تركزت عدسات الإعلام، اللبناني والإسرائيلي، ومعهما التغطيات العربية والدولية، مساء الثلاثاء الـ14 من أبريل/ نيسان الجاري، على مكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، إذ افتتح مسار دبلوماسي جديد بالكامل في العلاقة بين لبنان وإسرائيل، عبر أول جولة تفاوض مباشر منذ عقود.
وعكس هذا التركيز الإعلامي الكثيف، إدراكاً واسعاً بأن ما يجري يتجاوز الشكل إلى المضمون، عبر انتقال الملف اللبناني من الاشتباك العسكري إلى طاولة التفاوض، وإلى إعادة تعريف من يتكلم باسم لبنان فعلياً، وصولاً إلى اختبار نيات إسرائيل، وهل تدخل هذا المسار لتثبيت وقائع فرضتها بالنار أم لفتح باب تسوية حقيقية؟
وبين هذه القراءات المتباينة، بدا مكتب روبيو كأنه مركز ثقل إقليمي موقت، تختصر فيه كل الأسئلة المعلقة حول الحرب، بين "حزب الله" وإسرائيل، والسيادة اللبنانية، وحدود ما يمكن أن ينتجه هذا التفاوض في ظل ميزان قوى مختل.
إسرائيل تسعى لتغيير الواقع الأمني على حدودها الشمالية
في أواخر مارس/ آذار الماضي، صرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو "لقد قلت إننا سنغير وجه الشرق الأوسط، وقد فعلنا. لكننا غيرنا أيضاً مفهومنا الأمني"، وتحدث عن إنشاء ثلاثة أحزمة أمنية شمل جنوب سوريا من قمة جبل الشيخ إلى اليرموك، وأكثر من نصف قطاع غزة، إضافة إلى جنوب لبنان. وأوضح أن قرار توسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان يهدف إلى "إحباط خطر الغزو نهائياً... وإبعاد نيران الصواريخ المضادة للدبابات عن الحدود".
في المقابل شددت الدولة اللبنانية مراراً، وبخاصة على لسان رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام على وجوب وقف إطلاق النار وإنسحاب إسرائيل من كل المناطق التي احتلتها في الجنوب اللبناني، توازياً مع التأكيد على المضي بحصرية السلاح بيد الدولة داخلياً.
إسرائيل تضع شروطاً "مستحيلة" على لبنان
من هنا، لم تذهب إسرائيل إلى طاولة التفاوض مع لبنان من موقع الباحث عن مخرج أو سلام وهدنة، بل من موقع تدعي فيه أنها هي من صنعت هذا المسار بيدها وأنها راكمت ما بين بدء حرب الإسناد حتى اليوم، طبقة فوق طبقة من الوقائع، عبر الضربات الجوية الممتدة من الجنوب إلى العمق اللبناني، والهزائم والاستنزاف التدريجي لبنية "حزب الله"، عبر استهداف قياداته ومخازن أسلحته، والأنفاق التي زرعها في الأراضي اللبنانية طوال عقود، وتوسيع هامش الحركة الميدانية بلا قيود جدية، والأهم من ذلك، أنها كما تقول، نقلت المعركة من معادلة ردع متبادل إلى معادلة ضغط واستنزاف مستمر.
بهذا المعنى، إسرائيل لم تدخل التفاوض لتسأل ماذا يمكن أن نأخذ؟ بل لتقول "هذا ما أخذناه بالفعل، والآن نريد تثبيته سياسياً"، وهي تتصرف على أساس أن الميدان سبق طاولة التفاوض، وأن ما فرض بالنار يجب أن يكرس بالاتفاق. لذلك، فإن خطابها التفاوضي ليس مرناً كما تحاول أن تروج، بل مبنياً على ترجمة إنجازاتها في الميدان، أي تحييد الجنوب وتقليص قدرة "حزب الله" إذا لم نقل القضاء عليها، وفرض واقع أمني جديد يجعل أي عودة إلى ما قبل الحرب أو ما قبل الـ23 من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 شبه مستحيلة.
في المقابل، يحسب للبنان أنه هو من بادر باتجاه التفاوض بشكل مباشر مع إسرائيل، وبذلك عبر مبادرة أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل أسابيع قليلة، تتضمن أربع نقاط وهي أولاً إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان، ثانياً المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية، ثالثاً تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ونزع سلاح "حزب الله" ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها، رابعاً وأخيراً، يبدأ لبنان واسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.
التفاوض ليس على إنهاء الحرب بل ما بعدها
تدرك إسرائيل جيداً أن "لحظتها" مواتية، لأن "حزب الله" مستنزف وفي أضعف مراحله العسكرية والسياسية منذ نشأته، وإيران ترزح تحت ضغط كبير، والدولة اللبنانية تعي أنها مضطرة للدخول في مسار تفاوضي تحت وطأة النزوح والانهيار والدمار وضعف موقفها السياسي والسيادي.
واختيار هذا التوقيت للذهاب نحو التفاوض، هو بحد ذاته جزء من المكتسبات الإسرائيلية، لأنه يسمح لها، من منظورها، بأن تفاوض من موقع من يملك الوقت والقوة، لا من موقع من يحتاج إلى تسوية سريعة.
وعليه، هي لا تفاوض على إنهاء الحرب فحسب، بل على صورة ما بعدها، وما تسعى إليه فعلياً ليس اتفاقاً متوازناً، بل تثبيت ميزان قوى جديد خرجت منه متقدمة، وتريد أن تضمن ألا يعاد كسر هذا الميزان بسهولة.
وفي الميدان، نجد أن ما جرى ويجري في مدينة بنت جبيل (جنوب لبنان) ليس مجرد اشتباك موضعي في بلدة حدودية استراتيجية، بل لحظة كاشفة لمسار المعركة كلها. لذا يعمد الجيش الإسرائيلي إلى نشر فيديوهات تكشف عن أن عناصر من "حزب الله" ينسحبون أو يستسلمون تحت الضغط، ضمن عمليات دقيقة داخل ما يفترض أنه "معقل الحزب". وتزامن ذلك مع دخول سياسي وعسكري إسرائيلي إلى عمق الجنوب، تخللته زيارة ميدانية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل يومين برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير.
ملف الانتهاكات
يمتلك لبنان في المقابل معطيات، لكنها غير مستثمرة كما يجب. ويستطيع لبنان أن "يستثمر" مثلاً في ملف الانتهاكات الإسرائيلية، ذلك أن إسرائيل لا تفرق بين ضرب مناطق مدنية أو عسكرية، وتدمير بنى تحتية، واستهداف الطرق والجسور والمراكز الحيوية.
أيضاً وخلال ما تعتبره أنه استهداف لعناصر أو قيادات من الحزب تسقط أعداد كبيرة من المدنيين، وهذا ليس تفصيلاً إنسانياً فحسب، بل ورقة قانونية يمكن البناء عليها إذا جرى توثيقها بصورة منهجية وتحويلها إلى ملف متكامل. إنما حتى الساعة لا تقارير أو بيانات رسمية تؤكد ان لبنان بدأ بالفعل بإعداد ملف يوثق هذه الانتهاكات.
"عودة الشرعية" للدولة اللبنانية
للمرة الأولى ومنذ أعوام، هناك مسار تفاوضي لا يمر عبر "حزب الله"، وكانت الدولة اللبنانية وعبر إعلانها التفاوض المباشر مع إسرائيل، سحبت ورقة ابتزاز مهمة وأساس استخدمتها إيران لفترة طويلة، أي الساحة اللبنانية، وهذا بحد ذاته ورقة سياسية تعني أن لبنان يحاول استعادة قراره السيادي. من هنا تستطيع بيروت أن تمارس وعبر الوسائل الدبلوماسية والدول الصديقة، ضغطاً دولياً لتثبيت الاستقرار، ذلك أنه لا أحد يريد انفجاراً أوسع على الجبهة اللبنانية، وهذه نقطة يمكن للبنان استخدامها لفرض شروط تتعلق بوقف النار وعودة النازحين.
لكن مقابل هذه المعطيات، هناك نقاط ضعف في الموقف اللبناني أكثر خطورة ووضوحاً، أولها أن لبنان لا يملك ورقة قوة ميدانية حقيقية، بل العكس تماماً، لأن السلاح خارج الشرعية استنزف تماماً، ولم يعد يشكل عنصر ردع فعلي بقدر ما أصبح ذريعة لاستمرار الضربات. أضف إلى ذلك غياب وحدة القرار الداخلي، إذ صحيح أن الدولة تفاوض، لكن هناك واقعاً موازياً فرضه "حزب الله" لأعوام، وما زال يلقي بظلاله على أي موقف رسمي.
كما أن لبنان يدخل التفاوض من موقع الدفاع، ويحاول وقف النار واحتواء الخسائر، فيما إسرائيل تدخل لتكريس مكاسب وتثبيت شروط، وعلى رأسها نزع سلاح "حزب الله" أو في الأقل تحييده جنوباً، وذلك لا يزال أمامه عقبات ومنعطفات خطرة وعديدة.
من هنا، فإن ما يحصل في بنت جبيل، والحضور الإسرائيلي الميداني الرفيع، لم يكن مجرد حدث عسكري، بل إعادة رسم لميزان القوة الذي سيحكم أي تفاوض مقبل. مع أنه من الممكن القول إن لبنان يملك أوراقاً سياسية، لكنه لم يحسن استخدامها بعد.
كيف يمكن للبنان أن يقوي موقفه أمام إسرائيل؟
يفترض بلبنان أن يذهب إلى أي مفاوضات مباشرة مقبلة مع إسرائيل وفي يده ملف كامل، موثق وقانوني وسياسي وإنساني، لا على قاعدة الشكوى فحسب بل على قاعدة تثبيت الوقائع وتحويلها إلى ورقة ضغط. فإذا كان لبنان يذهب هذه المرة بصفته دولة لا ساحة، لا يجوز أن يجلس إلى الطاولة أعزل.
الخطوة الأولى حصلت فعلاً في واشنطن، وهي الأولى من نوعها منذ عقود، لكن ما ظهر من مواقف الطرفين يؤكد أن كل طرف دخل بجدول أعمال مختلف تماماً، إذ طالب لبنان بوقف إطلاق النار وعودة النازحين والإغاثة، بينما قالت إسرائيل بوضوح إنها تريد نزع سلاح "حزب الله"، ولم تبد استعدادًا لبحث وقف النار كأولوية الآن، وهذه فجوة لمصلحة تل أبيب.
هل تأخر لبنان في استعادة سيادته؟
تكمن مشكلة لبنان الرسمي الرئيسة هنا، أنه تأخر كثيراً قبل أن ينهض ويتصرف كدولة. وكان "حزب الله" ولأعوام قدم نفسه كصاحب حق احتكار قرار الحرب والسلم، وجر البلد إلى وظيفة إيرانية مفتوحة، ثم وفي كل مرة وعندما تقع الكارثة يطلب من الدولة أن تحمل مسؤولية إصلاح الخراب وتذهب لترمم ما كسره "السلاح الممانع".
في السياق، كان الأمين العام للحزب نعيم قاسم أعلن أن "كل لبنان مستهدف لأن إسرائيل عندما تحتل جنوب لبنان يعني تحتل لبنان، وعندما تضغط وتوزع قتلها على الأراضي اللبناني يعني ذلك أن لبنان كله مستهدف". وتابع "المفروض في حال العدوان أن تتصدى الدولة اللبنانية وتكلف جيشها مواجهة العدوان". فيما رفض الحزب علانية وعلى لسان قياداته ومسؤوليه بشكل مطلق أية مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، محملاً إياها مسؤولية الحرب التي يعيشها لبنان.
ويرى بعض المراقبين أن الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب لم يأت من فراغ، بل نتيجة مباشرة لتحويل لبنان إلى منصة صواريخ إيرانية خارج قرار الدولة، وربط مصير اللبنانيين بأجندة إقليمية غير مرتبطة بمصلحتهم الوطنية. وأن قاسم نسي أو تناسى أنهم هم من أدخل لبنان في هذه الحرب وغيرها، لا الدولة ولا الشعب.
وهم من قرر فتح الجبهة تحت عنوان "الانتقام لدم المرشد"، وربط الساحة اللبنانية بحروب إيران في المنطقة، ثم يطالبون الدولة بتحمل النتائج وكأنها كانت شريكة في القرار. واعتبر المراقبون أن الدولة لا يمكن أن تواجه حرباً لم تقررها، ولا أن تتحمل كلفة سلاح خارج سلطتها. بالتالي على من صادر قرار الحرب والسلم أن يتحمل مسؤوليته كاملة، لا أن يختبئ خلف شعارات "العدوان" و"السيادة" بعدما فرغهما من معناهما.
أما الحزب فيؤكد بدوره أن خيار العودة للحرب هذه المرة أتى بعدما فشلت الدولة اللبنانية وعبر مسار الدبلوماسية أن تدافع عن الأرض أو تستعيد أية مناطق سيطرة عليها إسرائيل، كذلك يقول إن إسرائيل لم توقف من الأصل الحرب فهي استمرت بضرب لبنان طيلة 15 شهراً بلا رادع.
وهنا تكمن العقدة الأساس التي يجب قولها بلا مجاملة، نعم، إسرائيل ارتكبت انتهاكات واسعة وضربات دامية ضد المدنيين والبنى التحتية، لكن أيضاً، "حزب الله" وإيران هما من وضعا لبنان أصلاً في هذا المسار، وحولاه إلى جبهة أمامية لمشروع لا علاقة له بمصلحة اللبنانيين.
وهذا ليس تفصيلاً، لأن الدولة اللبنانية اليوم لا تفاوض لتقدم تنازلاً مجانياً، بل لتصحح نتائج "مغامرات" فرضت عليها من خارج منطق الدولة. وعليه يصبح توثيق الجرائم الإسرائيلية ضرورة وطنية لا تتناقض أبداً مع الذهاب إلى التفاوض، بل على العكس، أي دولة تعي نقاط قوتها قبل ضعفها تفاوض وتوثق في الوقت نفسه. وما جرى في لبنان خلال الشهر الماضي ليس مادة إعلامية عابرة، وبخاصة نهار "الأربعاء الأسود"، الثامن من أبريل/ نيسان الجاري، بل مادة قانونية وسياسية قابلة للبناء عليها، إذ إن وكالات دولية وحقوقية وثقت مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وبينهم أطفال.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك دان موجة القصف الإسرائيلي العنيف، التي استهدفت مناطق مختلفة من لبنان. وأكد أن التقارير التي تفيد بسقوط مئات القتلى والجرحى، بمن فيهم عدد من المدنيين، مروعة للغاية. وقال "إن حجم القتل والدمار في لبنان اليوم مروع للغاية. وتبقى هذه المجازر، التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، عصية على التصديق. كما أنها تمارس ضغوطاً هائلة على سلام هش أصلاً، على رغم أن المدنيين هم في أمس الحاجة إليه". وأشار تورك إلى أن "القانون الدولي الإنساني يشير بكل وضوح إلى وجوب حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية." ووثقت منظمات حقوقية تضرر بنى أساس كالجسور التي تربط الجنوب بباقي لبنان، بما يهدد وصول الغذاء والدواء والمساعدات.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مفصلية جداً هنا، لأن قيمة هذا الملف لا تأتي فقط من حجمه الأخلاقي أو الإنساني، بل من طريقة استخدامه. فإذا استخدم بالأسلوب اللبناني النمطي القديم، أي كشعارات وصراخ وخطابات بكائية على المنابر، فلن يساوي شيئاً، أما إذا صيغ كملف قانوني محكم، بمعنى أن يتضمن خرائط وتواريخ وصور أقمار اصطناعية وشهادات لمدنيين وأسماء ضحايا، وتوثيقاً لضرب بنى مدنية وقتلاً لأطفال، واستهداف طرق وجسور ومراكز إسعاف، وتوصيفاً قانونياً دقيقاً للانتهاكات، عندها سيتحول الملف من أرشيف إلى أداة تفاوض حقيقية، وبخاصة أن خمس منظمات حقوقية وإعلامية ("المفكرة القانونية"، و"منظمة العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، و"مراسلون بلا حدود") وجهت رسالة إلى وزير العدل عادل نصار ونائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري الذي يترأس اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، بضرورة اتخاذ الحكومة اللبنانية خطوات فورية وملموسة للمساعدة في ضمان الوصول إلى تحقيق العدالة، وكشف الحقيقة وجبر الضرر لآلاف الضحايا المدنيين للانتهاكات الناجمة عن النزاع المسلح مع إسرائيل.
وتعد هذه الورقة قوية لكنها ليست عصا سحرية، ولكنها تذكر العالم بأن إسرائيل لا تدخل إلى أي مسار تفاوضي من موقع "طالب سلام"، بل من موقع قوة عسكرية تمارس ضغطاً دموياً واسعاً على لبنان، وتحاول أن تفاوض فوق النار، كما أنها تمنح الدولة اللبنانية شرعية خطابية وقانونية في وجه السردية الإسرائيلية التي تحاول اختزال كل لبنان بـ"حزب الله". لكن هذه الورقة تبقى محدودة إذا لم ترافقها ورقة سيادية داخلية أكثر أهمية، وهي أن يثبت لبنان بالفعل أنه قرر سحب ورقة الحرب من يد إيران، وسحب وظيفة السلاح من يد "حزب الله"، وإعادة القرار إلى الدولة وحدها. من دون ذلك، سيبقى المجتمع الدولي ينظر إلى الملف اللبناني على أنه ملف "دولة مخترقة"، لا دولة كاملة السيادة.
ما تريده إسرائيل
في المحصلة، يجب قول ما لا يريد كثر قوله في لبنان، إسرائيل لا تفاوض لأنها صارت مسالمة، بل لأنها تدعي أن الحرب أعطتها فرصة لإعادة هندسة التوازنات. وهي تريد "لبناناً" منزوع المخالب جنوباً، ومراقباً أمنياً ومفصولاً بالكامل عن إيران. وإذا استطاعت أن تنتزع ذلك عبر المفاوضات، فهذا بالنسبة إليها أفضل من البقاء في حرب مفتوحة مكلفة. لذلك هي لا تذهب إلى الطاولة بعقل المصالحة التاريخية، بل بعقل ترجمة الإنجاز العسكري إلى اتفاق سياسي. وهذا يعني أن كلمة "السلام" التي تستخدمها إسرائيل الآن يجب التعامل معها بحذر شديد، لأنها قد تكون عنواناً تسويقياً لمسار هدفه الفعلي أمن إسرائيل أولاً، وردع "حزب الله" نهائياً، وتكريس انهيار النفوذ الإيراني في لبنان.
لكن في المقابل، هذا لا يعني أن على لبنان أن يهرب من التفاوض، على العكس، يجب على لبنان أن يذهب لأن البديل هو أن يبقى البلد رهينة معادلة عبثية. ولا بد أن يدخل لبنان اليوم إلى المفاوضات بوصفه صاحب حق لا صاحب وظيفة.
والفارق هنا أساسي، أن تذهب الدولة لتفاوض على وقف النار والانسحاب وإعادة الإعمار وترسيم ما يجب ترسيمه وحماية المدنيين، وإعادة النازحين وتثبيت حصرية السلاح بيدها، لا أن تذهب لتوقع على شرعنة نتائج حرب خاضها "حزب الله" باسم إيران على الأرض اللبنانية. ولا يملك لبنان إلا خياراً واحدًا، وهو تحقيق السلام على كامل أراضيه إن أراد النجاة، وأن يستعيد نفسه كدولة وأن يتوقف نهائياً عن كونه ساحة لحروب الآخرين.
(اندبندنت عربية)