24 مارس 2026
23 مارس 2026
يمن فريدم-أمينة خيري


حرب إيران توجه ضربات قاضية، بعضها قاتل لكثير من المفاهيم والمنظومات والمبادئ. ليس وحده القانون الدولي أو المنظمات الأممية أو الكيانات الحقوقية من يصارع على الحلبة من أجل البقاء، لكن الرأي العام يعاني ضربات مكثفة موجعة تحاول أن تطرحه أرضاً، ويقول بعضٌ إنه مات، أو في الأقل فقد وظائفه الحيوية.

مصطلح "الرأي العام" حديث نسبياً، لكن "صوت الشعب" أو "رأي الجماهير" أو "ما يراه الناس" مفاهيم قديمة قِدم الشعب والجماهير والناس، ومهمة منذ أصبح هناك حاكم ومحكومون.

أول من أطلق عليه "الرأي العام" خلال عام 1588 كان ميشال دو مونتان أكثر الكتاب الفرنسيين تأثيراً في عصر النهضة، وناقش المفهوم فلاسفة القرن الـ18 مثل جان جاك روسو وجون لوك الذي أطلق عليه اسم "قانون الرأي". وشهد الرأي العام خلال ذلك القرن انتعاشة واعترافاً عبر الثورات التي صاغت مفهوم "الإرادة العامة".

وظل يتطور عبر القرون والعقود ليصبح علامة على قوة المجتمع، وأداة تأثير في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول، وسلاح ضغط بالغ الفعالية يحمي الحقوق والحريات، ويعزز الديمقراطية، ويسائل الحكام والحكومات في أوقات السلم، لكن يكتسب أهمية كبرى وخطورة لافتة أثناء وقت الحرب.

الرأي العام في "خانة اليك"

حرب إيران الحالية تضع الرأي العام في "خانك اليك". تعري ما آلت إليه مكانته وتكشف ما أصبح عليه من ضعف على رغم قوته المكتسبة من كونه "صوت الجماهير" وإرادتها وتفضيلاتها واتجاهاتها، وتعلن تعطله أو شلله أو بحسب متشائمين موته.

جرت العادة التاريخية أن يلعب الرأي العام دوراً حاسماً، وإن كان بالغ التعقيد، في قرارات شن الحروب. في الأنظمة الديمقراطية، كان يفترض أن يلعب الرأي العام دوراً حاسماً في التصديق أو الموافقة أو تأييد قرار شن حرب ما، أو في الأقل الانتقاص من شرعيتها عبر معارضتها. وترتكز النظريات على أن الرأي العام يمثل عامل ردع في بعض الحالات، إذ يمنع اندلاع نزاعات وصراعات وحروب مكلفة ولا طائل منها. في الوقت نفسه، كان يفترض أن يوفر الغطاء الشرعي اللازم للأعمال العسكرية في حال الاقتناع بالأهداف.

صحيح أن تشكيل وصياغة الرأي العام تتداخل فيها عوامل أخرى، إضافة إلى فكرة "ما تريده الجماهير"، إذ إن صناعة الرأي العام قد يشوبها توجيه أو تطويع أو تشكيل مسبق مما يهيئه ليناسب توجهات الحكام واختياراتهم، إلا أن المكون العضوي أو الأصلي المتمثل في رغبة الناس الفعلية لا يغيب.

اليوم، يقف الرأي العام في العالم موقفاً لا يحسد عليه بفعل حرب إيران. لم يحدث من قبل أن وصل الاستقطاب والاختلاف والخلاف في آراء الجماهير إلى ما هي عليه في شأن حرب أمريكا وإسرائيل على إيران، ومن ثم اعتداءات إيران على دول الجوار وما بعد دول الجوار، وكذلك حرب إسرائيل على لبنان. رأي العالم منقسم بشدة، بين معارضة قوية لا تخطئها عين، ودعم أيضاً قوي لا يخفى على أحد، وموقف ثابت لا يبدو أنه يلين في دول المنشأ التي تتعامل مع الحرب وكأنها أمر لا بد منه.

وبعيداً من تسييس عمليات قياس الرأي العام في ما يختص بالموقف من الحرب، إذ تأتي بعض النتائج معارضة للحرب حين يجري القياس عبر جهة محسوبة على المعارضة، وتأتي داعمة لها حين تكون الجهة داعمة للفكرة، يبقى المزاج المحلي في دول الأرض مائلاً لرفض الحرب، أو معارضتها، أو في الأقل التساؤل حول أسبابها التي تبدو غامضة، أو غير معروفة، أو غير معلنة.

حين يأتي هذا الشعور بالضبابية من داخل الولايات المتحدة نفسها التي شنت الحرب، فهذا يعني أن الرأي العام الأمريكي في مأزق، أو أن قرار الحرب في مأزق، أو أن المأزق مشترك. وتشير "سي أن أن" ضمن تقرير لها عنوانه "الأمريكيون لا يرون المغزى من هذه الحرب" مارس/ آذار 2026 أن حصيلة نتائج استطلاعات الرأي الكثيرة التي تجرى منذ بدء الحرب على إيران، الذي سمته بـ"الصراع العسكري الأمريكي الجديد" الذي يعد الأهم منذ عقدين، تشير إلى أن الصورة غامضة، سواء صبت في مصلحة الرئيس دونالد ترمب في النهاية أو العكس. لكن أثناء الوقت الراهن، وبحسب التقرير، يبدو أن التشاؤم والتردد سيدا الموقف، بل تعتقد الغالبية في أمريكا أن هذه الحرب تجعلهم أقل أمناً.

اختلاف الأسئلة والنتائج

وعلى رغم إشارة التقرير إلى تباين نتائج استطلاعات رأي الأمريكيين حول حرب إيران وفقاً لطبيعة الأسئلة الموجَّهة والموجِّهة، واستعراضه لنتائج استطلاعات تبدو متضاربة بين تأييد ومعارضة، فإنه حتى الاستطلاعات التي تكشف عن نسبة تأييد "مرتفعة" لا تعني في حقيقتها سوى المناصفة مع جبهة الاعتراض.

المزاج العام في دول الأرض لا يؤيد الحرب، وإن أيدها فهو يخشاها ويخشى آثارها. الأسباب مختلفة، وتراوح ما بين رفض إنساني فطري لفكرة القتال وغموض أسباب الحرب ودوافعها وأهدافها، أو وضوح الأسباب لكن عدم كفايتها أو منطقيتها وشعور بأن الحرب ستخلف عالماً أكثر وحشية وشرق أوسط أكثر تفتتاً، وقلق من أن تسفر عن توسع قاعدة الإرهاب أو تمدد الصراع بصورة يصعب احتواؤها، والقائمة طويلة.

وإذا كان جانب من حكام العالم الغربي قابل قرار الحرب في بدايته بمزيج من الدعم والإدانة والمطالبة بالتروي والتأرجح بين الاستعداد للانخراط وإعلان رفض المشاركة، فإن الأيام التالية دفعت الحكومات الغربية إلى مواقف إما أكثر وضوحاً أو أشد التباساً.

الرأي العام في تلك الدول دفع حكوماتها في البداية إلى إبداء التحفظ مع التلويح بالتأييد، أو إبداء التأييد مع التلويح بالتحفظ. أثر الرئيس ترمب على تلك الدول كبير ومشاعر قادتها ترتبك في التعامل معه. وأفضل ما قيل في هذا الشأن هو أن قادة أوروبا يمشون على أطراف أصابعهم في حضرة ترمب. معظمهم حاول الحفاظ على إشهار تقديم الدعم (المحدود) لقرار أمريكا وإسرائيل بالحرب، مع الحرص على تذييل كل إشهار دعم بتحذير واضح وصريح من تمدد قاعدة الحرب إقليمياً وربما عالمياً.

الرأي العام الأوروبي حاكم أو في الأقل مشهر، والقادة الأوروبيون في موقف لا يحسدون عليه. في مطلع الشهر الجاري، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس تضامناً متحفظاً مع فكرة الحرب، وذلك إبان لقائه الرئيس ترمب. قال "لم يكن هناك نقص في الدبلوماسية، لكن كان هناك نقص في الاستعداد للتعاون من جانب إيران. التطورات التي تسير في اتجاه امتلاك سلاح نووي تقدمت إلى حد بعيد، وفي مرحلة ما، يجب أن تقول، توقف".

في الوقت نفسه، أوضح أن لا أمريكا طلبت من ألمانيا التدخل، ولا ألمانيا يمكنها أن تتدخل بحكم الإطار الدستوري الألماني، إذ نشر القوات المسلحة في البلاد مسموح به فقط لأغراض الدفاع الوطني أو الجماعي، أو في إطار أنظمة الأمن الجماعي، وهو ما يتطلب موافقة البرلمان. لكن المستشار الألماني عاد وانتقد قبل أيام غياب وجود استراتيجية أمريكية واضحة لكيفية إنهاء الحرب، مكرراً تأكيده أن ألمانيا ليست جزءاً من هذه الحرب، ولا تريد أن تصبح جزءاً منها.

استطلاعات الرأي في ألمانيا تشير منذ بدء الحرب إلى أن الجانب الأكبر من الألمان يعدونها حرباً غير مبررة، ومعظمهم يخشى امتدادها. بحسب استطلاع أجرته "دويتش لاند سيرفاي"، ستة بين كل 10 من "الناخبين" الألمان لا يرون الحرب مبررة. كما هو متوقع، غالب الألمان من أصحاب التوجهات اليسارية نحو 82% أكثر اعتراضاً على الحرب، لكن حتى أصحاب التوجهات اليمينية بينهم نحو 48% يعارضونها، ولو كان لأسباب تتعلق بمخاوف الاقتصاد وإمدادات النفط وأسعاره وتمدد الصراع بصورة تؤثر فيهم. كما أن سبعة من كل 10 ألمان أعربوا عن قلقهم تجاه أوضاع الإيرانيين.

الرأي العام في ألمانيا يحظى بمكانة بارزة، وقدرة واضحة على التأثير المباشر في القرارات السياسية. وهي من الدول المعروفة بقوة وقدرة استطلاعات الرأي التي توجه الأجندات الحزبية والقرارات السياسية، وجميعها يصب في نتائج الانتخابات.

الموقف الفرنسي الرسمي من الحرب يظل ممسكاً بالعصا من المنتصف، فهو من جهة أكد أن فرنسا لا تشارك في العمليات العسكرية ضد إيران، ولم تُعلم بالحرب قبل شنها، وأن دورها دفاعي لحماية مصالحها ورعاياها في المنطقة، مع بذل جهود دبلوماسية لاحتواء الصراع، وتأمين المصالح الفرنسية.

أما استطلاعات الرأي، فهي تتأرجح بين كون العمليات العسكرية خطوة إيجابية قد تحقق طموح الإيرانيين في نظام أكثر ديمقراطية وحقوق إنسان أفضل، لكن الموقف من العمليات العسكرية نفسها يميل إلى القلق. بحسب استطلاع أجرته "آيفوب"، نحو 60% من الفرنسيين يرون الحرب تؤثر سلباً في استقرار الشرق الأوسط، و73% يقولون إنها ستؤثر سلباً في الاقتصاد العالمي. وبصورة عامة، يميل الرأي العام الفرنسي إلى معارضة أي تدخل عسكري خارج الحدود، وهو موقف ثابت منذ حرب العراق عام 2003.

حرب العراق علامة فارقة وتجربة قاسية في الرأي العام الغربي. تتفاوت التوجهات وتميل صوب اليمين تارة وتعود إلى اليسار تارة أخرى، لكن تظل حرب العراق وما كشفت عنه من عوار في القرارات والتدخلات وما استجوبته من مراجعات على المستويين السياسي والشعبي عنصراً حاضراً في توجهات الشارع داخل الدول الغربية، لا سيما تلك التي ضلعت مباشرة في الحرب، ثم أسفت لذلك لاحقاً.

الرأي العام في بريطانيا كاشف. بحسب استطلاعات رأي أجرتها "يو غوف"، تبقى أسباب حرب أميركا وإسرائيل على إيران غير واضحة! 27% فقط قالوا إن أسباب الهجوم معروفة وواضحة، و8% فقط قالوا إنها "واضحة جداً. في المقابل قال 61% إن الأسباب غير واضحة، بينهم 34% يرونها غير واضحة جداً.

بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، قال 49% من البريطانيين إنهم يعارضونها، مع تراوح معدلات الرفض والتأييد بحسب الانتماءات الحزبية. ناخبو حزب الإصلاح البريطاني، يليهم ناخبو حزب المحافظين الأكثر تأييداً للحرب، بينما غالب ناخبي أحزاب العمال والديمقراطيين الأحرار والخضر يعارضونها. اللافت أنه بعد مرور بضعة أيام من الحرب، زادت نسب رفضها بين البريطانيين بنحو 10 نقاط.

رسمياً، واجه رئيس الوزراء البريطاني انتقاداً لاذعاً من الرئيس ترمب الذي وصف الموقف البريطاني بـ"التأخر في دعم العمليات العسكرية ضد إيران". وكانت بريطانيا أعلنت عدم السماح باستخدام قواعدها لشن هجمات على إيران. وحين قالت بريطانيا إنها تدرس إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط، قال ترمب إن أميركا لا تحتاج ذلك للانتصار في الحرب على إيران.

ووصل الأمر إلى درجة أن ترمب كتب ضمن منشور على "تروث سوشال"، "لا بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا في حاجة إليهما (ناقلتي الطائرات) بعد الآن، لكننا لن ننسى، لسنا في حاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعدما نحقق فيها الانتصار بالفعل".

الرأي العام السائد داخل بريطانيا في ما يختص بالموقف العسكري البريطاني في الحرب هو أن يقتصر على الجانب الدفاعي البحت، والمتمثل في إسقاط طائرات مسيرة وحماية المناطق المدنية، والمنشآت العسكرية البريطانية، وذلك بحسب استطلاعات "يو غوف". 8 % فقط قالوا إنهم يرغبون في انضمام بريطانيا للصراع إلى جانب أمريكا وإسرائيل.

في أميركا، تزدحم الساحة بمئات استطلاعات الرأي العام، وتختلف النتائج باختلاف الجهات المنظمة لها وبحسب تركيب الأسئلة المتضمنة، لكن يظل الاتجاه العام يدور في نسب متقاربة، إذ يعارض نحو نصف الأمريكيين الحرب التي شنتها بلادهم على إيران، وترتفع النسبة بالطبع بين الديمقراطيين، ونحو الربع يؤيدونها مع ارتفاع النسبة بين الجمهوريين، والنسب الباقية تقول إنها "لا تعرف".

الضبابية سيدة الموقف

يكشف استطلاع أجرته "جامعة ماريلاند" الأمريكية قبل أيام عن كواليس المعرفة بأهداف الحرب وآثارها و"الثمار" المرجوة ومن يجنيها، إذ الضبابية سيدة الموقف. رأى ثلث الأمريكيين أن الحرب ستخدم المصالح الأمريكية على نحو أكبر 31%، بينما رأى ثلثهم الآخر أن الحرب ستخدم مصالح أطراف أخرى على نحو أكبر 35%، في حين لم يبد 33% منهم رأياً واضحاً.

وشملت الأطراف الأخرى التي رأى الأمريكيون أن مصالحها ستخدم على نحو أكبر إسرائيل 16%، والشعب الإيراني 11%، وبعض الدول العربية ثلاثة%. ورأى نحو 20% من الجمهوريين أن مصالح الشعب الإيراني ستخدم على نحو أكبر مقارنة بالديمقراطيين، بينما رأى نحو 22% من الديمقراطيين أن مصالح إسرائيل هي المستفيدة من الحرب.

حرب أميركا وإسرائيل، أو كما يفضل بعضٌ أن يسميها "حرب ترمب ونتنياهو على إسرائيل" تمضي قدماً. وعلى رغم أن الرأي العام الأمريكي يعارض الحرب، ويؤكد معظمه أن أسبابها وأهدافها غير واضحة وأن المستفيدين منها غير معروفين، فإن الإدارة الأمريكية تصر على استكمال المسيرة وإن بقيت محطة النهاية غير محددة.

يبدو أثر الرأي العام الأمريكي في هذه الحال ضعيفاً أو غير مؤثر، لكن المسألة ليست إحصائية بحتة أو قاصرة على الإذعان للرأي العام وإنهاء الحرب إرضاءً له. ما يحدث في مثل هذه الأحوال هو تراكمات يبينها الناخبون وتؤثر في أقرب انتخابات، إلا لو جد في الأمور جديد أو ظهرت عوامل أخرى لم تكن في الحسبان أو غطت حوادث جلل على الحدث الجلل الآني، ألا وهو الحرب.

أولويات الناخب الأمريكي تتلخص في الاقتصاد، وأسعار النفط التي تؤثر سلباً أو إيجاباً في مستوى المعيشة وكلفتها.

ويشير استطلاع آخر أشارت إليه وكالة "أ ب" إلى أن تقلبات أسعار النفط تشكل مصدر قلق حقيقياً ورئيساً لغالب الناخبين الأمريكيين، وبخاصة الديمقراطيين. سبعة بين كل 10 ناخبين قلقون جداً أو إلى حد ما من أن الحرب ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وتتوقع الغالبية أن تستمر العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران أشهراً في أقل تقدير، إن لم يكن أكثر.

ويسري شعور عام بأن اعتماد حملة ترمب الانتخابية على مبادئ مثل "أمريكا أولاً" و"إنهاء تورط أميركا في حروب لا نهاية لها"، ثم الانخراط في حرب إيران وتمددها إقليمياً يضع إدارة ترمب على المحك.

وفي الداخل الإسرائيلي، يخوض الرأي العام ما يُعرف بـ"الالتفاف حول العلم". في أوقات الأزمات الكبرى والحروب والكوارث التي تضع الدول والشعوب في دائرة خطر، يميل الرأي العام في العادة إلى دعم الأنظمة والحكومات، سواء كان في الأصل يدعمها أو يعارضها أو حتى يطالب بإسقاطها. هذا التأثير، "الالتفاف حول العلم" يتسم بزيادة فجائية وكبيرة، لكن موقتة، في تأييد الزعيم أو القائد أو الرئيس، حتى لو كان يطالب بإسقاطه أو عزله قبل الأزمة.

في إسرائيل، يميل الرأي العام إلى تأييد الحرب على إيران. بحسب موقع "ستايستا"، نحو 65% من الإسرائيليين يدعمون العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ونحو 18% يدعمونها بصورة ما، وخمسة في المئة يعارضونها، و8% يعارضونها بشدة، ونحو خمسة في المئة لا يعرفون.

الرأي العام الإسرائيلي بما في ذلك المعارضون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يؤيد بشدة العمل العسكري ضد إيران. فهو يعده حرباً وجودية وضرورة حتمية لإنهاء خطر "حروب الوكالة" داخل المنطقة، والتي يرى الإسرائيليون أنها وصلت إلى درجة لا يمكن السكوت عليها مع عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لا سيما أن الفكرة السائدة في إسرائيل أن الغرض الرئيس من كل ما يجري هو تدمير إسرائيل.

فروق مبررة

تعد الفروق الكبيرة نسبياً في توجهات الرأي العام الأمريكي والإسرائيليين في ما يتعلق بالعمليات العسكرية الموجهة ضد إيران، من الأمور اللافتة في هذه الحرب. الغالبية في إسرائيل تدعم الحرب وتعدها "ضرورة وجودية"، بينما الغالبية في أمريكا (وإن كانت بنسبة أقل) تعارض الحرب وتعدها غير مفهومة أو غير مبررة أو غير ضرورية، وهذا يعني أن تحالف وتضامن وتآزر وتماهي وتآخي النخبتين السياسيتين لا تعني التقارب نفسه شعبياً، في ما يختص بالموقف من الحرب.

وضمن تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" تحت عنوان "تختلف آراء الإسرائيليين والأميركيين اختلافاً كبيراً في شأن الحرب على إيران. هل يهم ذلك؟" مارس 2026 تقول الكاتبة داليا شندلين إن المجهود الحربي الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران عزز ما وصفته بـ"أقوى شراكة دولية في العالم بين النخب السياسية والعسكرية"، إلا أن استطلاعات الرأي العام تظهر أن المجتمعين ينظران إلى هذه الحرب نظرة مختلفة تماماً، وهو الاختلاف الذي اعتبرته بالغ الأهمية، لا لإنهاء الحرب أو المضي قدماً فيها امتثالاً للرأي العام، لكن لأن خطط ما تبقى من الحرب وإنهائها والخروج منها تختلف بشدة بين الدولتين.

الرئيس ترمب، بحسب "هآرتس"، يواجه شكوكاً داخلية حول الفكرة من الحرب وانتخابات التجديد النصفي القادمة، وهو ربما ما يدفعه إلى القول إن الحرب قد تنتهي قريباً، مصوراً إياها على أنها شبه مكتملة، وذلك لتهدئة الرأي العام غير المتحمس. في المقابل، يشجع دعم الرأي العام الإسرائيلي الكبير للقيادة الإسرائيلية وتشجيعها على توسيع نطاق الأهداف، حتى لو تطلب ذلك إطالة أمد الصراع لضمان تحييد التهديد الإيراني بصورة كاملة، وذلك على العكس من الدعوة الأميركية لـ"العمل السريع".

وتشير الكاتبة إلى أنه للمرة الأولى ومنذ فترة طويلة، تبدو الحليفتان (أمريكا وإسرائيل) متباعدتين بصورة ملحوظة في رؤيتهما للنهاية. تبقى الشراكة العسكرية وثيقة على مستوى النخبة، لكن انقسام الرأي العام يعني تباعد أميركا وإسرائيل شعبياً، نتيجة لتضارب أهدافهما الاستراتيجية بين احتواء النظام الإيراني والإصرار على تغييره.

سياسياً، أعطت حرب إيران لنتنياهو دفعة سياسية، فحسنت من شعبيته قليلاً بعد تراجعها كثيراً بسبب حرب غزة. أما بالنسبة إلى ترمب، فإن ضبابية أسباب الحرب ودوافعها وأهدافها جعلته أكثر عرضة للانتقاد حتى من داخل حزبه، وهو ما انعكس سلباً بالطبع وبصورة أوسع بين الرأي العام الأميركي.

التفاف آخر حول العلم خارج حدود إسرائيل حدث على الجانب الآخر من حلبة الحرب، فعلى رغم تغييب استطلاعات وقياسات الرأي العام الإيراني، فإن التقارير والتغطيات المتاحة تشير إلى حدوث استقطاب حاد، لكن المحصلة النهائية تصب في خانة الالتفاف حول النظام لأسباب متناقضة.

مزيج من الخوف والغضب والقلق على مصير الوطن دفعت كثراً إلى الالتفاف حول النظام الذي تظاهروا ضده في الأمس القريب، وقبل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.

تحول الدمار والخطر إلى قلق حول مصير إيران، وهو ما أحدث على الأرجح التفافاً اضطرارياً حول النظام حقناً لدماء الوطن ومصيره ووقاية له من التفتت والتقسيم.

توجهات الرأي العام في أرجاء عدة من العالم، وفي الدول سواء الضالعة مباشرة في حرب إيران، أو القادرة على الضلوع، أو المترددة، أو المعرضة لتتحول من الاكتفاء بإصدار بيانات التنديد أو المطالبة بتحكيم الدبلوماسية وترجيح المفاوضات إلى الضلوع مباشرة في الحرب عبر تقديم يد العون، وحاملات الطائرات والفرقاطات، لدعم أمريكا وإسرائيل، لم ولن تؤثر كثيراً على الأرجح في مضي الحرب قدماً.

أشارت شبكة "سي بي أس" الأمريكية إلى استطلاع رأي عام أوروبي عن الحرب كشف عن أن واحداً بين كل خمسة أشخاص داخل ست دول أوروبية رئيسة ينظرون إلى أمريكا، بسبب قرار الحرب، على أنها "تهديد" كبير لأمنهم.

النعوت المتكررة على ألسنة المستطلعة آراؤهم في أرجاء العالم لوصف الحرب، باستثناء إسرائيل، تراوح ما بين "مهددة لأمننا" و"متهورة" و"غير مدروس" و"غامض" و"غير منطقي" وغيرها، لكن النعوت وحدها لا تبطل الحرب، أو تؤثر في قراراتها، أو تقصر أمدها.

بعضٌ يصف ذلك بـ"موت الرأي العام" أو موته إكلينيكياً ضمن كيانات ومفاهيم أخرى عدة باتت في حكم المتوفاة، مثل القانون الدولي والمنظمات الأممية والحقوقية. وقوف الرأي العام العالمي بصورة عامة في تناقض واضح مع توجهات النخب السياسية وتحركات الأنظمة والحكومات المؤيدة للحرب، أو مكتوفة الأيدي تجاهها تحسباً لغضب الرئيس الأمريكي ترمب وانتقامه لاحقاً، وهو "الحرص" الذي لا يلق الرأي العام له بالاً، لم يؤثر في قرار شن الحرب أو قرارات استمرارها أو تمديدها أو توسعها، وكذلك قرار نهايتها. ربما مات الرأي العام في ظل تجاهل توجهاته والتغاضي عن مخاوفه ومطالبه، والتهاون مع مكانته. وربما يعود إلى الحياة في وقت لاحق.

على أي حال، يبقى الرأي العام بطبيعته كياناً غير ثابت أو مستمر، فهو قابل للتأثر وإن كان تأثيره بات مشكوكاً فيه. كما أن الأولويات المحلية من أمن داخلي واقتصاد وصحة وسكن وتعليم وغيرها قادرة على تعديل الدفة وتغيير الوجهة، ويضاف إلى عوامل التغيير والتعديل ما يُعرف بـ"إنهاك الأزمات" والتي تدفع كثراً إلى اللامبالاة أو تجنب الاهتمام بالشأن العام لفرط تواتر الأحداث وتفاقم الحوادث.

واقع الحال بعد مرور أكثر من أسبوعين على حرب أمريكا وإسرائيل المفاجئة على إيران، وتمددها إقليمياً يعكس أن رأي الجماهير واضح وصريح، لكنه عاجز وهزيل أمام قرار الحرب ومنطق القوة.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI