟
يقول نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، المفكر عبدالباري طاهر، لـ"القدس العربي"، "إن اليمن ليس وحده في وَرطَة؛ بَل المنطقة العربية كلها. فالحرب على إيران تعني الأمَّة العربية كُلَّهَا، والإقليم، وأبعد من ذلك؛ فشرق أوسط جديد، وقيام إسرائيل الكبرى، وقطع طريق الحرير؛ كُلُّهَا أهداف معلنة لترامب ونتنياهو".
ويضيف "فيما يتعلق باليمن فالمأزق كبير. وأنصار الله منتظرون للحظة؛ وهم في وضع خطير ومزدوج. فالصِّرَاع الداخلي قَائِم؛ وهو شديد الارتباط بالصراع بين السعودية، والإمارات، وجاءت الحرب؛ أو بالأحرى العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والعدوان الإيراني ضد دول الخليج؛ ليمثل تَهدِيدًا للمنطقة؛ وليخلق أوضَاعًا شديدة الخطورة".
ويرى أن "موقف أنصار الله مُختلفٌ عن موقف حزب الله في لبنان أو العراق. فلا علاقة لأنصار الله في اليمن بولاية الفقيه، ولكن العلاقة السياسية والمصالح والموقف المشترك حاضرة، وقد يكون لموقف السعودية دَخلٌ في الأمر، وَربَّما يدفع إعلان السعودية للحرب إلى تَبدُّل الموقف في صنعاء".
ويعتقد أن "الورطة في اليمن كبيرة وَمُعقَّدة؛ فهو رهين لأطراف تعيش وَيلات الحرب؛ فإيران الداعم الرئيسي للحوثيين تواجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي غير المسبوق، وتنتظر الدعم من حلفائها في المنطقة. أمَّا الشرعية والانتقالي، فالسعودية والإمارات؛ وهما السندان الأساس لهما تواجهان القصف الإيراني غير المبرر، والأمريكان هَمُّهم الأساس حماية إسرائيل".
ويذهب عبدالباري طاهر للقول إن "المنطقة كلها في مأزق، وَعُرضَة للاستباحة، أو إعادة الصياغة حسب تصريحات نتنياهو. وأيًّا تكن نتائج الحرب، فإنَّ الاحتمالات خَطيرة، وقد تَنجرُّ المنطقة كُلُّها إليها. والأمريكان والإسرائيليون حَريصون – كُلَّ الحِرص- على تحويل الحرب إلى حرب عربية-إيرانية، والقابلية والاستجابة حاصلة".
خراب كبير
لكن يبقى السؤال عن مدى تأثير تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي على إمكانات انفراج الأزمة اليمنية لاحقا. وفي هذا يقول طاهر إن "التأثير على اليمن وعلى المنطقة سلبي. فالمؤشرات تَدلُّ على أنَّ خَرابًا كَبيرًا يهدد المنطقة؛ وَسَواءٌ انخرطت الدول الخليجية في الحرب بقيادة السعودية أم لم تنخرط؛ فإنَّ الحرب على إيران نتائجها كارثية على إيران، وعلى الأمة العربية وَعَالميًّا. لا ننتظر نتائج تَخُصُّ اليمن عقب الحرب؛ فاليمن ضحية الضحايا. إنَّ الخليج واقع ضحية عدوانين: عدوان أمريكا، وإسرائيل على إيران، وعدوان إيران عليه. واليمن تحت رحمة طالبي الرحمة، ودمار إيران دمار للمنطقة كلها، وتهديد جِدِّي لأمن وسلام العالم. وتصاعد الحرب يَجرُّ المنطقة كلها إلى الحرب، ويدمر قدراتها".
أما عن تأثير مشاركة "أنصار الله" في الحرب على مسار التسوية؛ فيعتقد أن "الكارثة على اليمن واقعة بدون اشتراك أنصار الله في الحرب. فاليمن يعيش جحيم الحرب المتواصلة منذ 94، وهو محاصر داخليًّا وخارجيًّا، وقد دمرت الحرب بنيته الهشَّة، ويعيش اليمن حالة مجاعة تتجاوز الـ 80%. فإذا ما أعلن أنصار الله الحرب، فإنَّهم يدمرون ما تبقى".
استطالة الصراع
إلى أين سيمضي التصعيد العسكري الإقليمي؛ هل ثمة أفق للحل؟
• التصعيد الأمريكي الإسرائيلي لا يلتزم بأي قانون من قوانين الحرب، ولا يضع اعتبارًا لأي قيمة إنسانية أو أخلاقية. فقد توخى ترامب بقتل المرشد أنَّ الأمر سيعود إليه في اختيار المرشد الجديد، ولم يدرك أنَّ قتل المرشد الأعلى قوى الإرادة الداخلية، وَدَفعَ إلى التشدد بشكل كبير.
كما أقدمت إسرائيل على اغتيال علي لارجاني- أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وغلام رضا سليماني- رئيس الباسيج، ومحمد باكبور- رئيس الحرس الثوري (القيادة الميدانية)؛ وقتل هؤلاء العسكريين والسياسيين في آن يفتح الباب أمام مزيد من التشدد، والتصعيد المضاد، ويغلق الباب أمام أيِّ حَلٍّ سياسي، ويجعل الحرب الخيار الوحيد؛ وهو ما يريده نتنياهو.
فنتنياهو حريص على توسيع نطاق الحرب، وَجَرَّ المنطقة العربية إليها، وإبقائها في الصراع؛ حتى لو تحقق حل سياسي. فالصراع العربي-الفارسي هو البديل للصراع العربي-الإسرائيلي، واستطالة هذا الصراع يجعل من إسرائيل حامية الحِمَى العربي.
قد لا يكون ترامب مع إطاحة النظام، أو تدمير الكيان الإيراني، ولكن ضحالة تفكيره وارتباكه ورعونة قراره وقوة التأثير الصهيوني عليه- يجعل المخطط الإسرائيلي هو الفاعل؛ وهو ما يجعل احتمال المزيد من التصعيد، وَجَرّ المنطقة العربية للحرب؛ وتدمير لبنان احتمال غير مستبعد.
(القدس العربي)