يتزايد الاهتمام بمشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية بوصفه أحد أبرز الحلول المطروحة لمعالجة أزمة الكهرباء المتفاقمة في اليمن، خاصةً مع اتّساع فجوة العجز وارتفاع الطلب على الطاقة خلال الأعوام الأخيرة.
وفي ظل تسارع مشروعات الربط الإقليمي في المنطقة العربية، يظل اليمن خارج هذه المنظومة رغم موقعه الإستراتيجي؛ ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول فرص اندماجه في شبكة تبادل الطاقة الإقليمية.
في هذا الإطار، سلّط المتخصص في الطاقة المتجددة المهندس ناصر صبر الضوء على أبعاد المشروع، موضحًا أن الربط الكهربائي مع السعودية يمكن أن يشكّل نقطة تحول مهمة لقطاع الكهرباء في اليمن، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات هيكلية تتطلب معالجة شاملة لضمان نجاحه واستدامته.
وأوضح صبر -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية يأتي ضمن سياق إقليمي أوسع تسعى فيه دول المنطقة إلى تعزيز تكامل شبكات الكهرباء.
وأشار إلى أن هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي تعمل منذ أعوام على إنشاء شبكة مشتركة تسمح بتبادل الطاقة خلال أوقات الذروة وتحسين كفاءة توزيع الأحمال بين الدول الأعضاء.
قدرات ضخمة
قال صبر، إن المنطقة العربية تمتلك قدرات إنتاجية ضخمة تتجاوز 300 غيغاواط، إلّا أن قدرات الربط الفعلية ما تزال محدودة عند نحو 15.8 غيغاواط فقط، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة ومستوى التكامل الفعلي.
ولفت إلى أن اليمن ما يزال خارج هذه المنظومة رغم أهميته الجغرافية واتّصاله المباشر بالسعودية.
وأضاف صبر أن قطاع الكهرباء في اليمن يواجه تحديات عميقة، تتجلى في عجز التوليد وتهالك البنية التحتية، مشيرًا إلى أن عجز التوليد في عدن بلغ نحو 244 ميغاواط، في حين ارتفعت ذروة الأحمال إلى 710 ميغاواط خلال عام 2026 مقارنة بـ690 ميغاواط في صيف 2025؛ ما يعكس نموًا مستمرًا في الطلب دون قدرة موازية على التوليد.
وأشار إلى أن الفاقد في شبكة الكهرباء يصل إلى نحو 50%، وهو مؤشر خطير على ضعف كفاءة النقل والتوزيع، إلى جانب مديونية ضخمة تُقدَّر بنحو 140 مليار ريال يمني، فضلًا عن أن ساعات انقطاع التيار في بعض الفترات تتجاوز 20 ساعة يوميًا، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع.
(الدولار الأمريكي = 238.62 ريالًا يمنيًا).
ولفت صبر -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن العجز في ذروة الأحمال وصل في بعض الأوقات إلى نحو 470 ميغاواط قبل تدخلات جزئية عبر توفير الوقود، مؤكدًا أن الحلول الحالية تعتمد بشكل كبير على إجراءات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.
الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية
فيما يتعلق بالدعم السعودي، أوضح صبر أن المملكة قدّمت في مطلع عام 2026 منحة لشراء الوقود من حقول بترومسيلة، أسهمت في تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء حكومية، مع تركيز خاص على محافظتي حضرموت والمهرة، نظرًا لأهميتهما الإستراتيجية ومواردهما النفطية.
وأكد أن مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية عاد إلى الواجهة في أبريل/نيسان 2026، ضمن حزمة استثمارية أوسع تشمل -أيضًا- مشروعات في قطاع النفط.
وأوضح أن الحكومة اليمنية تتجه نحو تطوير نماذج تعاون مشتركة مع السعودية في مجال الطاقة، إلّا أن المشروع ما يزال في مرحلة الدراسة ولم تُحدد له حتى الآن تفاصيل فنية أو جدول زمني للتنفيذ.
وشدد صبر على أن أبرز ما يميز مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية هو قدرته على تقديم حل سريع نسبيًا لأزمة الكهرباء، من خلال إمكان ضخ ما بين 500 و1000 ميغاواط عبر خط ربط مباشر، وهو ما يمكن أن يخفف بشكل ملحوظ من فجوة العجز ويقلّص ساعات الانقطاع في المدن الرئيسة.
وأضاف أن الكهرباء المستوردة عبر الربط تتمتع بموثوقية أعلى مقارنةً بالإنتاج المحلي، الذي يعتمد على محطات تعاني نقص الوقود وضعف الصيانة؛ ما يجعلها عرضة للتوقف المتكرر.
الاعتماد على الوقود المستورد
قد يسهم مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد، الذي يشكّل عبئًا ماليًا كبيرًا على الدولة، خاصةً في ظل تقلبات الأسعار العالمية والتوترات الإقليمية التي تؤثّر بتكاليف الشحن والإمدادات.
يقول المهندس صبر، إن استبدال جزء من هذا الاعتماد بكهرباء مستوردة عبر خطوط ربط ثابتة يمكن أن يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية على المدى المتوسط، وتحسين كفاءة إدارة الموارد المالية في قطاع الكهرباء.
وفي سياق متصل، أكد أن الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في دعم مشروعات الطاقة المتجددة في اليمن، موضحًا أن البلاد تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنها ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي.
وأضاف أنه مع تحقيق قدر من الاستقرار وتطوير البنية التحتية، يمكن لليمن مستقبلًا تصدير فائض الطاقة المتجددة إلى السعودية، ولا سيما في ظل توجُّه المملكة لزيادة حصة الطاقة النظيفة إلى 50% بحلول عام 2030، وهو ما يفتح آفاقًا للتكامل في مجال الطاقة النظيفة بين البلدين.
الحاجة إلى استثمارات ضخمة
أشار المتخصص في الطاقة المتجددة المهندس ناصر صبر -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن الربط الكهربائي يعزز موثوقية الشبكة، من خلال توفير مصدر احتياطي خارجي يمكن الاعتماد عليه في حالات الطوارئ، مما يقلل من احتمالات الانهيار الكامل للشبكة، ويسهم في ضمان استمرار الخدمات الأساسية مثل المستشفيات ومحطات المياه والمؤسسات التعليمية.
وعلى صعيد التحديات، أكد صبر أن البنية التحتية تُمثّل العقبة الكبرى أمام تنفيذ المشروع، موضحًا أن شبكة الكهرباء في اليمن تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الصراع، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها قبل التفكير في الربط الخارجي.
وأضاف أن تقديرات الاستثمارات اللازمة لإنقاذ قطاع الكهرباء في عدن وحدها لا تقل عن 1.5 مليار دولار، فضلًا عن احتياجات مماثلة في مناطق أخرى مثل حضرموت ومأرب، مشيرًا إلى أن غياب شبكة توزيع قوية قد يؤدي إلى فقدان نسبة كبيرة من الكهرباء المستوردة.
وفيما يتعلق بالتمويل، أوضح أن مديونية القطاع تعكس ضعفًا هيكليًا في منظومة التحصيل والإيرادات، مما يحدّ من قدرة الحكومة على تمويل مشروعات كبرى، كما أن غياب الضمانات الاستثمارية الكافية يشكّل عائقًا أمام جذب القطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
وأشار -أيضًا- إلى أن الاستقرار السياسي والأمني يُعدّ شرطًا أساسيًا لنجاح مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية، نظرًا لطبيعته العابرة للحدود، موضحًا أن أيّ توترات قد تُعرِّض خطوط الربط للتعطيل، كما أن تجارب سابقة مثل تعليق بعض أوجه الدعم تؤكد ارتباط مشروعات الطاقة بالمسار السياسي.
وفي الجانب الفني، شدد صبر على ضرورة تحقيق توافق كامل بين الشبكتين اليمنية والسعودية من حيث التردد والجهد وأنظمة التشغيل، وهو ما يتطلب دراسات هندسية دقيقة وأوقات اختبار طويلة لضمان التشغيل الآمن والمستقر.
وأكد أن المشروع يحمل أبعادًا إستراتيجية للطرفين؛ إذ يمكن أن يساعد اليمن في تحسين إمدادات الكهرباء وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، بينما يمنح السعودية فرصة لتعزيز الاستقرار في محيطها الإقليمي وتوسيع استثماراتها في قطاع الطاقة.
(الطاقة)