مع دخول جماعة الحوثيين في اليمن على خط المواجهة العسكرية المباشرة في الجولة الحالية للصراع في الشرق الأوسط إسنادا لإيران، وتوعد إسرائيل برد موجع على ذلك، يخشى كثير من اليمنيين على مستقبل بلدهم الذي يعاني أساسا من "أسوأ أزمة إنسانية في العالم" و"أسوأ أزمة إنسانية في العصر الحديث"، وفقا للأمم المتحدة.
فوفقا لتقديرات أممية، تسببت الأزمة في اليمن في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين، وجعلت أكثر من 80% من السكان يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، وسط تحذيرات متكررة من خطر المجاعة الكارثية.
وبالنظر إلى توسع دائرة الصراع وشبكة النفوذ الإيرانية، يحذر العديد من المراقبين من مصير مجهول لمستقبل الدول التي تحتضن الجماعات والحركات الموالية لإيران، حيث تسدد تلك الدول ثمن هذه "المغامرات" في وقت تعاني فيه بالأساس من أزمات كبيرة، فهي تعرض بلدانها لخطر شديد من خلال إثارة النزاعات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ولا تقتصر هذه الفاتورة على سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين فحسب، بل تمتد إلى أضرار مدمرة للبنية التحتية وانهيار اقتصادي وعدم استقرار سياسي، مما يقوض السيادة الوطنية لتلك الدول.
في هذا السياق، حذّر مركز هوفر الأمريكي للأبحاث من أن أعمال الحوثيين في البحر الأحمر ستؤدي إلى ردود فعل عسكرية دولية، مما سيرتد سلبا على الاقتصاد اليمني المتداعي بالأساس مع إطالة أمد الكارثة الإنسانية ، فضلا عن تعريض التجارة البحرية الإقليمية للخطر.
وأطلق المركز التحذير نفسه بالنسبة لعواقب تورط حزب الله اللبناني في الصراع، فأشار إلى أن ذلك يخاطر بدفع لبنان إلى صراع مدمر مع إسرائيل، مما سيؤدي إلى تفاقم الانهيار الاقتصادي الشديد والجمود السياسي الذي يعاني منه البلد.
وتخلى حزب الله عن التزامه باتفاق هش لوقف إطلاق النار مع إسرائيل دام لأكثر من عام، واختار الحزب، الذي التزم الصمت حيال ضربات متقطعة تلقاها من جانب تل أبيب طيلة الأشهر الماضية، أن يدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في الثاني من مارس دعما لإيران، لتكثف إسرائيل عملياتها العسكرية التي لم تقتصر على جنوب لبنان بل وصلت إلى قلب العاصمة بيروت، وسط استعدادات لعملية برية للسيطرة على جزء من جنوب لبنان وصولا إلى نهر الليطاني بهدف إنشاء"منطقة عازلة" وإبعاد مسلحي حزب الله، ما أثار مخاوف اللبنانيين من تغيير ديموغرافي واحتلال عسكري إسرائيلي من شأنه مفاقمة حالة عدم الاستقرار ودفع المزيد من السكان إلى النزوح.
يأتي هذا في الوقت الذي تهدد فيه الميليشيات المدعومة من إيران الاستقرار العراقي من خلال التصرف كدولة داخل الدولة، بمهاجمة القوات الأمريكية، والمخاطرة بإشعال فتيل العنف الطائفي من جديد.
ويجد العراق نفسه في موقف صعب، مع وجود جماعات موالية لإيران تشن هجمات على المصالح الأمريكية في البلاد، وأخرى مناهضة لها تتلقى بين الحين والآخر ضربات من قبل طهران، ما يهدد بإشعال فتيل العنف الطائفي من جديد، وفقا لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.
وفي هذا السياق، تقول مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إن هذه الجماعات تعمل كـ"دول داخل الدولة"، حيث تعمل بشكل مستقل عن سيطرة الحكومات المحلية، وتصادر في كثير من الأحيان على السياسة الخارجية الوطنية لخدمة مصالح طهران.
واعتبرت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" أن العراق شهد أسوأ سيناريو ممكن، نتيجة الهجمات التي شنتها الجماعات الموالية لإيران والتي طالت مجمع السفارة الأمريكية في بغداد، في "أكبر هجوم من نوعه منذ سنوات"، مشيرة إلى تداعيات ذلك على المنحى التصاعدي الذي كانت تشهده البلاد في مجالات مختلفة.
وأوضحت الصحيفة أنه "في الوقت الذي كان فيه العراق يخرج من ظلال عقود من الصراع ويتمتع بطفرة في النشاط الاقتصادي والاستقرار، يجر البلد الآن إلى حرب إقليمية".
وبالنظر لتجارب الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والفصائل المسلحة في العراق المنضوية تحت لواء ما يعرف بـ"فصائل المقاومة الإسلامية في العراق"، وبعد الأحداث التي تلت هجوم السابع من أكتوبر وتلاشي دور حركة حماس هذه المرة بعد الضربات التي تلقتها على مدار أكثر من عامين وتقويض قدراتها بشكل شبه كامل، يرى محللون أن السنوات الثلاث الماضية كشفت بوضوح مخاطر وجود مثل هذه الجماعات المسلحة في بعض الدول، حيث تستنزف سيادتها، وتخلق كيانات موازية بجيوش وتمويل خاص، مما يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة المركزية، وتكريس الانقسام المجتمعي، والارتهان لأجندات خارجية وجر البلاد إلى حروب غير متكافئة.
(د ب أ)